برحيل جمال ناجي، خسرت الساحة الثقافية العربية واحداً من أبرز المساهمين في إثرائها بحضوره الإبداعي والنقابي والإنساني. فلم تتوقف إسهامات ناجي الذي توفّي يوم 6/5/2018 عند إصدار الكتب الأدبية في حقلَي الرواية والقصة، بل تعّدت ذلك إلى انخراطه في العمل النقابي والثقافي العام من خلال ترؤسه لرابطة الكتّاب الأردنيين (2001-2003)، وتفاعله مع القضايا المستجدة على المستوى الثقافي الوطني والعربي، ودفاعه عن قناعاته تجاهها بوصفه مثقفاً عضوياًَ. وقبل هذا وذاك، ما دشّنه ناجي من علاقات إنسانية ممتدة جعلته نقطة التقاء للأفرقاء في الثقافة والسياسة.

وليس من الإنصاف الاكتفاء بوصف ناجي: «الأديب» أو «الكاتب»، فقد كان «مثقفاً» يؤمن في ما يكتب من روايات وقصص ومقالات وفي ما يمارس من سلوك، بالدولة المدنية وقيمها التي تعلي من شأن المواطنة، وتجعل مَن هم تحت سمائها وفوق أرضها متساوين في الحقوق والمعاملة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية ومرجعياتهم الفكرية.

وُلد ناجي يوم 1/11/1954 في عقبة جبر/ أريحا، وأنهى الثانوية في مدرسة رغدان الثانوية بعمّان سنة 1973، وحصل على شهادة الدبلوم في الفنون من كلية تدريب عمّان التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) سنة 1975. عمل في مجال الإدارة المصرفية (1978-1996)، وأدار مركز «إنتلجنسيا» للدراسات في عمّان منذ سنة 1996، ثم أسس المركز الثقافي العربي عام 2009، وأداره حتى عام 2017.

نال جائزةَ رابطة الكتّاب الأردنيين سنة 1984 عن روايته «الطريق إلى بلحارث»، وجائزة الدولة التشجيعية (حقل الرواية) من وزارة الثقافة سنة 1989 عن روايته «مخلفات الزوابع الأخيرة»، وجائزة تيسير السبول للرواية من رابطة الكتّاب الأردنيين سنة 1992 عن مجمل أعماله، ووصلت روايته «عندما تشيخ الذئاب» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية/ بوكر (2010)، وتُوِّجت مسيبرته منحه جائزة الدولة التقديرية في الآداب (2014)، قبل أن تنال روايته «غريب النهر» جائزة الملك عبد الله الثاني للإبداع الأدبي (2016).

اتسمت رواياته وقصصه بالتنوع، ولم تنحصر أحداثها في أماكن متكررة أو أزمان محددة، ففي روايته الأولى «الطريق إلى بلحارث» (1982) يتناول البيئة الصحراوية في القرية السعودية خلال العقد الثامن من القرن العشرين، بينما تدور أحداث روايته الثانية «وقت» (1984) في المخيم الفلسطيني خلال الخمسينات والستينات، أما روايته الثالثة «مخلفات الزوابع الأخيرة» (1988) فتتحدث عن الغجر وحياتهم وحلّهم وترحالهم وتعايشهم مع المجتمعات المحلية، فيما تعد روايته الرابعة «الحياة على ذمة الموت» (1993) مقدمة للدخول إلى موضوعة العولمة من خلال الاقتصاد، وهو ما تم استكماله في روايته الخامسة «ليلة الريش» التي تدور أحداثها في الأوساط المالية والاقتصادية من منظور نقد سلبيات العولمة. أما روايته «عندما تشيخ الذئاب» (2008) فتتناول موضوعة استثمار الدين والتحولات السياسية والفكرية التي شكلت مقدمات لمرحلة التطرف. ثم أصدر روايته «غريب النهر» (2011) التي تتحدث عن القضية الفلسطينية ومراحل النضال الفلسطيني. وفي روايته الثامنة «موسم الحوريات» (2015) فتتناول موضوعة التطرف والمنظومات الاجتماعية والسياسية التي أوجدت هذه الظاهرة. وتُرجمت بعض رواياته إلى لغات أخرى من بينها الإنجليزية والهندية الماليبارية.

وفيما يتعلق بقصصه، فأسلوبه في كتابته يختلف جذريا عن أسلوبه الروائي سواء من حيث الشكل أو أسلوب المعالجة أو المضمون، وقد صُنفت قصصه على أنها تكشف أعماق النفس البشرية بأسلوب جديد يعتمد المفارقة والنهايات غير المتوقعة. وقد صدرت له أربع مجموعات قصصية: «رجل خالي الذهن» (1989)،، «رجل بلا تفاصيل» (1994)، «ما جرى يوم الخميس» (2005)، «المستهدَف» (2011).

كان ناجي عضواً في رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وفي رابطة القلم الدولية/ فرع الأردن، وفي اللجنة العليا لاحتفالية عمّان عاصمة للثقافة العربية (2002)، وفي لجنة سينايوهات الأردن المستقبلية 2020، بالإضافة إلى عضويته في لجان تحكيم مسابقات وجوائز مختلفة. أُعدت دراسات كثيرة عن نتاجه الأدبي، وتناولت ثلاث رسائل ماجستير وسبع رسائل دكتوراه تجربته السردية، وأُدرجت بعض قصصه في المناهج المدرسية فيما تدرَّس رواياته في عدد من الجامعات.

اهتم جمال ناجي بالفلسفة والفكر، كما اهتم بموضوعة التعددية الثقافية والتي كتب عنها كثيرا وأقيمت له ندوات حولها، كما اهتم بقضية الثقافة المدنية وأشرف على برنامج عن الثقافة المدنية، ورأس تحرير مجلة «أفكار» التي تُصدرها وزارة الثقافة منذ عام 2016 حتى وفاته يوم 6/5/2018 في عمّان.

وبالإضافة إلى الروايات والقصص القصيرة، كتب جمال ناجي السيناريو التلفزيوني، ومن أبرز ما كتب في هذا المجال مسلسل «وادي الغجر» المأخوذ عن روايته «مخلفات الزوابع الأخيرة».

في هذا الملف الذي يخصصه «الرأي الثقافي» لاستذكار ناجي، نطلّ على تجربة هذا الروائي والقاص بقلمِه. إذ يتضمن الملفُ شهادات إبداعية ومقالات يكشف فيها المبدع الراحل عن رؤاه وطقوسه عند الكتابة، وكيفية اختيار شخصياته، ولغة السرد والحوار، وحضور المكان في أعماله، ومقولات نصوصه فلسفياً وفكرياً. وسبق لهذه الشهادات والمقالات أن نُشرت على صفحات «الرأي الثقافي» الذي واظب ناجي على الكتابة فيه أسبوعياً لسنوات، وما استعادتُها هنا متجاورةً إلاّ ليطّلع القارئ على مناخات التجربة الممتدة عبر أزيد من أربعة قرون وسماتها التي منحتها فرادةً تليق بها.

جعفر العقيلي