ابواب - وليد سليمان

الباحث الفلكلوري الدكتور عبدالله رشيد رحمه الله، كان قد أصدر كتابين عن عمان قديماً هما: «الكتاتيب في عمان» منذ بداية القرن الماضي وحتى منتصفه تقريبا. ثم هناك كتابه المدهش عن «ملامح عمان وحياتها الشعبية - منذ أواخر القرن 19 وحتى منتصف القرن العشرين».

ففي الباب السابع المعنون بالفرح الشعبي من كتابه «ملامح الحياة الشعبية في مدينة عمان» تحدث عن ايام رمضان في عمان في تلك الفترة القديمة اذ أشار قائلاً ما يلي :

«إن من تسعفه الذاكرة من المعاصرين لأيام رمضان التي كانت تشهدها مدينة عمان القديمة، يتوجّع اليوم فيما يشاهد قدوم رمضان ومضيه.. حيث لا يظفر المرء بتلمس لحظة روحانية واحدة تستغرق منه الوجدان.. كما هو عليه الحال قديماً.

فمنذ الليلة الاولى من رمضان كان يطوف المسحرون في احياء مدينة عمان لايقاظ الناس لإعداد طعام السحور، الذي لا بد ان تكون مادة «القمردين» احد عناصره الاساسية، لإعتقاد الناس بان هذه المادة سهلة الهضم لا تسبب العطش في اثناء الصوم في نهار رمضان.

ويقول الشيخ احمد خالد القضماني للباحث عبدالله رشيد ، وهو احد اشهر مقرئي الموالد في عمان: إن المسحر كان يقوم بانشاد المدائح التي تتضمنها «مناهل الصفا والبردة».. وقصيدة « البردة « للأمام البوصيري هي من أشهر قصائد المدح عبر الأزمان ، وقد سميت قصيدته في مدح الرسول «الكواكب الدرية في مدح خير البرية « و تم كتابتها في القرن السابع الهجري.

و أجمع عليها الباحثون على أنها من أفضل و أعجب قصائد المديح في النبي صلى الله عليه و سلم.

يقال أن البوصيري داهمه مرض الشلل فكتب قصيدته فاستشفي بها ، فقد نام و رأي في المنام الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح على وجه بيده الشريفة ، وقد ألقى عليه بردته ، و تتكون القصيدة من عشرة فصول.

ومطلع القصيدة :

محمد سيد الكونين والثقليــن

والفريقين من عرب ومن عجمِ

نبينا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ

أبر في قولِ لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته

لكل هولٍ من الأهوال مقتحم

دعا إلى الله فالمستمسكون به

مستمسكون بحبلٍ غير منفصم

فاق النبيين في خَلقٍ وفي خُلُقٍ

ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمسٌ

غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ

ويصاحب ذلك الضرب على الطبل او الطبلة بواسطة قطعة من الكاوتشوك.

ومن المسحرين الذين عرفتهم عمان في تلك الفترة القديمة في الاربعينيات: الشيخ صالح البيطار، والشيخ نمر الطهراوي في الجهة الشرقية والوسطى من عمان.

في الجامع الحسيني

وكان معظم الرجال في عمان يواظبون على تأدية صلاة الظهر والعصر في الجامع الحسيني وسط البلد، ويستمعون الى المواعظ التي كان يقدمها شيوخ مدينة عمان من امثال:

الشيخ حسن المغربي، وهو جد اللواء المتقاعد خالد صبحي الحاج الحسن، كما ان الشيخ حسن كان عالماً دينياً وخريج معاهد المغرب العربي الدينية.

الشيخ محمد محمود الراميني، وقد كان احد الرجال الذين طاردهم الانجليز ايام الانتداب على فلسطين، ففر الى الشام ومن ثم جاء الى عمان في اواخر الثلاثينيات وتوفي في السبعينيات، ومن المعروف ان الشيخ الراميني هو خريج الجامع الأزهر الشريف.

والشيخان: خضر الشنقيطي، وحمزة العربي، وهما من العلماء الأجلاء من حاشية الملك المغفور له عبدالله الأول ابن الحسين.

وخلال الأسبوع الأول من رمضان كان الامير (الملك عبدالله الأول) يقوم بزيارة الجامع الحسيني ليستمع الى تلك المواعظ، ويؤدي الصلاة مع الجموع الغفيرة من المصلين، واذا ما خرج من المسجد فانه يتلقى ظلامات المواطنين.

