تعيش عمّان صراعا مكانيا صاخبا، وتكاد تضج بالتسارع المكاني الذي أحالها إلى ما يشبه ورشة العمل، فالأحياء الجديدة تحاول الاستيلاء على الحصة الكبرى من الاهتمام متذرعة بالعنفوان والحداثة والجدة، في حين تحاول الأماكنُ القديمةُ ترميمَ وتجميل نفسِها، وتوظيف سحرها وتاريخها وماضيها الذي لا تمتلكه الأماكن الجديدة، من أجل الاحتفاظ بما ترى أنه حقُّها أو حِصتها من الاهتمام.

ينطبق هذا على مناطق كثيرةٍ منها: وسط البلد، جبل اللويبدة، جبل عمّان القديم، المحطة، جبل الحسين، جبل الجوفة والتاج والأشرفية.

هذه الأماكن تمارس ضغوطها على الروائي، سواء أثناء الكتابة أو أثناء التفكير في الكتابة، إنها أماكن تراود الكاتب عن نفسها حين تستثير مخزون الذاكرة التي قد تمارس انحيازها، وعادة ما تمارس الذاكرة هذا الانحياز المكاني.

فضلاً عن هذا، فإن الأماكن القديمة في عمّان عقدت في ما بينها نوعاً من المصالحة التي أفضت إلى الاعتراف المتبادل وتجاوز الفوارق الاجتماعية إلى حد ما، في مواجهة الهجوم المديني الجديد الذي لا يفرق بين كهولة هذا الجبل أو ذاك، هذه البقعة أو تلك.

هذه المصالحة فرضها زمان المدينة وواقعها العمراني والاجتماعي الجديد الذي أحال الأحياء العتيقة إلى عجائز تقتات على ماضيها الذي كان يزخر بالحياة والحيوية والحركة، حتى بات بوسع المرء أن يتحدث عن عمّان العجوز، وعمّان الصبية الجامحة الشابة، ولا ضير في هذا روائياً، فالكهول هم الذين يحتفظون بالحكايات والذكريات، ومن الطبيعي أن يجد الروائي مادة أكثر ثراء لدى الأماكن المكتهلة، لأنها ترتبط بالماضي، مع التنويه إلى أن تاريخ المكان لا يعيد نفسه، إنما هو يحتفظ بشيء من ماضيه.

أمر آخر يستحق الانتباه في المكان العمّاني، فالأحياء القديمة هي التي أنجبت تلك الجديدة في سياق نشوء الأجيال، وعلى سبيل المثال، فإن وسط البلد واللويبدة ورأس العين وجبل عمّان قامت بتفريخ أحياء عمّان الجديدة بدءاً من الدوار الرابع حتى ما بعد الدوار السابع وما حوله، في حين اضطلع جبل الحسين والعبدلي والهاشمي والمحطة بإنتاج الامتدادات الشمالية لعمّان، أما مناطق مخيم الوحدات والأشرفية والقويسمة وماركا فقد أنجبت مساحات شاسعة من الأحياء المحيطة بها التي تمتد جنوباً حتى مدينة مادبا، وشرقاً حتى ما قبل مدينة الزرقاء.

بطبيعة الحال، فإن هذا التشخيص ليس صارماً أو قاطعاً في ما يتعلق بأيٍّ من المناطق القديمة أنتجت هذه الجديدة أو تلك، فثمة مناطق مشتركة بين شمال عمّان وغربها، وأخرى بين شرق عمّان وجنوبها، لكننا هنا نتحدث عن السمة الغالبة لجذور الأحياء العمّانية الجديدة.

لقد اكتنف ثورة المكان هذه بعض المثالب التي لا يستطيع الروائي إغفالها، فالمكان مثل الإنسان، قد يتنكر لمن أنجبه أو لماضيه، والأحياء الجديدة التي أنتجتها عمّان القديمة حرصت على التوسع الأفقي وعلى طرز البناء المختلفة عن تلك القديمة التي تذكرها بقسوة الحياة في أواسط القرن الماضي، ولا نبالغ إذا قلنا إن بعض الأحياء الجديدة قام بمحاولات لفصد الدم مع عمّان القديمة.

