رزان المجالي د.أمينه منصور الحطاب

جلست تحدث زوجها عن زيارتها لصديقتها وعن طبق السمك المشوي الذي لم تذق مثله من قبل, فطلب منها أن تأخذ الطريقة ليتذوق هذا الطبق الذي لا يقاوم. اتصلت الزوجة وبدأت تكتب الطريقة وصديقتها تحدثها فتقول « نظفي السمكة ثم اغسليها، ضعي البهار ثم اقطعي الرأس والذيل ثم أحضري المقلاة..» هنا قاطعتها الزوجة قائلة: ولماذا قطعتي الرأس والذيل؟ فكرت الصديقة قليلا ثم أجابت: لقد رأيت والدتي تفعل ذلك! ولكن دعيني أسألها. اتصلت الصديقة بوالدتها وسألتها: عندما كنت تقدمين لنا السمك المشوي اللذيذ لماذا كنت تقطعين رأس السمكة وذيلها؟ أجابت الوالدة: لقد رأيت جدتك تفعل ذلك! ولكن دعيني أسألها، واتصلت الوالدة بالجدة وسألتها: أتذكرين طبق السمك المشوي الذي كان يحبه أبي ويثني عليك عندما تحضرينه؟ فأجابت الجدة: بالطبع، فبادرتها بالسؤال ولكن ما السر وراء قطع رأس السمكة وذيلها؟ فأجابت الجدة بكل بساطة وهدوء: كانت حياتنا بسيطة وامكانياتنا متواضعة ولم يكن لدي سوى مقلاة صغيرة لا تتسع لسمكة كاملة!

تمثل هذه القصة واقع الكثير من الأفراد العاملين في المؤسسات المختلفة؛ فهم يستمرون بالقيام بأعمال روتينية واتخاذ إجراءات معينة وإتباع حلول متكررة دون التفكير في المتغيرات والمستجدات لأن أبسط وأسهل شيء هو أن نفعل ما كنا نقوم به دوماً وهذا بدوره يسبب هدراً لا داعي له ويكبد مصاريف كان بالإمكان تلافيها. ومع التحديات والمنافسة المتزايدة يحتاج الأفراد إلى ابتكار أفكار جديدة وإيجاد حلول للمشاكل التي تواجههم بعيداً عن أسلوب التفكير الرتيب والوسائل التقليدية المكلفة. فالإبداع ليس إلا رؤية الفرد لظاهرة ما بطريقة جديدة، والقدرة على الإحساس بوجود مشكلة تتطلب المعالجة، والتفكير بشكل مختلف ومميز لإيجاد الحلول المناسبة.

ويمكن تعريف الإبداع بأنه أفكار جديدة ومفيدة ومتصلة بحل مشكلات معينة أو تجميع وإعادة تركيب الأنماط المعروفة من المعرفة في أشكال فريدة ،ولا يقتصر الإبداع على الجانب التكنيكي لأنه لايشمل تطوير السلع والعمليات المتعلقة بها فحسب بل يتعدى أيضا الألات والمعدات، وطرائق التصنيع، والتحسينات في التنظيم نفسه ونتائج التدريب، والرضا عن العمل بما يؤدي إلى إزدياد الإنتاجية.

ويظهر الإبداع في العديد من المستويات منها: المستوى الفردي؛ بحيث يكون لدى العاملين إبداعية خلاقة لتطوير العمل وذلك من خلال خصائص فطرية يتمتعون بها كالذكاء والموهبة أو من خلال خصائص مكتسبة كحل المشاكلات مثلا ،وهذه الخصائص يمكن التدرب عليها وتنميتها ويساعد في ذلك ذكاء الفرد وموهبته. أما الإبداع على مستوى الجماعات؛ فيكون على شكل مجموعات محددة في العمل تتعاون فيما بينها لتطبيق أفكار جديدة وابداعية وتغيير الشيء نحو الأفضل كجماعة فنية في قسم الإنتاج مثلا. والإبداع على مستوى المؤسسات؛ فهناك مؤسسات متميزة في مستوى أداءها وعملها وغالبا ما يكون عملها نموذجي ومثالي للمؤسسات الأخرى ،وحتى تصل إلى الإبداع لابد من وجود إبداع فردي وجماعي.

ولقد قام (تايلور) بتقسيم الإبداع إلى مستويات مختلفة هي: الإبداع التعبيري (Expressive Creativity)؛ وتكون فيه الأصالة والكفاءة على قدر كبير من الأهمية، الإبداع الإنتاجي (Productive Creativity)؛ وهو الذي يرتبط بتطوير آلة أو منتج أو خدمة، والإبداع الإختراعي (Inventive Creativity)؛ ويتعلق بتقديم أساليب جديدة، والإبداع الإبتكاري (Innovative Creativity)؛ الذي يشير إلى التطوير المستمر للأفكار وينجم عنه اكتساب مهارات جديدة. وأخيرًا الإبداع الإنبثاق (Emergence Creativity)؛ وهو نادر الحدوث لما يتطلبه من وضع أفكار وإفتراضات جديدة كل الجدة.

