نهلة الجمزاوي

من غرائب الطبيعة أن ترى ناراً متوهجة دائمة الاشتعال، إنّها حفرة كبيرة تتصاعد منها النيران بلا انطفاء، يدعونها باب جهنم، لكنّها موجودة في الأرض، ويا لها من حفرة ملتهبة مخيفة تقع قرب مدينة صغير في شمال أوزبكستان..

ترجع قصة هذا المكان لنحو 35 سنة. كان الجيولوجيون ينقبون عن الغاز في تلك المنطقة، ثمفجأه وأثناء التنقيب عثروا على كهف تحت الأرض،.كان كبيراً بحيث أنجميع مواقع الحفر مع كافة المعدات هوت في أعماق أعماق ما تحت الأرض. لا أحد يتجرأ على النزول هناك لأنّ الكهف كان مملوء بالغاز.

لذلك قاموا بإشعال الحفرة حتى لا ينبعث الغازالسام من الفتحة، ومنذ ذلك الحين وهو يحترق، وبالفعل لمدة 35 سنة ظل يحترق دون أن يتوقف. لا أحد يعرف كم طنا من الغاز قد اُحرق كل هذه السنوات، ولكن يبدو أنّ لانهاية لحجم الغاز الموجود..ليتنا كنا نستفيد من هذا الغاز قبل أن تحول إلى جهنم أرضية عجيبة..

حسن الصباغ وحامد الخزاف

كان في سالف الزمان رجل نشيط اسمه المعلم حسن، يعيش في مدينة من مدن الهند. وكان للمعلم حسن أخلاق طيبة وسمعة نظيفة وعلاقة رضيّة مع الناس. وكان عمله صبغ الثياب أو غسلها أو تنظيفها. وكانت كل الثياب التي تخرج من بين يديه ثياباً وكأنها رجعت جديدة لشدة نظافته وحبه لعمله.

للمعلم حسن عائلة من زوجة طيبة وصغار سبعة، أربعة أولاد وثلاث بنات. وكان المعلم حسن ينفق كل ما يربحه من عمله على عائلته لأنه يحبها حبّا جمّا، ولا يهمل لها أي طلب، فهي كل حياته. يتركها عند الصباح، وعندما يعود مساء يعود مشتاقا لرؤيتها كما يفعل كل أب يحب عائلته.

اشتهر المعلم حسن ووسّع عمله وازداد ربحه، وانتقل من فقر إلى غنى، وانتقلت معه حال عائلته، فازداد اهتمامه بها وسهره عليها.

وكان للمعلم حسن جار خزّاف اسمه حامد، وهو عامل كسول. يجلس طيلة النهار عند باب محله يراقب المارة ويتحدث مع من يراه كسولا مثله. ويعود آخر النهار إلى البيت فارغ اليدين إلا من القليل من عمله. وغالباً ما كان المعلم حسن يحثه على العمل، و لكن عبثا.

أما حامد، فكان يغار من المعلم حسن ويحسده ويحلم أن يكون له محلاً كمحله. ولكن، كيف الوصول إلى ذلك وهو متخاذل، كسول، ضعيف الإرادة، يفضّل أن ينام طيلة النهار ويحسد غيره طيلة الوقت على أن يصنع ولو أبريقا صغيرا.

مرّ الزمان والمعلم حسن يزداد شهرة وغنى، وحامد يزداد حسداً وغيرة. وراح حامد يفكر بحيلة يوقع فيها المعلم حسن فيخسر كل شيء.

كان حامد يفكر في الحيلة الشريرة في الليل والنهار، وهو يأكل ويشرب ويحدث الناس، حتى تفتقت له فكرة فرح لها، وانتظر شروق شمس اليوم التالي لينفذها.

في صباح اليوم التالي، نهض حامد وقصد قصر حاكم المدينة، وحاول أن يدخله، فطلب إذناً من الحاجب وانتظر. غير أن حاكم المدينة كان كثير العمل، فلم يستطع حامد أن يقابله. وبعد يومين، مرّ الحاكم في شوارع المدينة على ظهر فيل مزيّن بألوان جميلة.

رآه حامد، واشتد تصميمه بأنه يجب أن يراه بأي ثمن. فنهض مسرعاً ثم وقف أمام الحاكم، وقال بصوت مرتفع:

– يا سيدي الحاكم!

فانتبه الحاكم لصوت حامد الذي قال: أريد أن أراك لأمر لا بد أنه سيسرك، ولكن حاجبك يرفض أن يدخلني عليك.

فقال الحاكم لمرافقه: «قل لهذا الرجل إني أنتظره غدا.»