واللافت في هذا الأمر، أن إيقاع التمدد المكاني الذي شهدته عمّان قد سبق المخيلة الروائية، لأن هذه المخيلة كانت قد ضبطت أداءها استناداً إلى الإيقاع المتباطئ الذي ساد منذ ابتداء نشوء المدينة وحتى بداية الانفجار المديني الكبير الذي حدث في ثمانينات القرن الماضي وما يزال.

هذا يعني أن سرعة التطورات المكانية تجاوزت الخطى المتثاقلة للمخيال الروائي النمطي، وصار لزاماً على الكاتب أن يعيد تأهيل مخيلته كي تسبق الواقع.

ورغم محاولات عمّان القديمة لملمة ذلك الانفجار المكاني الذي أدى إلى نشوء أحياء جديدة، وهي محاولات تكاد تكون أمومية نابعة من حرص امرأة على أبنائها، إلا أن ورشة التمدد العمراني استمرت بلا هوادة، ولقد أدى هذا إلى فقدان عمّان العجوز سلطتَها على أبنائها الذين تبعثروا في الأماكن الجديدة، غير أنها لم تستسلم لهذا التغير الذي أربكها، وإن صمتت إلى حين.

عمّان القديمة راقبت بصمت تلك الصراعات الضارية بين الأماكن الجديدة التي اعتقدت أنها تغلبت على جذورها، لكن تلك الصراعات اتخذت أشكالا مكشوفة، ففي البداية ظهرت العمارات والأسواق في بعض المناطق القريبة من عمّان القديمة، فتوجهت الأنظار إليها بوصفها تمثل المستقبل، لكن التمددات العميقة التي انبثقت من جبل عمّان نحو الغرب خاضت صراعات عنيفة معها، وهي صراعات تتصل بمسألة التمركز الذي يمنح المكان أهميات منتجة، ومفهومٌ أن ظهور الأحياء الجديدة غرباً حمل معه استقطابات لم تكن في حسبان المناطق القريبة، تلك التي وجدت نفسها على هامش المراكز الجديدة التي زخرت بالعمران والأسواق الشاسعة والأضواء والشوارع العريضة والحياة الأكثر تقدماً.

عمّان القديمة لم تستسلم، فرغم مراقبتها الصامتة لتلك الصراعات، إلا أنها كانت تخطط بدأب الكهول، كي تسترد ما فقدته، وهو ما حدث فعلاً حين كشفت عن خطتها بإنشاء عمّان الجديدة في مساحاتها القديمة القريبة من مركزها، في مناطق الدوار الثالث التي زخرت بالفنادق والبنايات الجديدة، وفي «بوليفارد»، العبدلي الجديد الذي بدأ يتوعد ويهيئ نفسه لخوض معركة التمركز مع المناطق الجديدة الأخرى خلال عامين.

الصراع بين الأماكن في عمّان لم يكن مجرد صراع بين القديم والجديد، إنما أيضاً بين الجديد والجديد، فالانفجار العمراني والتجاري والخدماتي الذي حدث في حيٍّ ما على سبيل المثال، فأدى إلى استحواذه على الاهتمام على حساب الأحياء الأخرى، كان على موعد مع مراكز جديدة توالدت بسرعة لتخوض معه صراع الأهمية، وقد حدث هذا فعلاً، حيث حدثت مجموعة من الانتقالات للتمركز في أماكن كثيرة داخل الحي الواحد أو بين الأحياء المختلفة.

ولو أردنا أن نضغط الزمن في حديثنا عن خريطة التمركز المكاني في عمّان، وتخيلنا المدينة بقعة مظلمة تحتوي نقاطاً مضيئة متناثرة هنا وهناك، لانتبهنا إلى ظهور إضاءة ساطعة في إحدى تلك النقاط، يعقبها انطفاء أو خفوت، وقد يتزامن معها ظهور إضاءة ساطعة في نقطة أخرى أو أكثر، وهي الإضاءة التي سرعان ما تنطفئ أو تخفت لينبثق ضوء آخر ساطع من نقطة أخرى يطغى عليها وهكذا، ولو وضعنا إصبعنا عند تلك الإضاءة المؤقتة وتعرفنا على المكان لوجدنا أنه معروف لنا على أرض عمّان، مكان زاخر بالبنايات والأبراج والشوارع والأسواق، لكن لو وضعنا إصبعنا على النقطة البديلة لوجدنا الشيء نفسه، لكن بشكل أحدث وأكثر تمركزاً في مكان آخر.

