لم تكن الأفكار أو الأحداث واضحة لدي عندما بدأت بكتابة رواية «عندما تشيخ الذئاب». كان ثمة تشكل لسحابة غامضة في مخيلتي، سحابة ملأى بأتربة الأفكار والذكريات وغبارها، وكان عليّ أن أستمطر الأحداث قبل أن تنقشع، لذا بادرت إلى تدوين ما ترسب في مخيلتي وما استحضرته ذاكرتي حينئذ.

عند الحديث عن تجربتي مع هذه الرواية، لا بد من الرجوع إلى ورشتي ومعملي كي أتحدث عن قضيتين رئيستين: جذور الشخصيات الروائية في «عندما تشيخ الذئاب»، وغياب اسم عمّان عن رواياتي السابقة، رغم حضور شوارعها وأحيائها وبناءاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيها.

الشيخ مصطفى/

الشيخ عبد الحميد الجنزير

أذكر أن شيخاً قصير القامة اسمه «مصطفى»، كان يقطن في حيّنا،كان وجهه يطفح بالبشْر الذي يدعو إلى الطمأنينة، غير أن عينيه الحادتين أفسدتا عليه تلك الطمأنينة التي حرص على إضفائها على ملامح وجهه. كانت عيناه مزعجتين إلى حد أن نوعاً من الضيق كان يصيب النساء كلما نظر إليهن، كأنما نظراته تعريهن من ملابسهن.

كان الشيخ مصطفى يجمع مريديه في بداية كل شهر هجري، ويحملون الرايات الخضراء ويسيرون في الشارع بشكل جماعي، بينما لا تكفّ أيديهم عن قرع الطبول والصنوج النحاسية، أما هو فكان يتقدمهم بقامته القصيرة وعباءته الواسعة التي تزيده سمنة، فيبدو عرضه قريباً من طوله. الشيخ مصطفى هو الذي تسرّب في ذاكرتي وألحَّ عليها لتخترع شخصية الشيخ عبد الحميد الجنزير التي وردت في الرواية.

بين هيام وسندس

هيام كانت في الخامسة عشرة من عمرها حينما انتبهتُ إلى وجودها المشاغب في حارتنا، كنت في مثل سنها، وكانت موضوع اهتمام من أصحابي الذين منوا النفس ببناء علاقة معها، وكنت من حزب عبد الحليم حافظ وأتقاتل مع أترابي الذين يحبون فريد الأطرش، وقد صودف أن سمعت غير مرة صوت المذياع في بيتها وهو يصدح بأغاني عبد الحليم حافظ، فوجدت في ذلك حسماً لخمسين بالمئة من معركتي مع المنافسين الذين يحبون فريد الأطرش. لقد أهملَتْهم هيام بسبب الاصطفاف الفني الذي أدى إلى ما يشبه الخلاف العقائدي معهم.

ما كان يحيرني هو ما أراه من هيام وما أسمعه في أغاني عبد الحليم حافظ، ففي حين كانت تلك الأغاني تتحدث عن الحب والمحبوب الأوحد، وهو ما تبين لي بأنه ليس دقيقاً عندما كبرت، فإن تلك الفتاة كانت حريصة على إثارة إعجابنا كلنا، ويبدو أن فكرة «الحبيب الواحد» لم تكن سوى فكرة غنائية لم تتوقف عندها، بدليل أن كل أصحابي كانوا يتعقبونها ويتمنونها، فيما هي تمنح كلَّ واحد منهم نظرةً يعتاش عليها أياماً. كان واضحاً أنها تحب كلاًّ منا على انفراد وبطريقة مختلفة عن الآخر. ما أعنيه هو النظرة، تمسيد الشعر بالكف، الغمزة، تقليص الحاجبين بطريقة لا تخلو من الإثارة، ثم الرسائل التي تكتبها على أوراق زهرية تخبئ فيها أزهاراً مجففة.

