من منطلق الإيمان والقناعة بأن العمل التطوعي في الأردن يمتلك مساحات واسعة للمشاركة في التنمية الوطنية المستدامة. فحجم الشرائح الإجتماعية المستعدة للمساهمة كبير، ولا يحتاج إلا إلى برمجة وجدية وإخلاص وإبداع في الإدارة المؤسسية لهذا النشاط.

هذا فضلاً عن أن القيادة الهاشمية التي تنهض بمسؤوليات إستثنائية، تولي هذا النشاط التطوعي والخيري رعاية ودعماً بدون حدود، بدأت منذ تأسيس المملكة وكان آخرها ما قدمّه الملك عبد الله الثاني من مبادرة تتمثل بإطلاق «الرعاية اللاحقة» للفتيات اليتيمات فوق 18 سنة من أجل إدماج هذه الشريحة النسائية في الحياة الإجتماعية السليمة.

الدكتورة أغادير جويحان المديرة العامة لمؤسسة الأميرة تغريد، رئيسة فريق العمل لتنفيذ برنامج الرعاية اللاحقة، وصفت هذا المشروع بأنه الأول من نوعه في العالم، حيث يختص بالشراكات الإستراتيجية بين القطاعين العام والمدني، من أجل متابعة خريجي دور الرعاية من فاقدي السند الأسري للأعمار ما بين 18–24 عاماً.

وفي عرضها لما تعنيه وما تحققه هذه المبادرة الملكية السامية، كما تنفذها مؤسسة الأميرة تغريد، تتوسع الدكتورة جويحان في تبيان الأهمية الحيوية لمتابعة رعاية الفتيات اليتيمات لما بعد عمر الـ 18 سنة وإلى حين يتم تأهيلهن للعمل، فضلاً عن الزواج. فمثل هذا الجهد التطوعي يستدعي تكاملاً مؤسسياً في الإشراف والتوجيه والتقييم الذي يضمن انخراطاً حقيقياً للفتيات اليتيمات في الأسرة الإجتماعية الوطنية.

هو تخصص يتضمن درجة عالية من التأهيل الأكاديمي والإستعداد الشخصي والقدرة على بناء شراكات قطاعية، وهو ما تؤمن به د. جويحان، وتعتقد أن أساسه قد أقيم بنجاح يستحق متابعته والبناء من فوقه وتوسيعه.

قبل بدء الحديث عن «مؤسسة الأميرة تغريد» تقول د. أغادير جويحان المديرة العامة للمؤسسة، رئيسة فريق العمل لتنفيذ» برنامج الرعاية اللاحقة» أن الجمعيات التي تؤوي الفتيات اليتيمات، طالما اعتمدت نهج أن تخرج الفتاة للمجتمع عندما تصبح سن الـ 18 ، إما أن تتزوج أو تذهب إلى سكن لتتابع دراستها الجامعية من أجل أن يتم تأمينها بعمل.

لكن ومن واقع خبرتنا الطويلة المعمقة، فإن ما يحدث في مجتمعاتنا هو شئ قريب القسوة، ونظرة الإستعلاء وكسر المشاعر. الطفل اليتيم الذي يترعرع في دور الأيتام، ومنذ نعومة اظفاره يدخل تحت ما يسمى بكفالة يتيم، حيث يطلقون الشعارات والنداءات وتعليق اليافطات لمساعدتهم حتى سن الــ 18 عاما، وبعد ذلك لا تعود هناك علاقة لأحد بأحد، حيث تتحول النظرة تجاههم من الخوف والقلق على أطفال أيتام يجب كفالتهم إلى أبناء أو بنات حرام... وهذا هو الحرام.

البداية نداء استغاثة

وعلى خلفية هذا التشخيص الإجتماعي القاسي، كما تقول د. أغادير، نشأت فكرة «مؤسسة الأميرة تغريد». فذات مساء، تلقيتُ مكالمة إستغاثة في منتصف الليل من فتاة يانعة تخرجت من دور الرعاية. أول ما سمعته منها وهي ترتجف: (سأضيع إن لم تساعديني) ومن بين دموعها التي لم تتوقف فهمت أنها تتابع دراستها الجامعية، وأن أحد المدراء حاول الدخول عليها فجرا، وأضافت وهي تبكي» المجتمع ينظر إليّ هكذا...»

بدوري أخبرت الأميرة تغريد حيث كلفتني باتخاذ ما يمكن للمساعدة.

