عمان - جوان الكردي

«إللي حماتها بتحبها الشمس بتطلعلها»، «الكنة إذا كنّنتيها بتكن وإذا جننتيها بتجن»، «الحَماية ما بتحب الكنة ولو كانت حورية بالجنة».

أقوال شعبية متداولة تجسد إلى حد بعيد علاقة الحماة بالكنة (زوجة الإبن)، واصفة العلاقة بينهما، والصراع بين أمٍّ ترى أن ابنها ذهب منها، وحلت امرأة أخرى بدلا منها، وزوجة ترغب العيش بسلام واستقلالية وتحس بأنها ربة منزلها وسيدته، ودائما يكون الزوج هو الضحية.

أخشى غضبها

أيمن، الذي يعيش هو وزوجته مع والدته، لصعوبة وضعهما المادي، يشكو كثرة المشاكل التي لا تنتهي بين زوجته ووالدته، و»أنا أحاول دائما الإصلاح بينهما، ولكن عبثا، والدتي تريد أن تفعل هي كل شيء وزوجتي عندها لتنظيف البيت فقط، ودائما تتدخل بشئونها..».

وهو يقر أن زوجته «مظلومة.. لكنني لا أستطيع الاعتراض أو مواجهة والدتي لأنها أمي ولا أستطيع الوقوف أمامها، وأخشى غضبها».

حماتي متسلطة

«الله على كل ظالم».. هكذا استهلت الكنة (م.ع) قصتها. وتشرح بالقول: «حماتي متسلطة كثيراً ومسيطرة، وزوجي ضعيف الشخصية أمامها.. فعلتُ الكثير لأكسب رضاها، أجاملها وأتودد لها.. ولم ينفع».

وتستطرد: الموقف الأخير كان النهاية.. شقيق زوجي الصغير خطب الفتاة التي أحبها بدون رضا عائلته وبخاصة والدته، وتزوجها، وطبعا حماتي كانت مقهورة من ابنها ونفسّت كل غضبها بي».

وتتابع حديثها «طلبت حماتي أن يكون العرس في بيتي وأنا وافقت، وتفاجأت بأنها اشترطت ألّا أحضر العرس وإلا فلن تحضر، فما كان من زوجي إلا أن افتعل مشكلة من لا شيء ليطردني من البيت وقال لي أن أخاه فسخ الخطبة، وأخذ ذهبي وجميع أغراضي، وبعد أسبوعين علمت بأنهم أقامو العرس في بيتي».

وتضيف: طلبت الطلاق، وزوجي ووالدته يطالبونني بالتنازل عن حقوقي مقابل الطلاق؛ «بدهم أتنازل عن المتأخر.. ما بكفي سرقوا ذهبي وأغراضي وعفشي كمان».

حماتي تغيرت

تعود (ح. ن) بذاكرتها الى أيام الخطبة، وتقول: زوجي أصغر إخوته، عندما تقدموا لخطبتي قالوا أن البيت لي ولزوجي، بعد الزواج جاءت أمه وأقامت عندي، أولادها وبناتها لم يكونوا يسألون عنها أبدا، لكن بعد أن أقامت عندي صار أولادها وبناتها يأتون كل يوم من الصباح ليتضيفوا ويأكلوا».

بأسى تقول: «لقوا خدامة طبعا».وتتابع: «كنت أحترم أمه وأعاملها مثل أمي وبعد أشهر من زواجي تغيرت، صارت لا تطيقني وتريد أن أخدم بناتها، وأنا رفضت وقلت لها «أنتِ بعيوني، لكن بناتك كل واحدة ببيتها وليس مطلوبا مني أن أخدمهن».

وهي تشكو: «أصبحت حياتي كلها مشاكل مفتعلة منها، وزوجي ضائع بيني وبينها».

وتلفت (ح. ن) بأنه وبعد فترة مرضت حماتها بالسرطان، «واعتنيت بها وكنت حاملا بهذه الفترة، لا بناتها ولا زوجات إخوان زوجي زرنها أو اعتنين بها، وقفت إلى جانبها خلال مرضها الى أن توفيت، سامحها الله».

لم أر يوما حلوا بحياتي

«نهى» تزوجت شخصا يحبها، وكان أيام الخطبة يرسم الحياة التي يحلم أن يعيشها معها، من استقلالية وتربية الأولاد، وبنى لها قصورا في الهواء، وكانت حماتها خلال الخطبة لطيفة جدا معها.

