على خلاف الغالبية العظمى من الزملاء الكتّاب، فقد بدأت روائيا، ثم كتبت القصة القصيرة إلى جانب الرواية، ولهذا الدخول على خطوط القصة سبب أعرفه جيدا، فانا لم أكتب القصة القصيرة إلا بعد ان تبين لي أن هنالك الكثير من التفاصيل التي لا يمكن التعبير عنها في رواية، إنما في قصص قصيرة، لأنها لو جمعت وعولجت في عمل روائي لكانت الحصيلة بنية مفككة وغير متجانسة، فلكل حدث صغير حكايته وإمكاناته الخاصة التي لا يجوز لنا أن نقوم بتمديدها ومطها أو دمجها القسري بسواها كي نُدخلها إلى بيت الطاعة الروائي.

هذا ما دعاني إلى كتابة القصة القصيرة: إنه الاعترافُ الموضوعي والفني بالضرورتين الروائية والقصصية وبالفوارق التي تميز كلا منهما عن الأخرى.

لكن تجربة الجمع بين القصة والرواية أوجدت لدي فهما ربما يكون مختلفا عما هو متداول إزاء هذين النوعين الإبداعيين، فعلى الرغم من كل ما قدمه النقاد والدارسون من توضيحات حول الفوارق الأساسية بين الرواية والقصة، وضرورة فض الاشتباك بينهما، وعدّهما جنسين أدبيين مختلفين، إلا أن الفهم السائد ظل يرتكز على طول النص أو قِصره، لا إلى خصوصيته أو طبيعته من حيث: كثافته وتوظيفه للحدث المشحون واللغة المتنصلة من كل الزوائد في القصة القصيرة، وتمدده واعتماده على جملة من العناصر المتواشجة في الرواية، سواء على مستوى تصميم وتوالد الشخوص والأحداث، أو على مستوى علاقاتها مع الزمان والمكان اللذين يشكلان عنصرين أساسيين في الرواية. يضاف إلى هذا، أن الرواية تحتوي على ما يمكن تسميته: زراعة بذور أحداث وشخصيات تنمو وتكبر وتعمر، وربما تموت لتولد بدائل لها، وهو ما لا نجده في القصة القصيرة، من دون إغفال الاختلافات النوعية والشكلية بين الأدوات المستخدمة في تشييد كل من المعمارين القصصي والروائي.

أمر آخر أدى إلى الخلط بين ما هو قصصي وما هو روائي. إنه القاسم السردي المشترك الذي استفادا منه على مدى تاريخهما الطويل نسبيا، مع أن هذا القاسم ليس حكرا عليهما، إنما هو متاح للأجناس الكتابية الأخرى، بما فيها الشعر والمسرح والدراما وسواها، فكثير من القصائد تبنى على متون سردية رغم صياغاتها الشعرية ومتطلبات الوزن والإيقاع، كما إن المسرح يوظف السرد بطريقته وفقا لاحتياجاته الأدائية، وهو ما ينطبق أيضا على الدراما التي لا تستقيم من دون الاستعانة بالسرد الذي يتم تحويله إلى مشاهد وحوارات وأحداث وصور متسلسلة، ولست أدري لماذا لا نتذكر ذلك القاسم السردي المشترك إلا حين نتحدث عن القصة والرواية، مع أنه ليس قاسما رياضيا وليس حكرا على هذين النوعين الأدبيين.

ومما يزيد الأمور تعقيدا أن بعض كتّاب القصة يرى أنها أشبه بتمرين يسبق كتابة الرواية التي يعدّها غاية لا بد من بلوغها، بصرف النظر عن امتلاكه أدواتها، المختلفة تماما عن تلك التي تخص القصة. الأمرُ نفسه ينطبق على الروائي الذي يكتب القصة من دون امتلاك أدواتها، معتقدا أنها أمر مقدور عليه لمن استطاع كتابة ما هو أكبر منها (الرواية)، حتى إن هناك ممن خاضوا هاتين التجربتين مَن سجل فشلا ذريعا، لأنه رأى في القصة «فضلة» رواية أو ملخص أحداث، وفي الرواية توسعا أفقيا واختلاقا لأحداث لا مكان لها إلا في القصة القصيرة!

محترفو كتابة القصة والرواية لا يقعون في مصائد هذا التسطيح، لكن الكثيرين من القراء والكتاب ليسوا محصنين ضد هذا الفهم المتعسف، ومن هنا تبرز الحاجة إلى فك الارتباط التقليدي بين القصة والرواية، مع وضع ما يكفي من الخطوط التي تفصلُهما عن بعضهما بعضاً، وتنير المساربَ والحقولَ الخاصة بكل منهما، بمنأى عن التأويلات التي تجد في عناصر السرد أو غزارة الصفحات أو محدوديتها، مقاييس تصلح لتحديد ما إذا كان النص روائيَ التابعية أم قصصيا.

على أن من المهم هنا أن نعرج على وهم الاعتقاد بأن الأفكارَ الكبرى تأتي من الأعمال الكبرى، ذلك أن كلمة «الكبرى» لا تنصرف إلى قوة هذه الأفكار، إنما إلى ضخامة العمل وعدد صفحاته، مع أن الحقيقة لا تعاضد هذا الوهم، فعظمةُ الأفكار تتأتى من سلاستها وسلامتها، ومن كيفية التصرف بها قصصيا أو روائيا، إذ ليس المهم هو طول الحكاية أو قِصرُها، إنما ما الذي تقوله الحكاية وكيف؟

لقد تبين لي أن القاصَ يشبه شخصا يرى في طريقه مشاهد وأحداثا كثيرة، لكنه لا يتوقف إلا حين يخضع لجاذبية واحد من هذه الأحداث، ويشعر أن هذا المشهد أو ذاك الحدثَ مشحون، فيدوّنه في دفتره ليصنع منه في ما بعد تشكيلا قصصيا فنيا جديدا ومختلفا، لكن هذا التشكيل يعتمد أساسا على طاقة الحدث وأهليته، والأمر نفسه ينطبق على الأحداث النفسية.

