ناصر الريماوي

ثلاثة وجوه كانت قد استقرّت في ذاكرتي كنقوش محايدة، تميل في عنادها الأزلي نحو تجذّر عميق بالبقاء، ثلاثة وجوه بقيت كغرس سماوي شائك تطوق شوارع المخيّم و»برنداته» المهجّرة، وتنتظر.

وجه «زهرة»، الذي لم يغادر «اليرموك» وشارع «صفد»، وظلّ بين أروقة «البرندات» المتلاصقة يرتب أولوياته، ويحتفي بما وسمته به السنين من غمّازتين شائكتين وتحفُّز فلسطيني مريع.

بعد ثلاثين عاماً مرّت على عُمر «زهرة»، وعلى الرغم من طيشها المتعجل في الحضور، إلا أنها لمْ تكبر ولم تتبدل. قيل إن لها ذاكرة حيّة، متوهجة، لا تخبو ولا تنطفئ، لكنها متفرّدة وساكنة كطين الأرض، تواظب على بعض عاداتها اليومية بصمتٍ وفطريّة مذهلة لأجل البقاء.

ففي الطريق إلى المخيّم، ما زالت تصرّ على ملء هجين آنية الصمود المستطرفة، الراسخة على يمين «البرندة» المطلّة على «صفد»، ببضع ياسمينات تلتقطها من فوق أسوار البيوت الدمشقية الغافية وهي تستدير في رحلة العودة وقتَ الظهيرة.

ووجه الشاعر «أحمد»، بشروده المزمن، ووبر صدغيه الضامرين، وساقه النحيلة وهي تعتلي ساقه الأخرى، لدى كل ندوة شعرية، ورائحة التبغ المحلّيّ الثقيلة، ينفثها في فضاء القاعة الضيّقة، المزنرّة بأهداب كوفيات «صامد» وخرائط الأرض المعلّقة. وفي مركز الشهيدة «حلوة زيدان».. هكذا وبكل بساطة، ضيّعتُ أولى قصائده المحكيّة، ورحلت.

حتى اعتراني عبق السجائر القديمة من جديد، بثقل محبب، لا يُحتمل، وبعد ثلاثة عقود طويلة مرّت على رائحة التبغ المحلي، وأنا أصغي إلى «مارسيل» وهو يصدح: «ليدين من حجر وزعتر، هذا النشيد.. لأحمد المنسيّ بين فراشتين، مضت الغيوم وشردتني، ورمت معاطفها الجبال وخبأتني..».

ما الذي حلّ بتبغ صدره الجنائزي؟ وهل استفاق من غيبوبة الشرود الطاعنة على وجهه الحزين؟

ووجه أخير، مخاتل، لبائع جوّال ظلّ يلاحقني كشاهد حجري عتيق يتقلّب في الظلال، ويبرز لي بين أغلب التقاطعات القديمة في المخيّم، تقاطع شارع اليرموك مع «ساحة الريجة»، وتارة أخرى وسط التقاطع المكتظ لشارع «لوبية» مع شارع «صفد»، وشارع «المدارس»، وحارة الفرن الآلي، وغيرها، هل كان يرصدني عن عمد بوجهه الضامر، ليحفر فوق ذاكرتي بكلتا يديه المعروقتين، حدود ابتسامته اليقينية بالعودة، ويرحل؟

حدّثتُ «زهرة» بأمر ذلك البائع، وأنا أحدّق في تفاصيل التقاطع اللولبي لشارع «المدارس» مع شارع «صفد»، وعربته التي اصطادت وجودي عند «برندة» زهرة، كصدفة مدبّرة، فردّت وهي تُضيف إلى جوف الآنية المستطرفة آخر ياسمينة حيّة، خطفتها من مساكن «الزاهرة»: «ذلك الرجل.. أنجب لهذه الأرض ثلاثة شهداء، وطيف ابتسامة نادرة، تشي بالصمود وحتمية العودة، يخشى عليها أن تندثر، وأظنه يبحث عن أحدٍ ما ليورثه ما تبقى من بريق باهت لتلك الابتسامة!».

أما «أحمد» فلم يزد واكتفى بشروده الأزلي بيننا، وانكفائه خلف سحب الدخان الثقيلة، حتى وهو يعبّ من ياسمينة «البرندة» ويهبط مسرعاً بنشوة الرائحة، لمْ يتخلَّ عن آفة الشرود، وانتظرنا تلويحة عابرة من يده، رغم صدفة خلوّها من سجائر «البالميرا»، لكنه لمْ يفعل، تلاشى بين جدران الظهيرة في زحام المخيّم، ولمْ يلتفت إلينا.

***

في القاعة التي تتسع جدرانها لألف كوفية وأمسية، رغم ضيقها المحيّر، وفقر إطلالتها المقوّسة على شارعي «لوبية» و»جلال كعوش»، تدّعي «زهرة» أمام الحضور، أن «برندتها» الصغيرة، تطلّ على أسطح البيوت البعيدة في بلدتها «صفد»، وفي كل لحظة تمر من نهارات المخيّم، باستثناء وقت الظهيرة!

وأما «أحمد» فراح يؤكد لنا صحّة زعمها، دون كلام.

