وليد فاضل جرادات

الموت يرقبنا. يتعقبنا واحداً تلو الآخر. جاءني يوماً.. أخذ بيدي.. أراني جميع من رحلوا. ثم غاب ردحاً من الزمن.. ولما عاد كانت الدائرة تدور حولي. كان الدور دوري.

سجّى جسدي. خيم الحزن على بيتي. عبث الأغراب بخصوصياتي. جلستْ أختي قرب رأسي. بدأت تمسح جبيني المتعرق. إخوتي تفرقوا: أحدهم ليحفر القبر. والآخر ليحضر الكفن. أما البقية فبدأوا بتجهيز الخيام لاستقبال المشيعين. زوجتي بدأت بتلاوة سورٍ من القرآن، وكثيراً ما أوقفتها نوبة البكاء. ولداي شغلا بالدعاء لي. وكثيراً ما خنقتهما العبرات فتوقفا.

أدار أحدهم مفتاح المذياع. جاء صوت المذيع ينعيني: « تعيس الغلبان يموت منتحراً».. تعساً لهذا المارق.. ما الذي دعاه للكذب؟! أهي الأوامر؟ أم إنه اتّبع المثل الذي يقول: «الكذب على الأموات.....»! ألم يعلم أنهم دسّوا لي السم ولم أمت.. وأنهم صعقوني بالكهرباء ولم أمت.. ألم يعلم أنهم أطلقوا الرصاص عليّ ولم أمت.. وأنهم علّقوني على أعواد المشانق ولم أمت.. وأنهم رموني في اليم ولم أغرق.. ولم أمت.. وأشعلوا بي النار فكانت عليّ برداً وسلاماّ ولم أمت.. واليوم وعندما أبعدوني اصطادني الموت وبعدت.

«اللهم اغسله بالماء والبرد. ونقّه من خطاياه كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس» قال أحدهم. «اللهم إن كان محسناً فزد في حسناته. وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته» أردف آخر. تعساً لهذين المنافقين.. ما أحببتهما يوماً.. وما أحبّاني.

أربعة اقتربوا مني.. حملوني إلى منضدة توسطت صحن الدار.. جردوني من ثيابي. عارياً أصبحت وسط حفنة من العيون. صرخت. لمْ أسمعني. تلاشت كلماتي تحمل في طياتها ألف سؤال: أين ولداي؟ أين زوجتي؟ لمَ تركوا أولئك الغرباء يعيثون فيّ تجريداً؟ لمَ لمْ يمنعونهم؟ لمَ لم يغطوا دون جسدي أعينهم؟ هل أبيحَ للأغراب من الأموات ما كان محرماً؟ وعندما لم أجد مَن يسمعني صمتُّ صمتاً لا يشبههُ الصمت.. ونمت/ متّ.

الماء الساخن فوقى ثم البارد. وانتهى الأمر بي إلى الكفن. حزموا أمرهم كما حزموا الكفن حولي، أن أُدفن قرب قبر جارنا قاسم. (كوم حجار ولا هَـ الجار). لقد فرحت لمّا نعوه لي. قلت: «ارتحت من أذاه». كان لا يكف عن الصراخ ليلاً ولا نهاراً. وأولاده العشرة تبرأتْ منهم كل القيم والأخلاق. أما زوجته فكانت دائمة التذمر منه. من الأولاد. من الحياة. ارتحتُ منه لشهور.. وها هو يعود/ أعود لجواره. هل سيتركني أنعم بهدوء الأموات.. أم إن صراخه سيكسر الصمت الساكن حولي وحوله؟

حملوني على الأكتاف.. «سامحوه يا جماعة» قال أحدهم.. «مَن كان له في ذمة المرحوم دين فليراجعني» أردف ولدي الأكبر.. «ما أثقل حملك يا ولدي.. نعشي ثقيل.. همّي ثقيل.. ودَيْني أثقل».

«الصلاة أربع تكبيرات على الجنازة».. قال الإمام.. وشرع بالصلاة. انتهت التكبيرات.. وانتهت الصلاة.. لأُحْمَل ثانيةً على الأكتاف.

الموكب المهيب يسير تارة بسرعة.. وتارة ألهوينى.. وأنا أتأرجح ما بين الأفكار. «ترى، ماذا ستصنع الأيام بزوجتي وولدَي؟ هل ستسحقهم كما سحقتني؟ أم إنهم سينتصرون لي منها؟»..