لقد وضع الكثير من الباحثين مجموعة من الآراء الرائدة في مجال الإبتكار والإبداع، وحتى تكون المؤسسات نامية، وأساليبها مبدعة وخلاّقة ينبغي مراعاة بعض المبادئ الأساسية فيها، ومن هذه المبادئ: إفساح المجال لأيّة فكرة أن تولد وتنمو وتكبر ما دامت في الإتجاه الصحيح، فالإبتكار قائم على الإبداع لا تقليد الآخرين لذلك يجب أن يعطى الأفراد حرية كبيرة ليبدعوا، على أن تتركز هذه الحرّية في المجالات الرئيسيّة للعمل وتصبّ في الأهداف الجوهرية.

إن الاعتناء بالأفراد العاملين وتنميتهم ورعايتهم يجعلها الأفضل والأكثر إبتكاراً وانتاجًا لا سيما أنهم مصدر قوة المؤسسة ولتكن المكافأة على أساس الجدارة والكفاءة، كما أن احترامهم وتشجّيعهم وتنمّيتهم وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في اتخاذ القرار وتحقيق النجاح كفيل بأن يجعلهم يبذلوا قصارى جهودهم لتحقيق المهمات المناطة بهم على أكمل وجه، إن التخلّي عن الروتين واللامركزيّة في التعامل ينمي القدرة الإبداعية ويحول العمل إلى شيء ممتع لا وظيفة فحسب.

ويعد التجديد المستمر للنفس والفكر والطموح مطلب ضروري للابداع لكنه لا يتحقّق إلاّ إذا شعر الفرد بأنّه يتكامل في عمله ،فالعمل ليس وظيفة للفرد فقط بل إنه يستطيع من خلاله أن يبني نفسه وشخصيّته أيضاً ،وهذا الشعور يدفعه لتفجير الطاقة الإبداعيّة الكامنة بداخله وتوظيفها في خدمة الأهداف المراد تحقيقها ،فكل فرد هو مبدع في ذاته وعلى القائد أن يكتشف مفاتيح التحفيز والتحريك لكي يصنع أفراد مبدعين بالفعل.

ليس الإبداع أن نكون نسخة ثانية أو مكررة بل الإبداع أن تكون النسخة الرائدة والفريدة ،لذلك ينبغي ملاحظة تجارب الآخرين وتقويمها أيضاً وأخذ الجيّد وترك الرديء لتكون أعمالنا مجموعة من الإيجابيّات ،فالمؤسسات وفق الإستراتيجية الابتكارية إمّا أن تكون قائدة أو تابعة أو نسخة مكررة، والقيادة مهمة صعبة وعسيرة ينبغي بذل المستحيل من أجل الوصول إليها، وإلاّ سنكون من التابعين أو المكررين وليس هذا بالشيء الكثير.

لا ينبغي ترك الفكرة الجيدة التي تفتقد إلى آليات التنفيذ ،بل يجب أن نضعها في البال ،وبين آونة وأخرى نعرضها للمناقشة، فكثير من الأفكار الجديدة تتولد مع مرور الزمن، والمناقشة المتكررة ربّما تعطينا مقدرة على تنفيذها، فربّما لم تصل المناقشة الأولى والثانية إلى تمام نضجها فتكتمل في المحاولات الأخرى، يجب إعطاء التعلّم عن طريق العمل أهميّة بالغة لأنها الطريق الأفضل لتطوير الكفاءات وتوسيع النشاطات ودمج الأفراد بالمهام والوظائف.

لقد بينت بعض الدراسات أن الإبداع على مستوى المؤسسات قد يعاني من المعوقات التي تتمثل في المحافظة على الوضع الإجتماعي وعدم الرغبة في خلق صراع سلبي ناشئ عن الإختلافات بين الثقافة السائدة في المؤسسة وبين الثقافة التي يستلزمها التغيير، والرغبة في المحافظة على أساليب وطرق الأداء المعروفة حيث أن الإبداع في المؤسسة يستلزم في بدايته نفقات إضافية على المؤسسة أن تتحملها، وعدم الرغبة في تغيير الوضع الحالي بسبب التكاليف التي يفرضها مثل هذا التغيير، وأخيرًا ثبوت الهيكل البيروقراطي لمدة طويلة وترسخ الثقافة البيروقراطية وما يصاحب ذلك من رغبة أصحاب السلطة في المحافظة عليها وعلى طاعة وولاء المرؤوسين لهم أو رغبة أصحاب الإمتيازات في المحافظة على إمتيازاتهم.

إن التغيير بحاجة إلى همّة عالية ونَفَس جديد، والإبتكار بطبيعته صعب وفيه الكثير من التحدّي والشجاعة لذلك من الضروري أن يعتقد الأفراد أن أعمالهم الإبداعيّة ستعود بمنافع عليهم وعلى مؤسساتهم، وستجعلهم في محطّ الرعاية الأكثر والإحترام الأكبر.

Ameeneh@live.com