قلنا لها ذات يوم، وفي فضاء القاعة نفسها، المسيّجة بالخرائط ورائحة التبغ الثقيلة، إن فورة المساء في المخيّم تندلع منذ الصباح، وحتى منتصف الليل، دون انقطاع، وإن قيلولتها عند الظهيرة، حين تغفو لا تُوقف الكون، أو تَحُول بين أحد منّا وبين سماع عنادل السهول البعيدة في «فلسطين»، أو أن توقف حتى باعة الخبز المحلّى أمام فرن «الحصري» في المخيّم.

كنّا نستفزّها حتى تدمع، لكنها لم تكن لَتغضب أبداً.

وكان وجه «أحمد» مع الأيام، يمعن في التلاشي خلف سحب الدخّان الكئيبة والشرود، يتخلّص تدريجياً من أيّ انفعال محتمَل من شأنه أن يدلّ عليه، ولمْ يَبُح لنا ولا لمرّة واحدة حول وجهته الأخيرة في الشرود.

قالوا لي قبل ثلاثين عاماً وأنا في منفاي، بعيداً عن مخيّم «اليرموك»، وبعد رحيلي بيوم واحد على الأغلب، إن «أحمد» قد صاح فجأة، أمام «زهرة»، وباقي الحضور: لقد أنهيتُ القصيدة!

ثم اعتدلت ملامحه منذ ذلك الحين، وراح يتخلى عن شروده المعتاد شيئاً فشيئاً، حتى وهو يشدو بتلك القصيدة في مركز الشهيدة «حلوة زيدان» ويثير زوبعة من تفاؤلٍ نسبي بين الحضور بحق العودة، كان حاضراً بوعي لاجئٍ يقاوم، يجذب انتباه الأرصفة والشوارع وواجهات البيوت اللصيقة إليه، لكنه لمْ يَسْلَم من غمامة التبغ الكثيفة وظلّت حاضرة بدورها، تسترُ ما تبقى من شروده.

منذ ثلاثة عقود ووجوههم الثلاثة لمْ تتبدل، عاداتهم ظلّت على حالها أيضاً، أقدامهم تلتفّ حول أسوار الحدائق العامة في «دمشق» لبرهة، ثم تستدير بهم مجدداً نحو ساحة المخيّم. والريح التي تكنس الطريق إلى المخيّم وتصيح بين أزقته، لا تتعب كهذا اللجوء الأزلي المزمن، ولا تتوانى للحظة عن حمل أخبارهم نحو منفاي البعيد.

منذ ثلاث سنين ونيّف تلقيتُ آخر نبأ عن ثلاثتهم، كان هذا قبل أن تكفّ الرياح عن جنوحها الطوعي بالمجيء، إلى حيث منفاي، وسط هذه المستقرّات البعيدة، القاحلة.

حملتُ يومها وجوههم نحو مثواي الأخير، كشواهد قديمة، لم تتبدل، ولمرة أخيرة، ثم لمْ تعد بعدها أبداً.

قالوا إن «البرندة» قد ظلّت على حالها، رغم عداء الطريق والأزقة لها كأيةّ «برندة» أخرى في المخيّم، ودون اعتقال المزيد من ياسمين الشّام. يلمحها الجميع من ساحة «المدارس» وسط التقاطعات المكتظة بالباعة والناس، وحارة الفرن الآلي، لكن دون اهتمام، وبهمس مسموع في أوقات نادرة، يتساقط من سدّة الطابق الثالث عن تلك «البرندة»، ليثير حفيظة بعضهم، كلما تبادله الفراغ وحيداً مع اقتراب المساء، ودون تفسير من أحد.

قالوا أيضاً إن الشوارع الأليفة في المخيّم قد انقلبت على نفسها وعلى الأرصفة، وأعتاب البيوت، وأصبحت لا تطيق النظر إلى «البرندات» المسيّجة بالياسمين أو الحبق، كل هذا فجأة.

وإن وجه «أحمد» الضامر صار جسداً هزيلاً للمخيّم، وهو يعالج ما تبقى من شروده الذهني بنظم القصائد، وأما «زهرة» التي أقلعت عن قيلولة الظهيرة، مرغمة، فقد هجرت «برندتها» تماماً، ولمْ تعد تغفو لتحلم بأسطح البيوت البعيد في بلدتها «صفد».

أما البائع الجوّال، والد الشهداء الثلاثة، وصاحب الابتسامة اليقينية بحتمية العودة، والوحيدة، فلم يره أحد، وبات مصيره معلّقاً بين نقمة الشوارع الخالية وفراغ التقطاعات المملّة، قالوا: ربما ابتلعته السواتر الترابية عند خطوط التماس.. لكن أحداً منهم لمْ يؤكد شيئاً حول تلك الابتسامة، أو ما تبقّى من بريق باهت حولها، وهل تخلّى عنها مرغما؟ أم إنه غاب بغتة ولم يورّث بقاياها لأحد؟

ثلاثة شواهد راسخة، كنتُ أعرفها، بقيت هناك، بين سواتر المخيّم الترابية، و»برنداته» المهجّرة، ظلّت في غيابي طوال ثلاثين عاماً مضت، كغرسٍ سماوي شائك، هي الآن -ربما- لمْ تعد تحلم أو تنتظر شيئاً، لكنها حتماً لمْ تغادر.