جمال ناجي

ماذا لو امتلكت الذئابُ عمرا طويلا وشبابا دائما؟

قد تصاب بالسأم، وقد تتمنى لو أنها امتلكت تلك الميزة الإنسانية التي باتت تستخف بالخلود، على الرغم من المحاولات الخرافية التي بذلها الإنسان من أجل الظفر بهذا الخلود منذ ابتداء شوطه مع الحياة.

بعد أن فرغتُ من كتابة روايتي «عندما تشيخ الذئاب» تأملت شخوصها من جديد، وتنبهت إلى وجود خيبات لدى ثلاث منها، بسبب نمو الشخوص الأخرى وتبرمها وتمردها، على خلاف ما كان متوقَّعا لها في البدايات، كما إن تلك الشخوص خرجت عن المسارات التي حاولتُ رسمها لها، واختطّت طريقها بحرية وبمنأى عن خططي ونواياي، لكنني تمكنت -في ما أعتقد- من التقاط صور متعددة الطبقات لكل منها، وللكثير من الأحداث التي عاشتها.

يحدث أن ينقاد الروائي ويسير على خطى شخوصه، ويحدث أن يشتبك ويتلاسن معها، ويحدث أيضا، أن يصاب بالجزع من بعضها.

هذا ما جرى عندما كبرت تلك الشخصيات وامتلكت ما لا أملك من الدهاء والحكمة، ثم اكتهل بعضها، وتقيأ ما ابتلعه من فرائس خلال حياته التي عاشها في شرفات النفوذ أو أدغال الشهوة وغلالاتها.

إنها الذئاب التي سمعتُ عواءها الموحش في ليالي الصقيع، ورأيتُ بفزع، أنيابها ومخالبها التي أنشبتها في أبدان خصومها في الساحات الخلفية لوُجُرِها المزدانة بالورود الخادعة.

كان عام التفرغ الإبداعي الذي كتبتُ الرواية خلاله، عاما مختلفا اكتنفته تساؤلات عدة، فأنْ أخصص وقتي لكتابة الرواية ولا شيء غير الرواية، يعد تجربة جديدة عليّ، إذ لم يسبق لي أن وافقتُ على محاصرة نفسي بسلاسل الوقت أو النظم التي تفرض على الكاتب أن ينجز عمله خلال فترة زمنية محددة.

لكنني -أثناء فترة التفرغ- قمت بالاحتيال على مزاجي وطباعي، ووضعت لنفسي برنامجا للكتابة، كي أتمكن من إتمام مشروعي خلال عام واحد بحسب مقتضيات نظام التفرغ الإبداعي في وزارة الثقافة.

قبل هذه التجربة كنت أقول إن الروائي لا يستطيع القبول بحصار الوقت أثناء الكتابة، لكن تبين لي أن الإنسان يمتلك قدرات عجيبة على التكيف الذهني والنفسي والأدائي إن هو أراد، كما تذكرت أن ديستويفسكي كان يبرم عقودا لكتابة بعض رواياته خلال فترات زمنية محددة كلما نفدت النقود من جيبه، وكان يلتزم بها. كتّاب آخرون، منهم همنغواي وريمارك وألبرتومورافيا، وقّعوا عقودا مع الصحف ودور النشر لكتابة روايات خلال فترات محددة، وأنجزوا بهذه الطريقة أهم أعمالهم، ولقد وجدتُ في تجارب أولئك المبدعين ما يبرر ويدعم حيلتي النفسية التي أسعفتني وأفادتني في إنهاء الرواية خلال المدة المحددة.

من الصعب أن يتحدث الكاتب عن روايته، ومن المستحيل أن يحاول تلخيصها، ومن السذاجة أن يقوم بتعظيمها أو عدّها فتحا جديدا. كما إن الشهادات الروائية لا تتطلب كل هذا، لكن يمكن الاقتراب من بعض نقاط التماس التي قد تضيء بعض المناطق المأهولة بالأحداث.

ففي الرواية حبّ محكوم بالمواعظ، وشهوات تستمد قوتها من النصوص، وفتاوى تسبغ مشروعية على القتل والخيانة، وأناس يجدون في التعاويذ وصفات نموذجية لمواجهة المستقبل.

ثمة نزع متبادل للأقنعة عن الوجوه، وثمة اهتراء تدريجي لهذه الأقنعة بفعل عوامل التعرية والاحتكاك. كما إن الفضائل التي نعرفها تراجعت وتحولت إلى سلع نموذجية للاستهلاك لا للتمثل، أما القيم التي استغرق إنتاجُها قرونا طويلة من عمر البشرية فقد تهتكت وشاخت أيضا، ولم يعد للفضيلة من موقع بعد تشريدها والاكتفاء بالحديث الفاتر عن مناقبها، بدلا من ممارستها.

