عمّان - الرأي

"مولاى إني ببابك قد بسطت يدي.. من لي ألوذ به إلاك ياسندي".. هذه الكلمات النورانية التي امتزجت مع صوت قيثارة السماء الشيخ سيد النقشبندي، الذي يرتبط صوته وأعماله ارتباطا وثيقا بشهر رمضان..

النقشبندي، الذي ولد عام 1920 وتوفي في 1976، صاحب الصوت الخاشع العذب الذي يعيش بيننا حتى الآن، رغم وفاة صاحبه منذ 42 عاما، وسيظل كالذهب الذى تزداد قيمته كلما مرت عليه السنون، ليبقى هذا الابتهال الديني الأكثر شهرة وأهمية من بين أعمال الشيخ النقشبندي المميزة، والذى يزيدنا إحساسا بروحانيات شهر رمضان الكريم.

"مولاي إنى ببابك".. كتب كلماتها الشاعر عبد الفتاح مصطفى.. وقد لا يعرف الكثيرون أن الموسيقار بليغ حمدي هو من لحن هذا الابتهال في أول تعاون مع الشيخ سيد النقشبندى، وقد تتعجب إذا عرفت أن الفضل فى هذا التعاون والالتقاء بين العبقريتين النقشبندي وبليغ يرجع للرئيس أنور السادات الذي كان عاشقا للإنشاد الديني، وبدأت علاقته في وقت مبكر مع الشيخ سيد النقشبندي، حين كان رئيسا لمجلس الأمة وقبل أن يصبح رئيسا للجمهورية عن طريق الدكتور محمود جامع أحد أصدقاء السادات المقربين..

زادت شهرة النقشبندي بعد إحيائه عدة ليال فى الحسين بالقاهرة، حتى استمع إليه الإذاعي أحمد فراج، وكان أول دخول للنقشبندي للإذاعة المصرية عام 1967 ليسجل ابتهالات وأدعية دينية تبث بعد أذان المغرب في رمضان، ويسجل عددا من البرامج، ليظل اسم النقشبندي وصوته مرتبطا ارتباطا وثيقا بشهر رمضان.

في عام 1972 كان السادات يحتفل بخطبة إحدى بناته، وكان النقشبندي موجودا في الاحتفال، الذي حضره الملحن بليغ حمدي.

يحكي الإذاعي وجدي الحكيم عن هذه الواقعة، قائلا:" إن السادات قال لبليغ حمدي: "عاوز أسمعك مع النقشبندي"، وكلف الحكيم بفتح استديو الإذاعة لهما، وعندما سمع النقشبندي ذلك وافق محرجا، وتحدث مع الحكيم بعدها قائلا: "ماينفعش أنشد على ألحان بليغ الراقصة"، حيث كان النقشبندي قد تعود على الابتهال بما يعرفه من المقامات الموسيقية، دون أن يكون هناك ملحن، وكان في اعتقاد الشيخ أن اللحن يفسد حالة الخشوع التي تصاحب الابتهال، ولذلك كان رد الشيخ: على آخر الزمن يا وجدي "هاغني"؟ في إشارة إلى أن الابتهال الملحن يجعل من الأنشودة الدينية أغنية.

طلب الشيخ من الحكيم الاعتذار لبليغ، ولكن الحكيم استطاع أن يقنعه بأن يستمع إلى ألحان بليغ، واصطحبه إلى استديو الإذاعة واتفق معه على أن يتركه مع بليغ لمدة نصف ساعة وأن تكون بينهما إشارة يعرف منها الحكيم إن كانت ألحان بليغ أعجبت النقشبندي أم لا.

يقول الحكيم: "اتفقنا أن أدخل عليهما بعد نصف ساعة فإذا وجدت النقشبندى خلع عمامته فإن هذا يعني أنه أعجب بألحان بليغ وإن وجدته ما زال يرتديها فيعني ذلك أنها لم تعجبه وأتحجج بأن هناك عطل في الاستديو لأنهي اللقاء ونفكر بعدها فى كيفية الاعتذار لبليغ.، ويضحك وجدي الحكيم قائلا: دخلت فإذا بالنقشبندى قد خلع العمامة والجبة والقفطان. وقال لي: " ياوجدي بليغ ده جِنّ".

وفي هذا اللقاء انتهى بليغ من تلحين "مولاي إني ببابك" التي كانت بداية التعاون بين بليغ والنقشبندي، أسفر بعد ذلك عن أعمال وابتهالات عديدة هي: أشرق المعصوم، اقول امتى، أي سلوى وعزاء، أنغام الروح، رباه يا من أناجي، ربنا إنا جنودك، يارب أنا أمة، يا ليلة في الدهر/ ليلة القدر، دار الأرقم، إخوة الحق، أيها الساهر، ذكرى بدر.

وفي نفس هذا اللقاء الأول الذي نتج عنه تلحين أغنية "مولاى" لحن بليغ للنقشبندي 5 ابتهالات أخرى ليكون حصيلة هذا اللقاء 6 ابتهالات، من بين مجموعة الابتهالات التي قدمها للنقشبندي، وكان بليغ هو من اختار كلمات هذه الابتهالات بالاتفاق مع الشاعر عبدالفتاح مصطفى، ولم يتقاض بليغ والنقشبندى أجرا عنها. ورغم فناء صانعيه، ظل ابتهال "مولاي" باقيا محققا مزيدا من الشهرة والمعجبين من كل الأعمار.