أبواب - غدير سالم

لشهر رمضان في البلاد العربية والإسلامية نكهة خاصة حيث تبدأ التحضيرات له قبل بدايته بأيام ، فتعج الأسواق بالناس وتبدأ أصواتهم تتعالى هنا وهناك ،فجميعهم على استعداد لاستقبال هذا الزائر الكريم، حيث يقومون المواد الغذائية المنوعة التي يحتاجونها لهذا الشهر.

فترى الحاجة أم أحمد ربة أسرة تقطن في احد الاحياء الشعبية ترى أن قدوم شهر رمضان لديهم وبسبب تمسكهم بالقيم والعادات القديمة ما زال له رونقه وجماله حتى وإن كانت الظروف المادية قاسية بعض الشيء فتقول :«ما زلنا في منطقتنا نحافظ على العادات والتقاليد الجميلة من خلال تقارب الجيران والأصدقاء مع بعضهم البعض ، ففي شهر رمضان وغيره ما زلنا نتبادل الطعام فيما بيننا ، وما زال الوعاء لا يعود فارغاً إذا ما وصل لك وبه طعام ،و هذا الشيء جعل كل أسرة وإن كان لديها القليل من الطعام أن تتبادله مع غيرها للحفاظ على التلاحم والتكاتف بين الناس في المنطقة ، وجعل الجميع في حالة انتظار لهذا الشهر المبارك.

وتوافقها الرأي أم علي والتي تقول:» ان رمضان من أجمل اشهر العام ، فهو شهر الصيام والقيام ، والتكافل الاجتماعي وصلة الرحم. وإن كانت هذه العبادات لا تقتصر على هذا الشهر إلا أنها تزداد خلاله.

ووفقاً لأستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في كلية الأميرة عالية الجامعية بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد علي الهواري فإن لشهر رمضان مزايا عديدة عن غيره من الشهور فقال :» يستقبل المسلمون شهر رمضان المبارك بفرح وسرور غامرين ، فهو شهر العبادة، والرحمة ، والمغفرة، والخير، والعتق من النار، وهو الشهر العظيم الذي فرض الله تعالى صيامه ، قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) سورة البقرة ( الآية 183)، ، وسنَ النبي صلى الله عليه وسلم قيامه بقوله: ( من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ).

وشهر رمضان له مزايا كثيرة منها نزول القرآن الكريم فيه ، و الأجر فيه عظيم لا يعلمه إلا الله ، وفي الحديث ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)».

وأضاف :» وتفتح فيه أبواب الرحمة والجنان، و فيه ليلة من أعظم الليالي على الإطلاق ، وهي خير من ألف شهر، من حرمها حرم الخير كله، عدا أنه شهر العتق من النيران، وذلك كل ليلة».

أما عن الإستقبال الصحيح لشهر رمضان المبارك يقول الهواري :» إن هذه المزايا العظيمة لشهر رمضان تجعل المسلم حريصاَ على هذا الشهر ، ويتمنى أن تكون كل الأيام رمضان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، والمسلم في استقباله عليه أن يخلص النية لله تعالى في الصيام ، فلا يصومه إلا طاعة لله تعالى حتى ينال الأجر والثواب، فلا يجوز أن يكون صيامنا مجرد عادة اعتدنا عليها ، أو رغبة بعض الناس بالصيام لغاية انقاص الوزن ، يجب أن يكون الصيام عبادة خالصة لوجه الله تعالى ، عدا أن يصل رحمه بزيارتهم ، أو بأي وسيلة من وسائل الاتصال إذا تعذرت الزيارة، وعدم الانقطاع عنهم ، وينفق في وجوه الخير ما وسع المسلم ذلك ، ولو كان شيئاً يسيراً، فهو عند الله عظيم، بالإضافة إلى اغتنام أوقات شهر رمضان نهاره وليله في طاعة الله تعالى بشتى أنواعها ، تلاوة القرآن الكريم،وذكر الله تعالى، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والدعاء، وغيرها من وجوه الخير».