ولا أخفي سراُ إن قلت أن هذه المكالمة أقلقت الأميرة تغريد مثلما هزت كياني فبدأت مباشرة أستقصي. عرفتُ أن هناك «صندوق أمان” يقدم خدمة التدريب والتأهيل والسكن، والإعاشة، برعاية وزارة التنمية الإجتماعية بدعم من الملك عبدالله الثاني بتأمين شقق للفتيات لفترة انتقالية. ورغم جهود وزارة التنمية وجهات أخرى، إلا أن هناك فجوة، لم ينتبه أحد لها رغم أهميتها، تكمن بالناحية النفسية وتغيير وجهة نظر المجتمع لهذه الفئة.

بدأنا العمل بمتابعة الفتيات الأيتام، فوق سن الـ 18 ببرنامج من الصفر.. مؤسسة تعنى بفئة الرعاية اللاحقة، يكون بها تدريب نفسي واجتماعي لاندماج الفتيات في المجتمع، وكانت البداية في مؤسسة الأميرة تغريد من 25 فتاة، منهن يافعات من الـ (اس أو اس) وبعضهن من دار البر والبراعم، ومعظم اللواتي جئن كنّ من دور الأيتام، من المتسربات من المدارس بسبب ما واجهنّه من عنف فيها، ابتداء من التفرقة بين الطفل العادي واليتيم إلى أخر أصناف المذلة. هذا إضافة إلى مشكلة في غاية الأهيمة وهي الترفيع التلقائي للفتيات اليتيمات، حيث دخلن المؤسسة عندنا أميّات بسبب تعاملهنّ للأسف الشديد مع موظف يقضي بضع ساعات لتضييع وقته دون أن يقدم ما يمليه عليه ضميره. فخرجت الفتيات دون أي اهتمام يذكر، ولا حتى أضعف الواجبات بتقديم دور الوالدين لتلك الفئة المحرومة، مما ينعكس على سلوكهنّ وعلى كل أساليب حياتهنّ اليومية بكل بساطتها.

هل هي النظرية التكاملية في الرعاية الإجتماعية؟

نعم. هي كذلك، لكنها تتميز بما لم تستطع مؤسسة غيرها الإهتمام به وبالإعتناء بتأهيل الفتيات.

كانت انطلاقتنا من الدوار الرابع باستئجار شقة صغيرة مع 25 فتاة من سن الـ 17 إلى 28 بينهن فتاتان في سن الـ 15 عاما. تعرفت عليهنّ كمتطوعة ورحبت بمن ترغب أن تستفيد فعلا، بعيدا عن الشفقة، وبعيدا عن ماضيهنّ وظروفهنّ. ومع فريق العمل أعطيناهنّ حاجاتهنّ، وعاملتهن كأم، تضحك وتصرخ، وتغضب، وتعاقب، وتستقبلهن بالأحضان.

مبادرة ملكية سامية

كيف تعاملتم مع المبادرة الملكية السامية لتعزيزالمسيرة الخيرة في مؤسسة الأميرة تغريد فيما يتعلق بحياة الفتيات فوق سن الـ 18.. وهي ما أطلق عليها الرعاية اللاحقة..؟

المبادرة االملكية السامية التي كرمنا بها الملك عبدالله الثاني تتمثل بتوفير سكن رسمي للفتيات من فاقدي السند بين سن 18 إلى 24 سنه. وهذه اللفتة الكريمة من جلالته أضافت قيمة وميزة للجهود التي تقوم بها مؤسسة الأميرة تغريد محمد ووزارة التنمية الإجتماعية بتوفير الأمن والحماية والتمكين الذاتي لمواجهة الصعوبات أمام فئة لا حول لهم ولا قوة ساعين بقوة إقناع كل من حولهم بتقبلهم والإندماج معهم مواطنين لخدمة الوطن على حد سواء.

قبل المبادرة السامية، تقول د. أغادير، انحصرت الجهود بداية بتأهيل تلك الفتيات وتدريبهن والسعي لإيجاد فرص عمل لهن. الآن وبفضل الله وتكريم من مليكنا أصبح لدى هذه الفئة سكن رسمي وتأهيل بيتي يتضمن تسع شقق سكنية مستقلة تتسع لـ ٥٤ فتاة ، كل شقة تستوعب ٦ فتيات مع كافة المستلزمات التقنية والحياتية، إضافة لقسم متخصص للدعم النفسي والإجتماعي والمهني. وفي هذا الجهد المتكامل، يقوم مركز الأميرة تغريد للقياس والتشخيص، باستكمال الجهد المؤسسي بالإشراف على الفتيات وتدريبهن على الأمور الإجرائية والحياتية اليومية.