هناك شخصيات وجدت في الاستقامة سذاجة لا تتفق ومعايير المبادأة، وفي الفقر لعنة يتوجب إقصاؤها حتى من الذاكرة، ثم وضعتْ أسوأ الاحتمالات، وخرجتْ بنتائج تفيد بأن الحظ لا يستطيع أن يأخذ منها أكثر مما منحها، وراودتها استنتاجات عقلية مفادها: كلنا مؤمنون بالله سبحانه وتعالى، ولكن لا بد لنا أن نبحث في التفاصيل. والتفاصيل كثيرة.

غالبية شخصيات الرواية انتقلت من هوامش المجتمع إلى مراكزه، لكنها وجدت نفسها مندفعة نحو صراعاتٍ أمْلتها مصالحُها وقناعاتها، ففي حين ترى إحدى الشخصيات اليسارية أن كل ما يحتاجه المرء كي يصبح رجل دين هو: لحية طويلة لغايات تحديد الهوية العقائدية، مسواك، سبحة طويلة، عمامة قد لا تكون لازمة، دشداشة أو عباءة تتلملم الهيبة في ثنياتها، مواعظ يحفظها الطلبة عادة، ونوع من الطيب الذي يسبب الصداع، فإن رجل الدين يرى أن لا شيء يلزم المرء كي يكون يساريا أو ليبراليا إلا التمسك بالانتهازية وشرب المنكر.

وفي حين ترى إحدى الشخصيات أن الغواية فتنة، والفتنة ملعونة، فإن شخصية أخرى ترى أن الغواية موهبة، ومن الحماقة أن يفرط الإنسان بما وهبه الله.

وفي الوقت الذي تشتاق فيه المدينة للحظة استرخاء ويقين، فإن ذئابها ترود شوارعها وأزقتها بحثا عن طرائدها المطمئنة الغافية.

السؤال المتعب الذي وجدت نفسي أمامه أثناء الكتابة هو: ما دامت أحداث هذه الرواية تحتاج إلى ما ينوف على سبعمائة صفحة، فكيف يمكنني إتمامها في حدود ثلاثمائة صفحة من دون الإخلال بأحداثها وبناءات شخوصها؟

كان هذا هو التحدي الأكبر إذا جاز لي استخدام مفردة «التحدي» هنا، وغني عن القول إن كتابة ما يحتاج إلى ثلاثمائة صفحة في سبعمائة صفحة أسهل بكثير ولا يعدّ تحديا للكاتب، لأن زيادة عدد الصفحات لا يحتاج لما هو أكثر من الثرثرة والاسترسال السهل وإقحام التفاصيل التي يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

عموما، لا أستبعد أن أكون قد حققت نجاحا في هذه المهمة.

بقيَ أنّ محاولاتي الأولى للإقلاع في هذه الرواية أخفقت غير مرة، فقد جربتُ تقنية وصفية، لكنني وجدتها بائسة وغير قادرة على التعبير عما تريد الشخصيات قوله وفعله، فضلا عن أنها أعاقت عملية الإقلاع كثيرا. جربتُ تقنية سردية اعتقدتها جديدة، لكنني سرعان ما تحولت عنها طائعا، بعد أن سمعت احتجاجات شخصيات الرواية، تلك التي ابتهجتْ عندما استخدمتُ تقنيةَ تعدد الأصوات، ذلك لأنها أتاحت لها فرص الحديث عن تجاربها، ورؤية صورها في مرايا غيرها، ثم التمركز في مرآة الشخصية الغامضة التي حملت اسم «عزمي الوجيه».

لقد وجدتُ في هذه التقنية التي استخدمها من قبلي روائيون عالميون وعرب، وسيلة مثلى للتعبير عن الأحداث الخارجية والنفسية في هذه الرواية، غير أنني لاحظتُ أنها كانت تتنازع على احتلال أكبر مساحة ممكنة من الصفحات كي تبوح بما لديها، وكنت أرقب هذه النزاعات، وأحيانا أضطر إلى انتهار بعض الذئاب التي تحاول الاستيلاء على حصص غيرها، لكن، كما ذكرت في البداية، فقد تمردت الشخصيات واختطّت طريقها بمنأى عن هندساتي وخططي ونواياي، الأمر الذي يدعوني إلى الإفصاح عن سعادتي البالغة بهذا التمرد الجميل.

27/2/2009