أبواب - تالا أيوب

أحمد موظف ناجح في القطاع الخاص، يستغل الفرص جميعها، لا يسمح لأي منها أن تفلت من يده، كأنه في سباق مع زملائه عليها، فيخاف من نجاحهم، ولا يمدحهم، ولا يشاركهم أية معلومة أو معرفة بل يحتفظ بها لنفسه؛ لأنه يظن نجاح غيره يعني خسارته، فيخفي كيفية نجاحه عن الناس كي لا يتطوروا فيأخذون مكانه.

وفي المقابل هناك سعيد، موظف ناجح أيضاً، يتحلّى بالهدوء والطمأنينة، ويشارك الآخرين تجاربه ومعرفته ومعلوماته، فلا تهدده نجاحات الآخرين، بل يطري على انجازاتهم ويثني عليها.

يتشابه أحمد وسعيد بنجاحهما في العمل، الا أنهما يختلفان في الطِباع وفق طريقة تفكير كل منهما عن الآخر، فالأول يفكر بعقلية النُدرة، والآخر يفكر بعقلية الوفرة، وهما مفهومان سائدان في الحياة ذكرهما ستيفن كوفي في كتابه “العادة الثامنة.. من الفعالية إلى العظمة”.

تعرّف هبه حبيب -وهي مدربة في التطوير والعلاقات والذات والأعمال- مصطلحي الوفرة والندرة: «إن عقلية الوفرة هي أن تؤمن أن هناك فرصاً كثيرة وخيرًا يكفي الجميع في هذه الدنيا، ولست بحاجة أن تخسر أحداً أو تؤذي أحداً حتى تكسب أنت، أما عقلية الندرة والشح فهي أن تؤمن أن الخير والفرص محدودة، ولابد أن يكون هناك واحد خاسر، فالحياة كلها صراع وتنافس».

دوامة الندرة.. تسبب الاستسلام واليأس

وتبين حبيب الأمور التي تسببها الندرة: «كثير من المشاكل في الحياة سببها الندرة، وكذلك لَعِب دور الضحية، بالإضافة الى الشعور بالاستسلام، واليأس، والتوتر أو عدم الصبر وبالأغلب مشكلة الخوف، وعدم تنظيم الحياة هو سبببها الندرة أيضا، أي عدم الكفاية ليس فقط في المال، بل في الوقت أيضاً، والحب، والأصدقاء، والمتعة، والصحة، وهنا تفلت قيادة حياتك وتوازنك والعيش بحالة الندرة، فالعقل يجذب ما يركز عليه فيجذب عدم الكفاية».

وتضيف: «في دوامة الندرة: الإيمان بالفرص محدودة، والخوف من نجاح الآخر، وعدم مشاركة الآخرين معلوماته، والحاسدين وبخيلي العطايا والعواطف، والندرة عكسها الوفرة وذلك بالإيمان بأن الفرص والخير للجميع مع الاحتفاظ بالهدوء والمشاركة مع الآخر».

وتشير حبيب الى أن فشل الطالب في دراسته في كثير من الأحيان يعود الى أنه يعيش في عدم كفاية الوقت، والشباب الذين ليس لهم كفاية فرص العمل وعدم كفاية الشركاء المثاليين تعود لعقلية الندرة أيضا».

تلفت حبيب الى أن عقلية الندرة ترتبط بالإيمان بالذات وحبها، والوعي، كما ترتبط بمخاوف وتشكك، والنجاح والفوز يجب أن يكون لي والآخر يخسر».

تشير الى أنه بمجرد الوعي بالندرة تبدأ بذور الوفرة بالبزوغ، وتكمل مبينة الطريقة: «وذلك عن طريق السيطرة على أمور حياتنا، والتوكل على الله والإيمان بأنه الرزّاق، و باب الرزق مفتوح للجميع وبالعدل، وتغيير المنظور والمعتقدات والوعي بعقلية الوفرة، والامتنان والحمد، فالامتنان هو أقوى طاقة للوفرة والسعادة، والإيمان بالذات وحبها والوعي انك كاف».

سحر الانتباه و الوفرة

تقول حبيب: «الوفرة تعني تحقيق الأهداف سواء المالية او العاطفية او النفسية بسهولة ويسر، لأن الوفرة هي الايمان بوجود الفرص تكفي للجميع، والأبواب مشرعة لك، فالله هو الرزّاق والمعطي ويوزع أرزاقه بالعدل، عقلية الوفرة تكمن في الإيمان بالمشاركة والربح لي وللاخر فأنا أفوز والآخر يفوز».

وتضيف: «ان الوفرة شعور ينبع من الداخل يريح البال، دون قلق على عدم وجود كفاية، لأن الإنسان هو بالأصل وفرة وفيه جميع الاحتمالات، ولكن مع وجود معتقدات ومشاعر وعدم الاستحقاقية اي عقلية النقص والاحتياج وعدم وجود كفاية تخلق واقعاً فيه مخاوف، وتنافس، وتردد».

وتكمل: «الوفرة هي حالة وعي، في العالم الكوانتي (وهو العالم الذي يجذب فيه الفرد كل ما يراقبه)، كل شي من طاقة وذبذبات، وداخل الذبذبات طاقة و معلومات. فالذرة تتكون من جزيئات، والجزيء هو موجة منتشرة عبر المكان و الزمان (أي وفرة احتمالات) في العالم اللامادي».

وتتابع: «عند النظر الى الحقل الكوانتي، تظهر الجزيئات الى العالم المادي، و عندما نبعد انتباهنا تختفي، فالجزئيات تتجلى في الوجود بمجرد المراقبة والانتباه، بالمراقبة يحول الوفرة الاحتمالية للموجة الى وجود مادي (حدث زمكاني) قي عالم المادة».