وصل جثماني المقبرة.. فقطعت هواجسي وأفكاري ... أنزلوني القبر.. وزادوا أحمالي حملاَ آخر... كومة من التراب علَتني.. ومن ثم: «سلام عليكم أيها الأموات».. ورحلوا.. ما أسرعهم في إنجاز مهمة دفني.. والرحيل.. ربما يعود السبب إلى قول أحدهم يستحثهم على الإسراع في تجهيزي: «إكرام الميت دفنه».. لقد قال «دفنه» وليس الإسراع في الرحيل.

وحيد أنا الآن. التراب فوقي. وتحتي. وعن يميني.. وعن شمالي. ملائكة ربي تحضر. أسئلة.. وإجابات. ويرحلون. ثم فجأة يعود الزوار تماماً كما في الدنيا.. لم يختلف في الأمر شيء. ظننتُني في الموت سأرتاح من سخافاتهم. ولكن أيّ راحة في الموت.. وصوت جاري.. وسؤال زواري. وتلعثم لساني. والأسئلة الغريبة تُطرح. الإجابات كانت لدي جاهزة. لكن لغير هذه الأسئلة..

- ما دورك في ذلك العمل الإرهابي؟

- أيّ عمل يا سيدي؟

- لا تراوغ، وخاصة أننا ضبطناك تحاول الهرب من الدنيا؟

- يا سيدي.

- قلنا لك لا تراوغ. ما هو دورك في العمل الإرهابي؟ وإلى أيّ تنظيم تنتمي؟ وما قولك فيما ضُبط معك في هذه الملابس البيضاء؟

- ولكن يا سيدي أنا ميت.

- لا تكذب .

- أنا لا أكذب. أقسم أني ميت.

- التقارير عندنا تقول إنك ما زلت على قيد الحياة.

- وما ذنبي يا سيدي إذا كانت تقاريركم مخطوءة؟

- لا تضيّع الوقت.. قل.. واعترف.

- بماذا أعترف يا سيدي؟

وكان الجواب لطمات وركلات. والأسئلة تتوالى.. ولا إجابات.

أُحلت بعدها إلى محكمة عسكرية نسبت إليّ تهماً ما مرت لي في كابوس ولا خطرت لي على بال.. وبعد صولات وجولات «الحكم بعد المداولة».. ترى ماذا سيكون مصيري؟. هل سأعدم؟ أم أسجن؟.. أم؟ «بعد المداولة والتمحيص والتدقيق.. نحكم عليك بالموت شنقاً. ومن ثم صعقاً بالكهرباء. وقبل أن تُحرق ترمى بالرصاص وتُبرد برميك إلى البحر». «البحر. كم تمنيت أن تحملني أمواجه إلى شواطئ الأمان. كم تمنيت أن أجالسه ليلاً. وأن أحدثه.. وأن.. وأن..». «ينفَّذ الحكم في الحال».

نُصبت أعواد مشنقتي. الحبل يتدلى. أقرأ المعوذتين. سورة يس. الفاتحة. التشهد..

الحبل حول عنقي وأنا أتدلى. «سحقاً.. ساعتان ولم يمت».. قال جلادي.. « =اصعقوه بالكهرباء».. صاح رئيس المحكمة. الكهرباء لا تحرك بي ساكناً... «ارموه بالرصاص».. الرصاص يخترقني. ولا أحس.. وكيف يحس مَن طواه الموت. «أحرقوه». النار تأكلني وتأكل أحلامي وآمالي. «لم يمت».. «ألقوه في اليم.. وارقبوه حتى يموت». ساعة. ساعتان. ثلاثة. الماء حولي. السمك يحاذيني.. ويغادر. الحوت يبتلعني. أسبّح بحمد ربي. يقذفني الحوت إلى الشاطئ. وصل الأمر إلى صاحب الأمر فحضر. وأمر قائلاً: «أنعمت عليه بالحياة.. أعيدوه إلى بيته/ قبره».. ورحل في موكبه المهيب.. وسط هتافات وتصفيق ودعاء له أن يبقيه الله من العادلين، العافّين دوماً عن الناس.

القبر يحويني ثانيةً.. أحمد الله أني متّ.