ربما كانت تستمتع بتعذيبنا وتحويلنا إلى جيش من المعجبين، أما نحن فقد ارتضينا ذلك الدور بطيب خاطر. هيام هي الجذر الذي انطلقت منه شخصية سندس في الرواية.

جبران المدني

جبران لم يكن شخصاً واحداً. لقد تشكل من مجموعة كبيرة من الشخوص الذين رأيتهم في حياتي، لذا لا فضلَ لأحد في بناء هذه الشخصية العمّانية، وإذا كان ثمة فضل فهو لعمّان ولبنيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية التي أنجبت نموذج جبران.

عياش ورباح الوجيه

هناك نوع من الرجال يعمد إلى إثارة الانتباه بطريقة لا تخلو من الطرافة. ثمة رجل اسمه «معاذ» في الخمسين من عمره، كان يسكن في حارتنا، ويصرّ على ارتداء بدلة سوداء عتيقة لا يمتلك غيرها، كان رفيعاً وطويلاً بارز الكتفين، وجهه عظمي ورقبته رفيعة، ويعتمر غترة بيضاء تزيد من بروز فكيه.

ما يميز «معاذ» أنه كان يحرص على حضور الأعراس كلها، ويجلس على كرسي الخشب المجدول، وفي غمرة كل عرس يأتي إليه رجل ويهمس في أذنه، فتبدو على وجهه ملامح الاهتمام والخطورة، الأمر الذي يجعل الآخرين ينظرون إليه بمزيد من الأهمية، فيغادر كرسيه ويخرج بينما تلتف الأعناق في إثره، وحينما يعود يسأله القريبون من مقعده عما إذا كان ثمة خطب، فيمسك بسره رافضاً البوح بأي شيء، ما يزيد من حيرة الحاضرين الذي يتوجسون خيفة من أن يفسد العرس. غير أنني اكتشفت متأخراً أن ذلك الرجل كان يتفق مع أحد أصحابه كي ينفذا ذلك الطقس الذي يحقق لمعاذ أهمية استثنائية في كل عرس. ذلك الرجل، معاذ، الذي يتقن صناعة الأهمية، كان يعمل كاتبَ استدعاءات أمام المحكمة، وهو الذي أوحى لي بشخصية رباح الوجيه.

شفيق وعزمي

أما عزمي الذي يُفترض أنه ابن رباح الوجيه، فقد حضرني في مناسبة عزاء لفتاة في العشرين من عمرها ماتت بطريقة غامضة، وكان شقيقها «شفيق» شاباً في الخامسة والعشرين، ومطلوباً لرجال الشرطة بتهمة شنق عمته المطلّقة بسبب انكشاف علاقتها مع أحد البقالين.

في ذلك العزاء لاحظت أن «شفيق» كان يتحرك في الخيمة بحرية تامة، رغم أن الشرطة تطارده منذ أشهر، ولقد أثارني أنه كان محروساً بثلاثة من الشبان المسلحين الذين لم يغادروا خيمة العزاء طيلة أيامه الثلاثة، ومع أن مثل هذا الحضور لا يمكن أن يخفى على رجال الشرطة، إلا أنهم لم يقتربوا من مكان العزاء، الأمر الذي سمح له بالتحرك بين الناس بحرية تامة، كأنما لم يرتكب جرم قتل عمته. ذاك كان هو عزمي الوجيه.

عمّان التي أعرفها

عمّان حضرت في رواياتي وغابت عنها.

في روايات: «ليلة الريش» و»الحياة على ذمة الموت» و»مخلفات الزوابع الأخيرة»، حضرت عمّان، لكنها كانت أشبه بفتاة منقبة لم تعلن عن اسمها، ولم تكشف عن عينيها الجميلتين.