بعد الزواج، وتحديدا بعد عودتها من شهر العسل «بدأت الصدمة..».

تقول: «كنت أعيش قريبة منها، طلبَت أن نأكل عندها، لم يكن في ثلاجة منزلي شيء (بحجة أننا نأكل عند أمي) كما يقول زوجي، أعود من عملي حتى أتغدى عندها وتطلب أن أجلس عندها حتى يعود زوجي من عمله، وأبقى بملابس العمل لآخر النهار».

وتكمل روايتها:عندما يأكل وينتهي أنظّف كل شيء ببيتها، تستبقينا لأن أخواته سيأتين لزيارتها، أبقى لساعات متأخرة من الليل بملابس العمل معها ومع بناتها.

وهي تحدثت كثيرا مع زوجها طالبة الاستقلالية والراحة، لكنه كان يرفض ويتهمها بأنها تريد إبعاده عن أمه وأخواته.

وتشكو من أن حماتها تتدخل بأدق التفاصيل الخاصة بينها وزوجها وتتحكم بخروجها وملابسها وكل تفاصيل حياتها، ما أثر على نفسيتها وأدى إلى عدم حملها، وأصيبت بأمراض كثيرة بسبب الكآبة والتوتر.

وكان زوجها يتذرع بالقول أنه لا يستطيع إغضاب أمه، وبعد مرارة «خمس سنوات من الظلم والتحكم لم أستطع أن أتحمل طلبت الطلاق، وأنا اليوم عند أهلي خسرت عمري وزهرة شبابي بسبب حماتي».

عداء حقيقي أم مفتعل

الاستشاري الأسري والنفسي الدكتور أحمد السريوي يبين بأن العلاقة الصراعية بين الحماة والكنة هي منظور مجتمعي تشكل حول هذه الظاهرة وتناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل حتى أصبح جزءاً من المجتمع.

لكنه يستدرك بالتوضيح أنه «ليس حقيقيا.. ويختلف باختلاف الشخوص وطبيعة تكوينهم» وكذلك يتأثر بعوامل أخرى مثل «الحالة المادية والثقافية ونوع المجتمع غربي أو شرقي..».

الآثار النفسية على الجميع

ويحذر السريوي من الآثار النفسية السلبية التي قد تقع على جميع الأفراد المتعرضين لهذه المشكلة، إذ يخضعون لحالة من الضغط النفسي نتيجة تكرار المشاحنات بين الأطراف.

ويشير الى أن السلبيات يكون وقعُها على الرجل أقوى وتعرضه للضغط النفسي أكبر نتيجة محاولته إرضاء جميع الأطراف، بوصفه حلقة الوصل بينها.

ويبين أنه على الأغلب قد تدخل الزوجة في اضطرابات أكثر مما هي أمراض، إلا اذا كان لديها استعداد لمرض نفسي معين مثل الاكتئاب.

ويوضح بأن الضغط النفسي المتكرر قد يؤدي الى «أعراض جسدية» تتمثل في الصداع والأرق وأوجاع في المعدة وقد تؤدي إلى «القولون العصبي».

أما نفسيا، فقد تؤدي إلى نوعين من اضطرابات الشخصية؛ الأول هجومي؛ مثل: اضطراب الشخصية الحدية, اضطراب الشخصية العدائية, اضطراب الشخصية الشكاكة.

والآخر انسحابي؛ مثل: اضطراب الشخصية التجنبية, اضطراب الشخصية الاعتمادية, اضطراب الشخصية الاكتئابية.

الدوافع لرغبة الحماة

بالتحكم بزوجة الإبن؟

يبين السريوي هنا بأن الدوافع «غريزية أكثر مما هي نفسية»؛ إذ تعتقد الأم أن هذه الفتاة قد سرقت ابنها منها نتيجة التعلق الزائد بالإبن طيلة سنوات حياته قبل الزواج.

ويوضح: كذلك إن الإبن كان يعطي للأم مساحة كبيرة في حياته وفجأة هذه المساحة تقلصت إلى حد بعيد مما خلق فجوة عند الأم. وتزيد هذه الحالة عند الإبن الوحيد الذكر أكان لديه أخوات بنات أم لا.

بالتالي «قد تدخل الأم في هذه الحالة»، بحسب السريوي، من السيطرة التي لا يمكن صنع التوازن فيها إلا بتدخل مباشر من الإبن، وبحكمة حتى يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح وبمحاولة تقريب وجهات النظر بين الزوجة والأم.