الدائرة الخدماتية أصبحت الآن متكاملة من جميع النواحي النفسية والإجتماعية والصحية مما يوفر لهذه الفئة من بناتنا الأمان والإستقرار لينتقلن بالتدريج للإندماج مع المجتمع المحلي ولسان حالهن يردد بقوة وثقة «سنكون الأفضل بإذن الله تعالى لخدمة الوطن الذي ضمنا تحت سمائه وهي ضريبة مستحقة علينا ونحن أهل للعطاء».

وتضيف د. جويحان إن هذا المشروع هو الأول من نوعه في العالم الذي يختص رسميا وبشراكات إستراتيجية بين القطاع العام والحكومي ومؤسسات المجتمع المدني للأيتام وخريجي دور الرعاية من فاقدي السند الأسري للعمر ما بين ١٨ إلى ٢٤عاما.

كيف ضمنتم أن يؤدي هذا المقر أقصى ما هو مطلوب له؟

يستفيد من هذا المبنى كل فتاة أتمت سن الثامنة عشرة من أبناء المؤسسات الإجتماعية المختلفة التابعة لوزارة التنمية الإجتماعية حيث يتم نقلها إلى المبنى مباشرة كمرحلة إنتقالية لتدريبها على الإندماج بالحياة والمجتمع المحلي وتمكينها ذاتيا واجتماعيا ومهنيا.

ما هي نوعيات المشاركة التي يؤديها القطاع المدني في هذا النوع من الخدمات الإجتماعية المؤسسية؟

تقوم موسسة الأميرة تغريد وبالتعاون مع أكاديمية وقت التعليم بفتح ملفات فنية شاملة لقياس وتشخيص المستفيدات والتعرف على قدراتهن النمائية والإدراكية والسلوكية باستخدام أفضل الأدوات والإختبارات وأحدثها، ومن ثم وضع برامج دعم نفسي واجتماعي ومهني لتطويرهن وتمكينهن ذاتيا واجتماعيا. وياتي هذا المركز بشراكة استراتيجية مع الجامعة الهاشمية والتي تم انشاء مركز الأميرة تغريد للقياس والتشخيص في حرمها الجامعي للتعاون المثمر والبناء.

كما ويشمل البرنامج منذ البداية المهارات الأساسية للحياة والتي تقدمها المؤسسة منذ التحاق الفتيات المستفيدات وتعلمهن على الطهي والنظافة والتدبير المنزلي ليستطعن التعامل باستقلالية، بالإضافة إلى تكنولوجيا الخياطة والنظافة الشخصية. كما ويتم وضع برنامج إسبوعي لتطبيق إدارة المنزل وبأدوار محددة بين الفتيات كل في شقتها المستقلة.

أما فيما يتعلق بالجانب المهني والتعليمي فقد تم توقيع مذكرة تفاهم مع العديد من الجهات الأكاديمية المتخصصة منها الجامعة الأردنية وجامعة القدس والجامعة الهاشمية إضافة لمؤسسة التدريب المهني.

كذلك هو قسم الدعم النفسي والإجتماعي المتاح طيلة الوقت لأي فتاة بحاجة لدعم. ويتضمن القسم غرف متخصصة لجلسات علاجية فردية وطاقم متخصص من المرشدين الاجتماعيين والنفسين بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية وأكاديمية وقت التعليم ومدينة الحسين الطبية والجامعة الهاشمية.

كما ولدينا الجانب التوعوي للممارسات الحياتية للفتيات كالتعرف على النظام البنكي وفتح الحسابات وخطورة الكفالات والقروض وغيرها من الأمور المالية التي تعاني منها العديد من الخريجات.