ويقول الشيخ محمد الرشيد البدوي العورتاني للباحث د. عبدالله رشيد: لقد كانت هناك ظاهرة روحانية فريدة قد سادت شهر رمضان في عمان ، إذ إن شيوخ الطريقة وأتباعهم من الضاربين على الطبول والدفوف كانوا يحيون الذكر في كل يوم الخميس في صحن الجامع الحسيني بعد صلاة العصر، ثم ينصرفون الى اماكنهم مارين بشوارع عمان وهم ينشدون ويضربون على طبولهم، إلا أنهم كانوا يحيون الذكر في بيوتهم في كل ليلة من ليالي شهر رمضان.. ومنهم الشيخ محمود الطهراوي أبو سالم الذي كان يسكن في حي وادي سرور.

والطهراوي هو من مواليد سحاب جنوبي عمان، وقد ارتحل الى عمان بعد تأسيس امارة شرقي الاردن مباشرة، وكان واحداً من شيوخ الطريقة المرموقين في عمان.

أولاد عمان في رمضان

وعندما يطلع النهار في رمضان يفيق بعض الأولاد مادين ألسنتهم ليثبت كل منهم للآخرين بانه صائم، فمن كان لون لسانه ابيض، فهو صادق ودليل صدقه هذا الجفاف الذي يظهر ايضا على وجهه.

اما اذا كان لون اللسان احمر فهو كاذب ويتعرض لسخرية الأطفال وهم ينشدون:

يا مفطر رمضان يا قليل دينك

كلبتنا عويضة تسحب مصارينك

يا مفطر رمضان الله

حُطوا عليه حجار الله

حُطوا عليه سريسة

خلو عظامه هريسة

يا مفطر اليوم في ثمك جربون

يا مفطر يا بُم يا بزاق الدم

إخص عليك إخص عليك.

ومن الصور التي كان يتعامل بها الآباء تجاه ابنائهم الصغارجداً للحيلولة دون المضي في صيامهم حرصاً على صحتهم - لانهم صغارا جدا - ان يطلبوا منهم شرب الماء بعد اغلاق عيونهم!! وبذلك فان رمضان لا يراهم!!.

- اما اذا اصر الطفل على الصوم فانهم يسمحون له بذلك حتى وقت الظهر، ويقولون له: «صوم لدرجات المئذنة» اي حتى يصعد المؤذن الى درجات المئذنة لرفع آذان الظهر، ويعتبرون له هذا الصيام كاملاً، ويقولون له: «من يصوم نصف النهار تحسب له (إشكارة) في الجنة، وهذه من المأثورات التي تمثل بعض القيم السائدة في المجتمع الزراعي الاردني، والاشكارة جمعها شكاكير وهي في الاصل قطعة ارض صغيرة، وكل قطعة ارض زراعية صغيرة يسمونها اشكارة.

مدفع الافطار

وعندما يحين موعد الغروب في عمان كان الاطفال يتجمعون في الاماكن العالية من الحارات ليمكنهم من مشاهدة مئذنة الجامع الحسيني الطويلة، ومدفع جبل القلعة الذي يخرج صوتاً هائلاً عند بدء آذان المغرب للافطار.

وكان الاولاد والبنات والصبيان يصيحون عند سمع اصوات المدفع بصوت واحد:

وَلّع ضَوْ

طَفّى ضَوْ

قال المدفع بَوْ

عَ راس العدوْ

وحين تُضاء مئذنة الجامع الحسيني، كان الجنود فوق قلعة عمان يتراكضون فمعنى ذلك ان اللحظات قد اقتربت لاعلان موعد الافطار الرمضاني.

فقد جرت العادة ان يقوم الجنود الرابضون في القلعة بحشو المدفع بالبارود وقطع القماش البالية، وقبل أن ينفجر البارود يهرولون مبتعدين عن المدفع، وكان هذا المنظر يشاهده معظم سكان مدينة عمان الصغيرة قديماً.

رمضان كريم

وكانت التقاليد السائدة ان تقوم كل عائلة ميسورة بذبح ذبيحة لتوزيع بعض لحمها على الفقراء، وطبخ البعض الآخر في اول ايام رمضان.

وفي أسوأ الحالات كان لا بد من شراء اللحم او ذبح الدجاج، وبخلاف ذلك فان (غرة رمضان) تزعل على العائلة!!.

وحسب المأثورات الشعبية كما يقول الشيخ محمد الرشيد البدوي والسيدة فاطمة راشد الرشيد: ان الملائكة تزور البيوت في غرة رمضان، أي اول يوم في رمضان، فتكشف عن قدور الطبيخ، فان وجدت فيها اللحم قالت: «إن شاء الله كل سنة كل سنة»، واذا وجدت ان الطبيخ من مادة ادنى من اللحم قالت ايضاً: «إن شاء الله كل سنة كل سنة».

فالمأثورات الشعبية التي يتغنى بها الناس حول مادة اللحم في رمضان، انما هي تعظيم لظاهرة العطاء التي يتحلى بها بعض الميسورين في العطف على الفقراء، وكما يقولون «رمضان كريم».