ويلفت الى أن الأم قد تكون تعاني من بعض الاضطرابات أو الأمراض النفسية، وفي هذه الحالة تكون الأمور أصعب مثل اضطراب الشخصية القلقة أو الوسواسية.

والحل هنا، بحسب السريوي، هو «تفعيل الحوار الهادف والبنّاء ومحاولة تقريب وجهات النظر وأن تميز الأم أن حب ابنها لها يختلف عن حبه لزوجته، وكذلك بقية الأطراف، وتستوعب أصول العلاقات وأساسها حتى تنتهي موجة المقارنات.

حب التملك

من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتور جهاد السعايدة أن هذا يرتبط بظاهرة التعلق بين الأم والإبن وحب بعض الأمهات للتملك الزائد وظهور زوجة الإبن كمنافس، حيث تشعر الحماة أن هناك منافس لها في حب الإبن وأن الإبن أصبح يهتم بزوجته أكثر منها وتنشأ الغيرة وبخاصة إذا كان الإبن هو أكبر أبناء الحماة.

غياب السعادة

ويلاحظ أن من الآثار السلبية «غياب السعادة عن الأسرة وحدوث عدم الاستقرارالأسري ومشكلات أسرية اجتماعية وانفعالية، بين الزوجين وبين زوجة الإبن والحماة، من شأنها أن تربك الحياة الزوجية وسعادة الزوجين وقد تصل في حدها الأعلى إلى هدم الحياة الزوجية بالطلاق.

ويرى السعايدة أنه كلما زادت المسافة الثقافية والاجتماعية والفكرية بين الحماة وزوجة الإبن كلما زاد حجم عدم التوافق، فاختلاف طبيعة البيئة الثقافية والاجتماعية بين أسرتي الزوجين تلعب دورا أساسيا في سوء التوافق الأسري وعدم القدرة على التفاهم بين الحماة وزوجة الإبن.

ويبين أنه إذا كان لدى زوجة الإبن القدرة والفهم لاستيعاب سلوك الحماة في محاولتها للاستمرار في تملك حب الإبن فان ذلك يساعد على الحد من الغيرة، وعدم تهميشها من قبل زوجة الإبن الذي قد يشعل الغيرة ويثير المشاكل.

ويشير إلى تغيير بعض الافكار غير الواقعية لدى الحماة عن العلاقة بإبنها كالتملك الزائد أو التعلق الزائد إذا لم تمتلك زوجة الإبن هذه الثقافة السلوكية فإنها تساعد على نشوب الغيرة.

عدم التدخل بالأمور الخاصة

ويرى السعايدة بأن «ليس من حق الحماة التدخل في الأمور الخاصة جدا» بحياة ابنها، حتى تساعد الإبن في تحمل مسؤولية أسرته، لكنه لا ينكر الدور التوجيهي للحماة في أسرة ابنها في الأمور العامة بفعل عامل الخبرة الطويلة للحماة بالحياة.

ومن سلبيات العلاقة بين الحماة وزوجة الإبن حسب السعايدة ،هو التنافس في تملك حب الإبن وكذلك مرجعية اتخاذ القرارات في أسرة الإبن وبخاصة إذا كان الإبن يعتمد على الأم في اتخاذ القرارات المتعلقة بأسرته.

ويوضح أن تعلق الأم بالبنات ينطبق عليه نفس مفهوم علاقة الحماة بالإبن، لكن يضاف إلى ذلك في حالات يكون نتيجة عدم رضا الأم عن زواج ابنتها لأسباب كثيرة منها الوضع الاجتماعي لأسرة زوج بنتها أو إذا كانت بنتها موظفة ولها راتب تشعر بخسارته، ويعتبرن أمهنّ المرجعية الأولى وكلامها مقدس مما يشعل الكثير من المشاكل.

ولأن لكل قاعدة شواذ هنالك حموات تكون بمثابة الأم؛ الكنة هيام تعود بذكرياتها مع حماتها (رحمها الله)

تقول: «حماتي كانت حنونة وطيبة وتحب أولادي، وكانت رحمها الله تسهر معي ومع أولادي عندما أكون مشغولة، وتُعد لنا الطعام، وعندما أغضب من أولادي تقول لي تعالي عندي».

تتابع: «عندما توفيت أمي كنت أبكي وقلت لها أمي ماتت، أخذتني بحضنها وضمتني إلى صدرها وقالت لي أنا أمك»، لكن «يا خسارة لم يطل بقاؤها كتيرا وتوفيت».