وتابع الهواري :» وأن يبتعد المسلم عن المعاصي ، والآثام، ويبتعد عن إضاعة الوقت بالنوم نهاراً ، والانشغال بما يلهي عن القيام بالواجبات المطلوبة إلى الإنسان القيام بها ، وإضاعة الليل بالسهر أمام الفضائيات لمتابعة ما يلهي الإنسان عن طاعة الله تعالى، او إضاعته في الملاهي والمقاهي وغيرها من المفاتن، وأن يقتصد في النفقة ، ويبتعد عن الإسراف ، ويكتفي بما يحتاجه دون زيادة، حتى لا يكون مصير هذه الزيادة من الطعام إلى الحاويات في أغلب الأحيان».

وأضاف :» وفي رمضان يجب أن يحقق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة، والحي،والمنطقة ، والمجتمع، وبخاصة الفقراء ، ومد يد العون اليهم، دون الحاق الأذى بهم،وإشعارهم بأنهم أدنى مستوى من الآخرين، فنطعمهم من أفضل طعامنا ، ولا نعطيهم بقايا طعامنا الذي لانريده ، وكذلك في الشراب ، واللباس، فنحن جميعنا خلق الله تعالى ، ولا فضل لأحدنا على الآخر إلا بالتقوى».

و يقول أخصائي دكتور علم الإجتماع دكتور فيصل الغرايبة عن ضرورة تقليص الإنفاق في شهر رمضان المبارك: «ليس لشهر رمضان بحد ذاته ولا للصوم كأداء للفريضة الدينية الواجبة أية علاقة بطبيعة الإنفاق في هذا الشهر الفضيل وبطبيعة العلاقة بين الأقارب وذوي الأرحام ، سواء من الناحية الدينية أو الإجتماعية ، ولكنها الثقافة المحلية التي شجعت على الإنفاق الزائد وخاصة الإنفاق على شراء الطعام وتنويعه وزيادته والدعوة لتناوله والإكثار من إقامة مثل هذه الدعوات والولائم خلال الشهر الفضيل ، ولكن الظروف الإقتصادية للعائلات تزداد ضيقاً وصعوبة بسبب ارتفاع الأسعار إلى حد كبير وبما يشكل عبئاً إضافياً على جميع الأسر حتى المقتدرة مادياً على الشراء وإقامة الولائم ».

وأضاف :«لذلك تصبح هذه القضية قضية حياتية وإجتماعية لا علاقة لها بأداء الشعائر الدينية أو تقديم الواجبات الإجتماعية المرتبطة بهذه الشعائر والمناسبات ومنها حلول شهر رمضان والصيام كما هو الحال في الشهر الذي هل علينا ، وعلى هذا الأساس أرى بأن الناس عليهم أن يعيدوا حساباتهم سواء كانوا داعين أو مدعويين لهذه الحفلات والدعوات لتناول طعام الفطور أو السحور ، وعلى الناس جميعاً أن يقدروا ظروف بعضهم من الناحية المادية وعدم قدرتهم على دعوة الآخرين وتوزيع الدعوات بما يتجاوز الأخوات والشقيقات ومن تضمه فئة صلة الأرحام التي يسعى الجميع إلى تأكيدها خلال هذا الشهر الفضيل ، وعلى هذا الأساس يجب أن لا يقدم الجميع على المبالغة في توسيع نطاق هذه الدعوات وفي تنويع الوجبات المقدمة واختصارها إلى أضيق الحدود».

وأنهي الغرايبة حديثه قائلاً :» وعلى هذا النحو أقول بأن حلول شهر رمضان المبارك ليس حلولاً للإنفاق الزائد ولا إقامة الموائد ولكنها ونظراً للظروف المالية الصعبة التي يمد بها جميع الأسر في بلدنا أن يتوجه الجميع إلى أداء الواجبات الدينية فحسب وأن لا ينتظر البعض من البعض الآخر أن يفتح الباب على مصراعيه لمثل هذه الولائم والدعوات».