صحيح أن هناك قصصا مستمدة من المخيال الفني للكاتب، لكن هذا المخيال قائم على واقع يشكل أرضية ترتكز عليها تلك القصص، وبخلاف ذلك فإن هذا النمطَ القصصيَّ لن يكون أكثر من ترتيبات ذهنية لا تنتمي إلى ما هو ملموس في الحياة، ولا تقنع المتلقي الذي لا يستطيع قراءة الخريطة الذهنية للكاتب، وحتى لو استطاع، فإنه لا يملك ما يكفي من الوقت لفك رموز هذا المركب الذهني ومؤدياته.

أما الكاتبُ الذي يطالبُ قراءه بالصبر والجلد وإعمال الفكر من أجل فهم قصصه، فإنه لا يختلف كثيرا عمن يستوقف الذاهبين إلى أعمالهم أو المنشغلين بقضاياهم كي يتركوا ما بأيديهم من أجل فك تلك الرموز، وفي تقديري أنْ لا حياة لهذا النوع من القصص في عصرنا الحاضر، وربما كانت البساطة –لا التسطيح- هي الحل الأمثل لبقاء القصة القصيرة، لأنها تثري القصة ولا تؤدي إلى تسطيحها مثلما ساد الاعتقاد في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وعلينا أن نعترف أن للبساطة سرها وسحرها وقدرتها على استقطاب القراء، ولا إخالنا نختلف على أن أعظم المخترعات هو أكثرها بساطة في الاستخدام.

يقودني هذا إلى الحديث عن اللغة القصصية مثلما عرفتُها في تجربتي وفي قراءاتي، فاللغة المتخثرة العسيرة لا تقدم شيئا للقصة، وهي تأتي على حساب التماسك الذي يرى فيه مستخدمو هذه اللغة نوعا من القهر، لأن جوهر الاختبار القصصي يكمن في تماسك الأحداث والأفكار، الأمر الذي يحرمهم من شهوة استعراض قدراتهم اللغوية، ثم إخفاقهم في الخروج من أسر تلك الشهوة، ثم إساءة استخدام المادة القصصية الخام، وبالتالي تدمير البناء القصصي برمته، مع أن حق الكاتب في أن يكون قاصا يعتمد اساسا على إتقانه فنون كتابة القصة، لا على إمكاناته اللغوية المجردة.

أمر آخر يجدر ذكره في هذا المجال. إنه تلك «العبادة» المنتشرة للّغة الشعرية في القصة، مع أن لغة الشعر لا تصلح ولا تتصالح مع القصة القصيرة، فللشعر خصوصيته، وللقصة خصوصيتها أيضا، ليس هذا وحسب، إنما يمكن القول إن استخدام اللغة الشعرية في القصة القصيرة يؤدي في غالب الأحيان إلى تفتيت أفكارها ومعانيها تحت وطأة غواية التزين بلغة الشعر التي تنفع لكتابة القصائد لا القصص، لأسباب عديدة منها أن القصة القصيرة لا تحتمل الحشوات أو الزوائد اللفظية أيا كانت جودتُها وشاعريتها، فلكل مفردة وظيفتُها الخاصة في السياق العام للقصة، ولا بد من التخلص من كل الثرثرات والعبارات والمفردات والفواصل والحروف التي لا تخدم البناء القصصي. يجب أن تكون كل مفردة في القصة مسدَّدة نحو الغاية والنهاية التي ستعلن انتهاء القصة. إن هذا الجانب الوظيفي للمفردات يؤدي إلى مزيد من التماسك وقوة الجذب، ذلك أن أعظم الأفكار تَضمُر إذا لم تجد من يقرأها أو يتبناها، وهذا لا يتحقق إلا إذا توافر شرط الجذب والتشويق في العمل الفني.

أما نهاية القصة فتشكل محصلة مكثفة وتتويجا لكل المجريات التحضيرية منذ بدايتها، لذا فإن وقوعها في حقول توقعات القارئ المتوثب يعني ركاكة بنيتها وهشاشة صنعها وفقر صانعها، إذ لا قيمة لخبر يعرفه القارئ، فيما يعتقد الكاتب أنه جديد ومفاجئ، وفي تقديري أن الكاتب الذي لا يستطيع مباغتة وعي قارئه بنهاية مفاجئة مستمدة من واقع القصة، عليه أن يعيد النظر في مجمل تجربته، وما إذا كان ضروريا أن يواصل الكتابة في هذا النوع الإبداعي الذي نسميه «القصة القصيرة».

أخيرا، يمكن القول إن فكرة أو قصة قصيرة أو فصلا من رواية متقنة متماسكة، قد تقدم للقارئ ما لا تقدمه بعض المطولات الروائية أو الشعرية أو المسرحية.

إن القصة القصيرة هي الفنُّ الناجز الذي لم يجد بعد من ينتبهُ إليه ويمنحهُ ما يليق به من العناية والرعاية.

19/9/2008