العشرة بالمعروف

أستاذ العقيدة في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية الدكتور محمد أحمد الخطيب يقول أنه ليس في الشرع ما يدل على إلزام الزوجة أن تساعد أم الزوج، إلا في حدود المعروف، وقدر الطاقة، إحسانا لعشرة زوجها، وبرأً بما يجب عليه برُّه.

ويلفت الى أنه يجب على الزوج أن يقف عند هذا الحكم الشرعي، ولا يطلب من الزوجة ما لا يلزمها شرعاً، وعليه أن يعلم أنه لا طاعة له عليها لو أنه أمر زوجته بخدمة أهله، لأن أمره ذاك ليس من شرع الله تعالى.

ويفسر بالقول «على الزوج أن يتقي الله تعالى في زوجته، وليس له أن يربط علاقته بزوجته بعلاقتها بأهله، وأن عليه هو مسئولية جسيمة في التوافق والترابط بين زوجته وأهله».

ويشدد على أن مثل هذه العلاقات الودية «لا تأتي بالأوامر للزوجة بخدمة أهله ،بل يكون ذلك بالتودد، والتلطف معها، مع وجود جو من المحبة».

ويذكر الخطيب بوصية وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوج في زوجته (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

ويبين أن أهم أسباب إستقامة الحياة ، ودوام المعروف ، وحسن العشرة بينكما أن تشعر زوجتك أنها شريكة لك ،زوجة كما أنك زوج ، وليست أَمَةً عند سيد!

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

نصائح للجميع

الزوج يقف حائرا بين طرفين مهمين في حياته: أمه وزوجته، يرضي من ويغضب من؟

ينصح السريوي الزوج هنا بأن يقنع كلا الطرفين أن حبه لهما لا يتشابه على الإطلاق، مثل حب الأب لابنته وبنفس الوقت لزوجته، فأنواع الحب تختلف، ما يجعلها لا تدخل في طور التنافس مع بعضها البعض.

بالتالي يجب على الزوج أن يعمل جاهداً على صنع الصداقة بين الزوجة والأم وذلك عن طريق نقل الصورة الحسنة عن كلا الطرفين وألا يساهم هو في زرع الفتنة والبغض، بل يكون هو المجمل للكلام والملطف للأجواء بينهم.

وينصح السعايدة، بخلق جو من الود والتفاهم وبناء جسور من المحبة القائمة على معرفة كل طرف لحقوقة وواجباته على الزوجة ان تتفهم طبيعة العلاقة والعشرة بين الإبن وأمة كواقع يتغير تدريجيا ليكون أكثر إيجابية بالمستقبل ويعتمد ذلك على قدرتها على ممارسة الردود الايجابية لتصرفات الحماة مهما كانت حادة على الإبن أن يعمل على خلق نوع من التوازن والتوافق في العلاقة بين الزوجة والام.

ويقدم السريوي عدة نصائح للأم، أن تميز أن هذه سنّة الحياة وتتقبلها لأنها كانت في يوم من الأيام وقد تكون ما زالت كنة لإحدى الأمهات، وأن تميز الأم أن حبها مختلف في نوعه لا يدخل طور التنافس.

أما الزوجة والزوج، فينصحهما السريوي بـ:

- أن تميز الزوجة أن أم الزوج ليست العدو الذي يجب التخلص منه فتبذل كل الجهد في زرع العداوة من بداية الزواج.

- أن تميز الزوجة أن حب أم الزوج لها ممكن وغير مستحيل وقد تصبح وكأنها واحدة من بناتها وبخاصة إذا لم يكن لديها بنات.

- أن تميز الزوجة أن رضى الأم شيء عظيم، فلا تكون هي سبباً في غضبها على زوجها.

- أن يدرك الرجل أن التعامل في هذه المرحلة، وبخاصةً في بداية الزواج، ليس أمراً هيناً ويحتاج إلى حكمة وتروي.

- أن يدرك الزوج أن العمل على هذه المرحلة يتطلب إعداد سابق من مرحلة الخطبة وليس بعد الزواج.

- أن يفعّل الزوج (تهادوا تحابوا) حيث أن الهدية لها تأثير نفسي قوي على كل الطرفين وقد تكون سبباً في زرع المحبة بينهم.

- أن يعمل الزوج جاهداً على ألا يشعر أي من الطرفين أنه يميل اليه اكثر من الآخر وألا يظهر أي مشاعر زائدة عن الحد الطبييعي لأي طرف حين تواجده معهم في آن واحد.