هذا التمركز يبدو للروائي مرتبطاً بجملة من التحولات والمتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومن السذاجة أن يتم تناول تلك الانتقالات المكانية روائياً بمنأى عن تأثيراتها العميقة التي أسست لحاضر المدينة، ليس الحاضر العمراني وحسب، إنما الحاضر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ذلك أن النمو السريع الذي شهدته عمّان، ترافق مع نمو مدني متعدد الوجوه، كما إن حركة التمركز فرضت شروطها الإستهلاكية والحياتية العامة التي حملت معها أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات التي وجدت نفسها أسيرة أنماط معيشية يصعب التنازل عنها.

فضلاً عن هذا، فإن تلك التمركزات أدت إلى ظهور أشكال جديدة من الانفتاح الاجتماعي، لكن ذلك الانفتاح أصبح رهينة للمكان الذي ظهر فيه، ومن الصعب أن نشهد هذا الانفتاح في عدد من الأماكن في عمّان، وهو ما يدعو إلى القول إن التطورات المدينية في المكان لم تكن متماثلة، إذ لم يرافقها تماثل اجتماعي أو ثقافي أو حتى تربوي، رغم وجود بعض التقاربات العمرانية.

يضاف إلى هذا أن المكان العمّاني أصرّ على الإفادة من تجاربه الروحية التي ارتبطت أساساً بالمسألة الطبقية، فثمة مقاومة للانفتاح الذي تشهده مناطق التمركزات الجديدة. هذه المقاومة تأتي من المناطق التي تصر على الإبقاء على واقعها المحافظ. ليس هذا وحسب، إنما هي تحاول الزحف بمفاهيمها نحو التمركزات الأكثر تمدناً، ما يعني وجود صراعات فكرية واجتماعية وثقافية ارتبطت بالمكان وحراكه الدائب.

أمر آخر لا يفوت الروائي في تعامله مع المكان العمّاني، وهو الأثر البيولوجي الذي يخلفه المكان على الجماعات وعلى شخوص الرواية، فسكان المناطق الشعبية والأزقة تميل ألوان وجوههم نحو الشحوب بسبب نقص أشعة الشمس والهواء أيضاً، فيما نجد أن سكان الجبال والمناطق المنبسطة المشمسة تزداد ألوانهم بياضاً أو أنها تميل نحو الحمرة.

قد لا تلاحَظ هذه التأثيرات البيولوجية للمكان على الشخصيات خلال أعوام قليلة، لكنها تؤخذ في الحسبان حينما تتحدث الرواية عن عشرات السنين أو عن أجيال، حتى إن ضيق المكان في المناطق الشعبية يمارس تأثيراً في طبيعة الحركات البدنية للشخصيات التي تنحصر وتضمر مع تعاقب الأجيال، فيما تشهد هذه الأجيال في المناطق الواسعة تمددات قد تتجاوز الاعتبارات السلالية.

فضلاً عما تقدم، فإن المكان يمارس أشكالاً أخرى من التأثير تبلغ حدود الاستبداد، فأصوات الشخصيات التي تعمل في أماكن هادئة تميل إلى الخفوت الذي يؤدي إلى شحذ حاسة السمع لديهم، أما الأماكن الضيقة في بعض أحياء عمّان، فتؤدي إلى تخلُّق ونمو طبائع تتسم بالصلابة والمشاكسة، على عكس الأماكن الأكثر رقياً، تلك التي قد تنمّي طبائع الخجل أو الهدوء.

هذه التغيرات والتحولات والصراعات المكانية استغرقت عشرات السنين، وتمت في حضن الزمان، ما يؤكد أن الزمان يمثل الحقيقة الأشمل في هذا الكون، وأن المكان محض أداة يستخدمها الزمان للتعبير عن سيرورته الماحقة التي تسمح لنا أن نقول، ونحن نتفقد تحولات المكان وتغيراته:

كان الزمان قد مرّ من هنا، مائة عام من زمان المدينة انقضى، قبل أن نرى المكان العمّاني في صورته الحالية التي دعت الروائيين الأردنيين إلى الالتفات إليها، ووضع بصماتها المكانية على خريطة الرواية العربية.

14/5/2010