لقد غابت عمّان عن رواياتي، وتسترت تحت نسيج تحسباتي، فآثرت الابتعاد عنها، بحثاً عن حريتي في ارتياد الأمكنة الأخرى أو اختراعها، لكنني اختزنتها في ذاكرتي وأوراقي، لأن مجرد ورودها في رواياتي، كان كفيلاً بإيقاظ الأحاسيس الاستثنائية لدى الرقيب، الذي سرعان ما يشطب ويفسر ويقيس، ثم يتخذ قراره بإعدام المكان، أو إقصائه من الرواية، لذا اضطررت إلى البحث عن بدائل اخرى، كي أتمكن من تحرير أفكاري، بمنأى عن ذلك التحفز المثير للسأم.

كانت الكتابة عن شارع أو حي عمّاني مثلا، تتطلب -كي تتم إجازتها- أن تقترن بمديح قسري لا يتفق وطبيعة الإبداع، وكانت أعمدة الكهرباء والهاتف العتيقة، وزجاج النوافذ الخشبية، والأرصفة المتسخة تحت أرجل المارة والأزقة الضيقة التي تغص بالخلق، تشكل مادة ثرية للقصص والروايات، وكنت أستخدمها وأستنبت منها أحداثاً ومفارقات، لكنني أبتعد عن التسميات، خشية مصادرة عشقي لها واكتشافي جوهرها المثقل بالحزن والجوع والاشتباكات اليومية التي لا تليق بعمّان التي أعرفها.

كنت أحلّق في سماء الهضاب والصحارى والأودية والقرى والمدن، أبحث عن المكان الذي يحتمل توقي للالتحام به، غير أن شيئاً ما، كان يجذبني بعنف ويمتصني، فأهوي في شباكه مثل طائر فزع كسير، ويصير همي هو التفكير في كيفية الخروج من تلك الشباك الحديدية، وتصير الكتابة عما رأيت ضرباً من مجازفات الوقوع في شراك مزروعة أصلاً في هيئة المكان!

وحين أجلس في المقاهي العتيقة وسط المدينة، أستذكر مشاريع هذا العمر التي رست في عمّان، فأخاطب نفسي وأنا أرقب الشيب وهو يتسلل إلى رأسي بصمت: لقد بدأ إناء العمر بالنفاد قبل أن أستحضر عمّان في رواياتي، فماذا أفعل؟

أمرٌ واحد كان يعزّيني، هو أنني لم أقم بإلغاء عمّان من كتاباتي ولم أكرر حضورها بفجاجة تؤدي إلى تشويه هذا الحضور أو نفيه، ولقد قمت بالاحتيال عليه، بعد أن توصلت إلى ضرورة الهرب من تسمياته التي كانت تُشطب من رواياتي وقصصي.

على أن الأهم هو أنني لا أستطيع الاعتراف بالمكان دون أن يحتل هذا المكان بقعة في وعيي، ودون أن أحس بوجوده الملحّ، وحين ينتفي هذا الإحساس، فإن وجود المكان في ذاكرتي ينتفي معه، فلا يظهر في كتاباتي، إذ ثمة أرصفة وشوارع وهضاب وبيوت وجبال ومدن وقرى عبرتُها في حياتي، من دون أن أحس بها، ومن دون أن تنشأ بيني وبينها علاقة: إنها أماكن لا تمنحني شيئاً، لا تحضر في ذاكرتي، وهي بهذا تصبح في حكم الملغاة منها، بحكم إخفاقها في امتلاك شروط التحقق في وعيي الذي يمنحها صفات المكان، لذا فهي لا تمثل أمكنة كتابية بالضرورة، لأن من يضفي عليها سمات المكان هو من يكتبها.

عمّان الآن تحتل بقاعاً واسعة في وعيي ومخيلتي وذاكرتي، لقد امتلكت شروط المكان الروائي، لذا ظهرت بجلاء في روايتي الأخيرة «عندما تشيخ الذئاب» بعد أن نزعت النقاب عن وجهها الجميل.

19/6/2009