وفي الغد، ذهب حامد إلى القصر. وعندما حضر بين يدي الحاكم قال له: «صباح الخير يا سيدي الحاكم.»

فقال الحاكم: أوقفتني البارحة وقلت إن لديك فكرة ستعجبني، فما هي؟

إن لك يا سيدي الحاكم فيلاً جميلاً، إلا أنه يشبه كل الفيلة، فلو صبغته بلون أبيض، لكان أجمل فيل بين كل الفيلة وكل المدن.»

سرّ الحاكم بفكرة حامد وقال له: «إنها فكرة جميلة، ولكن كيف السبيل إلى تنفيذها؟»

فقال حامد: «إن جاري يا سيدي الحاكم صبّاغ ماهر مشهور، وهو وحده الذي يستطيع أن يصبغ الفيل ويحوله من لونه الأصلي إلى اللون الأبيض، من غير أن يتبدّل لونه أو يبوخ بعد ذلك.

أمر حاكم المدينة بإحضار المعلم حسن إلى القصر. وعندما حضر المعلم حسن بين يدي حاكم المدينة، قال له الحاكم: «علمت أنك صبّاغ ماهر، فقد أخبرني بذلك جارك حامد الخزّاف، وإن لي طلبا إليك.»

فانحنى المعلم حسن احتراما وقال: «أرجو أن ألبّي طلبك يا سيدي الحاكم.»

قال الحاكم: “أحب أن أغيّر لون الفيل الذي لدي. أريد لونه أبيض.»

أحنى المعلم حسن رأسه، وعرف أن هذه الفكرة هي فكرة جاره حامد الخزّاف، فهو يريد أن ينتقم منه. وطالت انحناءة المعلم حسن. فقال له حاكم المدينة: «أراك يا معلم حسن تطيل التفكير.»

فقال المعلم حسن: “إني أفكر بأمر مهم، وهو أنني إذا أردت أن أصبغ لك الفيل، عليّ أن أغسله في وعاء مصنوع من الفخّار يكون حجمه أكبر من حجم الفيل، يتّسع له عندما ندخله فيه. ولا يستطيع أحد أن يصنع هذا الوعاء إلا حامد الخزاف.»

أرسل الحاكم وراء حامد، وطلب إليه أن يصنع وعاء كبيراً يسع الفيل عندما سيغسله المعلم حسن.

ازداد غضب حامد وعرف الحيلة التي أوقعه فيها المعلم حسن جزاء له. غير أنه لا يستطيع إلا أن يلبي ما طلبه الحاكم منه، فذهب إلى محله وراح يعمل ليل نهار هو وبعض العمال حتى فرغ من صنع الوعاء، فعاد إلى الحاكم وأخبره أن الوعاء جاهز. وكان قد مضى على عمل حامد في الوعاء ثلاثة أشهر.

جاء المعلم حسن بالفيل وأدخله في الوعاء وحامد ينظر إليه مغتاظ القلب. لكن ما إن دخل الفيل في الوعاء حتى تكسّر قطعا قطعا. فأعلم المعلم حسن الحاكم بذلك. فأمر الحاكم حامد أن يصنع وعاء آخر.

فراح حامد يعمل ستة أشهر هذه المرة، ويقوّي من الخزف خوفا من أن ينكسر عندما يدخل فيه الفيل. ولما انتهى وجاء المعلم حسن بالفيل وأدخله الوعاء عاد الوعاء، وأنكسر مجدداً.

غضب الحاكم غضباً شديداً وأمر حامد الخزاف أن يصنع وعاء لا ينكسر وإلا فسيحكم عليه بالسجن.

عاد حامد إلى العمل وهو ممتلئ بالحقد والغيظ على المعلم حسن الذي يمضي النهار في العمل الذي كان يعمله من قبل وهو مسرور.

مرت سنة كاملة، أنهى حامد العمل في الوعاء وأخبر الحاكم بذلك. وجاء المعلم حسن بالفيل وأدخله في الوعاء إلا أن الوعاء عاد وانكسر، واشتدّ غضب الحاكم وأمر أن يسجن حامد، فسجن.

أما المعلم حسن فأخبر الحاكم أن الفيل لا يصبغ كما قال حامد. غير أن حامداً لحسده وغيرته، أراد أن يوقعه في مشكلة يقنع حاكم المدينة بها.

أدرك الحاكم حيلة حامد، وأمر أن يسجن سنة كاملة. وطلب إلى المعلم حسن أن يلازم قصره.

وهكذا كان زجّ حامد الخزّاف في السجن، وأما المعلم حسن فقد أصبح أعزّ صديق لحاكم المدينة.