سوق العمل لدينا صعب ومكتظ.. كيف توجهون الفتيات لضمان تحصيل العمل؟

يكون ذلك من خلال الجانب المهني المتخصص لدي موسسة الأميرة تغريد حيث تتضمن المؤسسة العديد من الأقسام المهنية التدريبية سواء بالضيافة والطهي أو التجميل أو الحرف التقليدية او السكرتارية أو قسم الصحة والعافية الذي تقدم فيه المؤسسة التدريب على العناية بالطفل ومساعدة المريض وجليسة الأطفال وغيرها. وتتميز المؤسسة بمنحهن شهادة دبلوم معتمدة من وزارة العمل من دائرة الجودة والمقاييس وبشراكات وإتفاقيات رسمية مع الجامعة الأردنية من مركز الإستشارات وموسسة التدريب المهني وجامعة القدس.

لقد سبق وقامت مؤسسة الأميرة تغريد في السنوات الستة الماضية ببناء شبكة قوية جدا مع القطاعين الخاص والعام وباتفاقيات رسمية من خلالها يتم توفير فرص عمل فورية لكل فتاة بعد انتهائها من التدريب مباشرة. كما ويتم مراقبتها وتوجيهها والإطمئنان عليها إلى أن تصل إلى مرحلتي الأمان والاستقرار.

الإشراف على مثل هذه البرامج المتخصصة، مسألة ليست سهلة. كيف تضمنون كفاءة الإشراف والتقييم؟

عملية الإشراف التي كانت متبعة قديما من خلال مشرفين رسميين ولّى عهدها. الفتاة عندما تلتحق بالمؤسسة يجب أن تبدأ بالحرية المقيدة. بمعنى أنها تخرج لوحدها وتتعامل مع الآخر وتنخرط بالمجتمع ولكن بإشراف نفسي واجتماعي. وينقسم الإشراف إلى قسمين رئيسيين الأول فكرة الأخت الكبيرة التي تساعد أخواتها الصغار على الإنخراط بالحياة وهو فريق كامل من فتيات قدوات بدأن مع المؤسسة منذ تسع سنوات ويعملن حاليا في مهن مختلفة داخل المؤسسة حث أبدين إستعدادهن لمساعدة أخواتهن عند التحاقهن بالبرنامج في الفترة الصباحية والليلية. والقسم الثاني هو الدعم النفسي والإجتماعي ويتم من خلال المركز الموجود بين الشقق.

استراحة

كم من الوقت تتبرعين دون أي شيء مقابل ذلك؟

لا أتبرع بوقتي فحسب وإنما أتبرع بمزيد من الوقت، لشعوري وقناعاتي وإيماني المطلق بما أقوم به تجاه من أخدمه. وما زلت بفضل الله أمتلك مزيدا من الوقت لتسيير حياة من هم أمانة في أعناقنا.. أقوم بذلك دون أي مقابل. نعمل في هذه المؤسسة خدمة تطوعية لقول الله تعالى:» إنه لِحبِ الخير لشديد». كما أنعم الله علينا في هذا الوطن بمكارم تشرق في إنسانية ملك هو رمز للشهامة والعطاء. ملك مثال للنخوة يمتلك حس الإنسان بأخيه الإنسان ويتلمس حاجات شعبه أينما كانوا.

يقول جبران خليل جبران: « لا قيمة لعطائك إن لم يكن جزءاً من ذاتك»؟

نعم، مثل هذا القول يسعفني ويمنحني دوما القوة والإيمان أن ما أقوم به هو جزء من ذاتي دون تردد أبدا.. هذا ما آمنت به منذ نشأتي وتعززت وكبرت من خلال عملي في مؤسسة الأميرة تغريد محمد وما قدمته وتقدمه الأميرة من تسهيل لمهامنا وتجاوبها مع كل صغيرة وكبيرة لإنجاح هذا المشروع الخيري واستمراريته لبناء حياة فضلى لجيل يعاني من ظروف الحياة القاسية بين مجتمع ما زال ينظر نظرة استعلاء لفئة من الناس قست عليهم الظروف. هذا المشروع واحد من المشاريع والجمعيات التي تديرها وترأسها الأميرة تغريد محمد.. لدينا في الأردن العديد من المبادرات الريادية: جمعية البر والعطاء التي تخدم منطقة الجنوب، وجمعية نهضة المرأة الأردنية التي أسستها والدة الاميرة تغريد سميحة المجالي عام 1953، وهي دار إيوائية للأيتام تأخذ من أعمار 6- 18 سنة إضافة لملتقى المبادرات النسائية بين الشرق والغرب وإفريقيا، وهو ملتقى عالمي متميز في تبادل الخبرات النسائية ومنبر للإلتقاء الثقافي والإقتصادي بين جميع النساء من مختلف أنحاء العالم.