أبواب - تالا أيوب

طفلٌ يلمح كِسرَة خبزٍ على جانب الطريق، يتناولها برفق، ويقبلها، ثم يضعها جانبا بعيدا عن أقدام المارة..

مشهد ألفناه وعشناه منذ الطفولة، ولم يزل، يعكس قيمة إنسانية اجتماعية دينية بيئية، ترك أثرا كبيرا في نفس المعلمة أمل حسن بركات وهي تدرّس اللغة العربية في مدرسة أم منيع الأساسية المختلطة في صويلح، ومسؤولة عن مقصف المدرسة، تعمل في ميدان التعليم منذ عام 1996، لفتتها عادة غير محببة يقوم بها الطلاب والطالبات في المدرسة، ولم تعجبها، ما حفّز لديها فكرة مبادرة، وسعت لتنفيذها وأطلقت عليها اسم «حفظ النعمة».

التقى «أبواب-الرأي» بها للتعرف على مبادرتها بشكل أكبر، وهي بدورها صرّحت: «استفزني منظر بقايا الطعام والخبز على الأرض، وعلى حواف أسوار الباحة المدرسية، والنوافذ، وجوانب حاويات القمامة، فحاولت تقليل هذه العادة بتوعية الطلبة عبر الإذاعة المدرسية لوضع البقايا في مكان مخصص لها حدّدته لهم مسبقا، كما وقمت بتعليق أكياس بلاستيكية بشكل مرتب ووزعتها في أكثر من مكان لوضع بقايا الطعام والخبز بها ولكن لم تنجح هذه المحاولة، ولم أحصل على النتائج المرجوة».

وتابعت: «وبعدها قمت بجمع البقايا بنفسي كي أكون قدوة صالحة أمامهم ليتم تقليدي حسب نموذج «التعلّم بالمحاكاة»، ويوم بعد يوم لمست تجاوب الطلبة معي، حتى انه في بعض الأحيان يبادر الطلبة بالقيام بهذا العمل بدلا مني، وأقابلهم بالرضى، وأحفزّهم كي يكونوا هم الأساس وأنا أساعدهم».

وأضافت: «وعند نهاية اليوم الدراسي نقدم ما جمعناه من خبز وبقايا طعام الى راعِ غنمٍ ودجاج فيقوم بإطعامهم إياها، كنوع من مساعدته بتوفير النقود من جهة فهي صدقة وأجر، ونكون قد حفظنا بها النعمة من جهة أخرى». ولفتت الى أنها تقوم بتعزيز الطلبة الذين يساعدونها بتقديم هدايا غير مكلفة لهم كإهدائهم لعبة أو نوع من الحلوى يفضلونه الطلبة كحافز وتكريم لهم على تقديم المساعدة، بالإضافة الى التعزيز اللفظي الذي يحثهم على تقديم الخير والمساعدة بشكل أكبر.

وعبّرت عن مشاعرها: «كم من المتعب والجميل في الوقت ذاته تغيير نمط حياة الطلبة ايجابيا من خلال هذه المبادرة اذ لفت انتباهي زيادة عدد الطلبة الذين يريدون المشاركة بها، كما انني لا أريد أن أنكر فضل المديرات اللواتي دعمن هذه المبادرة وهن: المديرة الحالية ريما دار خضر، والمديرات السابقات: سحر فياض، ميرفت ختاتنة، بسماء الزواهرة».

وأشارت الى أنها قد وجدت تحسنا كبيرا منذ اطلاقها المبادرة أي منذ 4 سنوات، وتتمنى أن تصل الى مرحلة لا ترى بها أي قطعة خبز غير موجودة في مكانها الصحيح، كما تسعى الى ديمومة المبادرة واستمراريتها للمحافظة على نظافة المدرسة وخلوها من الجراثيم نتيجة تجمعها على الأطعمة المتناثرة هنا وهناك، بالإضافة الى أنها تتمنى أن تعمم على كافة المدارس لما لها مصلحة بيئية وصحية ومعنوية.

أصبح الخبز المعادل الموضوعي للشعور بالأمن والأمان، وتعدّى ذلك ليصبح رمز الوطن في كلمات قليلة عبّر عنها محمود درويش: «إننا نحب الورد لكننا نحب الخبز أكثر، ونحب عطر الورد لكن السنابل منه أطهر».