لكل بلدٍ على الكرة الأرضيّة همومه ومشكلاته وأزماته وتطلّعاته، ولعلّ هذه البلدان لا تقلّ عن البلدان العربيّة في أزماتها ومعاناتها، لكنّ العرب أقدر من غيرهم على جعل العالم كلّه ينشغل بقضاياهم وخلافاتهم ما صغر منها وما كبر، حتّى إذا وقع خلافٌ بين أخٍ وأخيه أو زوج وزوجته في بيت عربي ربّما لا يهدأ لنا بال حتّى يجتمع مجلس الأمن والجمعية العامّة للأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية، وبحثنا عن تحالفات بحيث تتوزّع دول العالم جميعاً بين مؤيّد لهذا الطرف ومؤيّد للطرف الآخر، وأسعد الطرفين هو الذي تكون الولايات المتحدة في صفّه، ونحرص بعد ذلك على معرفة موقف دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وروسيا والصين وتركيا وإيران، وأن تتناقل وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء أخبار نزاعاتنا وآخر تطوّراتها، وكأنّ العالم كلّه ليس له عملٌ إلاّ الانشغال بمشاكلنا وأزماتنا ونزاعاتنا وإبداء رأيه في كلّ منها.

نعم، نحن أمّة نحبّ الفضائح، ونحبّ أن يسهر الأميركي على أخبارنا، وأن ينام الروسي على أخبارنا، وأن يحلم الصينيّ بأحوالنا، وأن يستيقظ البريطاني على أخبارنا وأخبار نزاعاتنا، مع أنّنا نحن أمّة «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» وأمّة «إذا بليتم فاستتروا».

إنّ الأصل في ما ينبغي أن نشغل به العالم هو حضارتنا وإبداعاتنا وإسهامنا في تقدّم العلوم وخدمة الإنسانية. أمّا نزاعاتنا الداخلية ومشكلاتنا العائلية وخلافاتنا الحدودية المصطنعة فإنها يجب أن تظلّ مشكلات داخلية نسعى إلى حلّها بالحوار والتفاوض والاحتكام إلى المصالح المشتركة، دون أن يشعر أحدٌ خارج أوطاننا بما نختلف عليه، لأنّ السماح بتدخل الدول الأخرى شرقية كانت أم غربيّة في خلافاتنا من شأنه أن يزيد الطين بلّة وأن يفاقم هذه الأزمات ويزيدها تعقيداً، لأنّ كلّ دولة من تلك الدول الخارجية سوف تغتنم الفرصة للبحث عن مصالحها وتحقيق مكتسبات وفوائد من خلال تدخلّها في هذه النزاعات.

إنّ المشكلات المستعصية التي تعاني منها أمّتنا في سوريا والعراق واليمن وليبيا والجزيرة العربيّة وغيرها لم تكن لتزداد تعقيداً واستعصاءً إلاّ بسبب السماح للصيّادين في الماء العكر أن يتدخلوا فيها.

إنّ الاستمرار في بسط نزاعاتنا الداخلية على طاولة مجلس الأمن والأمم المتحدة والدول الكبرى هو السبب في استمرار هذه النزاعات والأزمات وهو الدليل الأوضح على إخفاق السياسة العربيّة وقصر نظرها.

salahjarrar@hotmail.com