وتحث حبيب على الانتباه الى وفرة الحب والفرص والسعادة وراحة البال حتى الانتباه الى وفرة المال في حياتك، فالمراقبة والتركيز على الوفرة هي حياة يسر.

يذكر زياد حسين -وهو موظف تعامل بكثرة مع موظفين يتخذون الندرة طريقة تفكير لهم- طريقة تعامله معهم: «أحاول قدر الإمكان تقليص التعامل معهم، وأحاول نوعا ما أن أظهر لهم بأسلوبي الخاص أن ما يقومون به خطأ، بالإضافة الى أن الإهمال في هذه الحالة هو حل يجعلهم يعيدون حساباتهم مرة أخرى أو أنهم سيبقون ما عليه وسيصبحون منبوذين من قبل الجميع».

الانسان بطبيعته كائن اجتماعي

يقول فيصل غرايبة -وهو خبير اجتماعي-: «إن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وهذه العبارة تردد منذ الأزل حول تاريخ البشرية، وحول الطبيعة الانسانية بمعنى ان الانسان لا يستطيع أن يعيش معزولا عن غيره داخل المجتمع، وان المجتمع لا تُقام النشاطات فيه الا على الجهد الجماعي التكاملي بين أعضائه باعتبار ان المجتمع جسم واحد والناس فيه هم أعضاؤه، ولا يستطيع أي شخص أداء واجبه وإدامة عطائه وقدرته على الحركة الا بالتظافر بين جميع أعضاء المجتمع بتناغم وألفة وانسجام».

ويتابع: «من المستغرب ظهور فئة من الناس تميل الى العزلة بقصد التفرّد والتمايز وتجنب الاحتكاك مع الآخرين نتيجة لشعورهم بالأنانية والوحدانية، أو سعيهم الى تجنب تجارب سابقة مع الآخرين خلّفت لديهم آلاماً لا ينسونها حتى لو كبروا أو حتى لو تعددت الجهات التي يتعاملون معها داخل البيت أو الوظيفة الواحدة».

ويشير غرايبة الى المطلوب من الانسان ان تتكامل جهودة مع جهود غيره، وأن لا يتصور أنه بمفرده وبأسلوبه الانفرادي يستطيع أن ينتج خيرا له ولمجتمعه. اذ انه بالتأكيد انتاجه سيكون منقوصا ومبتورا وبحاجة الى جهود الآخرين لاستكماله وديمومته.

ويخلص الى ان جهود البيت والمدرسة والجامعة ومراكز الشباب وتنظيمات الطلبة تسعى دائما لزيادة هذا التطور الجمعي وزيادة الميل الى التعاون مع الآخرين حتى تكون جهودا مثمرة ولصالح الجميع. والتقدير الذي يوجه الى أي انسان فيه وعامل مخلص لعمله وإنما تقدير من المجتمع ككل ويقدر خدماته، كما ان المجتمع لا يقدر من يعمل لمصلحته الخاصة وينعزل عن الآخرين وسيكون عمله هباءً منثوراً لا قيمة له.

نظرة الطب النفسي الى الندرة

يبين د. وائل سمارة -وهو استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان- نظرة الطب النفسي الى عقلية الندرة ومن يحملها: «انها شخصية قلقة متوترة وخائفة من كل شيء لا محدد، وتصنف تحت بند اضطراب القلق العام، اذ يعيش في دوامة لا تنتهي من الخوف من المستقبل والفقر وعدم الراحة مع توتر بالأطراف، وخفقان، وتعرّق في أحيان كثيرة، وقد يؤدي مقارنة نفسه بالآخرين الى اضطراب الاكتئاب الحاد.

ويضيف: «كما أن هذه الشخصية تخاف من مشاركة أفكارها ومشاريعها مع الآخرين حتى المقربين منها؛ بسبب الشك من سرقتها والنجاح بها. وهذه سمات الشخصية تتوارث من الجد والأب الى الابن حيث لا مكان له في الحصول على فرصة، ويؤدي به أحيانا الى تعاطي المؤثرات العقلية بدلا من مراجعة طبيب مختص».

ويكمل: «كما أن الشعور بالأمان يبدأ منذ الطفولة، حيث يكون طفلا صغيرا ويكبر في بيت مليء بالمؤثرات السلبية حيث يمنع عليه التفكير أو الانجاز، لأن المنزل ومن فيه سلبيون ويقللون من أهمية أي عمل يقوم به ولا يعززون فيه الانجاز والتحدي والإيمان بالنفس ومن المؤكد بالله أولا».

نظرة الطب النفسي الى الوفرة

ويبين سمارة نظرة الطب النفسي الى عقلية الوفرة ومن يحملها: «إنهم أصحاب إحساس كبير بقيمتهم الشخصية والمجتمعية ويشعرون بالأمن الداخلي والسكينة، فالإيمان بأن هناك ما يكفي للجميع وأنه ان أغلق باب فسوف يفتح باب آخر. فهي شخصية مبدعة وخلاقة وإيجابية لا تعرف الخوف».

ويكمل: «انها شخصية مليئة بالأمانة والنضج الكافي وهي شخصية واقعية في التعاملات الانسانية حيث الحب والمشاركة هما الأساس لحياة مبنية على التشاركية، الوفرة هي أنك تعيش وأنك على قيد الحياة وما دمت تستنشق هواء يوميا فبامكانك الجري والمشي على قدميك لتحقيق الحلم».

ويدعو سمارة الى أن تكون شخصا مبدعا وخلّاقا، وأن ترى النجاح قريبا ولا تستلم للعوائق وتنظر الى الفشل على انه محاولة من المحاولات.