أبواب - غدير سالم

«المسؤولية كبيرة وقد أثقلت كاهلي، فقد عاش زوجي في بلاد الإغتراب ما يقارب العشرة أعوام ، حيث سافر إلى السعودية ليعمل هناك بسب ضيق الحال، ومنذ أن اغترب وأنا المسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة وعن أبنائي الثلاثة فهم بحاجة إلى الرعاية ، وقد أصبحت الأم في المنزل أرعاهم وأقدم لهم الحب والحنان ، والأب خارج المنزل لألبي لهم متطلباتهم».

بهذه الكلمات عبرت دنيا أحمد عن معاناتها بسبب غربة زوجها.

وتابعت :«غربة الزوج ليست بالشيء الهين أبداً فهو أساس البيت وقوامه ، وبرغم ما أقوم به من رعاية واهتمام وتدبير لكافة الإلتزامات إلا أن وجوده ضروري والأبناء بحاجة له ، فوجود الأب ليس هدفه جلب المال فقط إنما يحتاجه أبنائه ليقدم لهم الرعاية والحنان فهو قدوتهم وهو من يراقب تصرفاتهم ويرعى سلوكهم، وهذا الضغط الكبير لا يمكنني أن أتحمله وأن أسيطر عليه، لذلك غربة الزوج صعبة للغاية وتحتاج من الزوجة الكثير من العناء والمشقة، ولكن ما باليد حيلة فنحن بحاجة إلى المال لتأمين مستقبل أبنائنا».

ووفقاً للمستشار النفسي والتربوي عاطف شواشرة فإن :» غياب الأب عن البيت هو غياب القدوة والنموذج بالنسبة للأطفال ، وبدوره ينعكس على الأطفال من ناحيتين الناحية الأولى حدوث نقص عاطفي يحدث لدى الأطفال لأن الأب يقدم للأطفال الكثير من المشاعر العاطفية التي تعمل فيما بعد على توازن الشخصية ومن المعروف أن العواطف عند الأطفال جزء هام من بناء الشخصية الإنسانية ولذلك غياب الأب يعني غياب جزء من هذه العواطف ، وبالتالي يصبح هذا الطفل بحاجة إلى رعاية عاطفية من شخص آخر غير الأب ، أما من الناحية الأخرى فإن غياب الأب هو غياب القدوة أو النموذج بمعنى أن الأطفال يتنمذجون بشخصيات أبائهم ، فالفتيات يتنمذجن بشخصيات أمهاتهم والذكور بشخصيات أبائهم».

وأضاف شواشرة عن تأثير غياب الأب على الأبناء :» وبالتالي فإن هذا الغياب يعني أن هناك نقصاً في المهارات الإجتماعية وفي اللغة وفي قواعد السلوك التي يتعلمها الأطفال الذكور من أبائهم، وبالتالي لا بد إزاء هذه المشكلة ومن أجل تعويض هذا النقص من توفير بديل كالخال أو العم أو الجد أو أي شخص آخر يقدم للطفل هذه النمذجة مثل معلم المدرسة مثلاً ، ليقدم للطفل شيئاً من الإهتمام وليشعره بالمتابعة ويعطيه قيمة للأشياء التي ينجزها الطفل في حياته كحصوله على علامة مرتفعة في المدرسة فهو يحتاج لهذا الحنان الأبوي ليثني عليه ويربت على كتفه ويعطيه المزيد من الرعاية والإهتمام بما يجعل الطفل يشعر عظمة هذه الإنجازات وأهميتها».

أما عن تأثير غياب الزوج على الزوجة فيقول شواشرة :» إن غياب الزوج يعطي الزوجة عبئاً أكثر في الحياة ويؤدي إلى حدوث بعض المشكلات مثل شعورها بالقلق وبأنها تحمل عبئاً ثقيلاً وأنها غير قادرة على تحمل هذه المسؤولية ، عدا أن غيابه هو غياب السلطة بالنسبة للأطفال وهذا يعني أن شخصية الأم ستتحول تتدريجياً إلى القيام ببعض الأدوار الذكورية مثل تمثيل السلطة في البيت والتسوق وتضطر للتعامل مع كافة قطاعات الشعب كالحداد والنجار والميكانيكي وهذا يؤدي من الناحية الإيجابية إلى شيئ من الصلابة في الشخصية وهو بحد ذاته مسؤولية قد يترتب عليها الكثير من الأعباء النفسية بالنسبة للأم».

العائلة جميعها تدفع ثمن الغربة سواء الأب أو الأم أوالأبناء فكل منهم يتأثر من الغربة على حدى فتقول أم خليل :» احتويت أسرتي بعد غياب زوجي باحثاً عن الرزق ولكن الغربة سرقت كل سعادة كنت أبحث عنها ، حيث كبر الأبناء وأنا أرعاهم وأربيهم دون زوج، ومنذ اللحظة الأولى وأنا متيقنة أن للغربة ثمناً ندفعه جميعنا بلا استثناء، وهذا الثمن على حساب خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها في الدفء الأسري والاستقرار وعلاقة الأبناء بالأب وارتباطهم به».

ووفقاً للمرشدة الإجتماعية نور حناوي فإن : «غربة الزوج يعني حرمان الأهل والأطفال من حلقة وصل ممتدة بينهم ، فتكون العلاقة أشبه بالتفكك الأسري المتقطع، وعادة ما تكون الغربة من قبل الأب في العائلة بسبب ظروف الحياة الصعبة، فالأب في الأسرة هو العمود الأساسي وغيابه يترك أثار نفسية وسلبية كبيرة على الأطفال ، عدا أن غيابه يؤثر على العديد من نواحي الحياة كالناحية السلوكية ، والناحية التربوية ،عدا عن وجود حاجات ومتطلبات أساسية وضرورية ، وتؤثر أيضاً على التنشئة والرعاية الإجتماعية».

وتضيف حناوي : «فمن الناحية السلوكية فإن الأم بشكل عام غير قادرة على أن تضبط بعض التصرفات السلوكية للأطفال وخاصة في اختلاف الجنس (ذكور وإناث) ، ويفضل أن يكون الأب شريكاً ومساعداً ومكملاً بتعديل هذه السلوكيات الأساسية لدى الطفل، وبغيابه يترك فجوة كبيرة وشرخ ناقص ولذلك يعتبر الأب متمم أساسي للتربية، أما من الناحية التربوية فالتربية شيء أساسي خاصة بداية التكوين الشخصي للطفل لذلك تلعب التربية دوراً أساسي ومهم في التكوين، ويجب أن تكون مبنية ومكملة بالتفاصيل الدقيقة والأساسية الصحيحة لذلك تحتاج التربية وجود الأب والأم جنباً إلى جنب«.

وتابعت :«أما الحاجات الأساسية والضرورية فإن تأمينها وتأمين متطلبات العائلة بحاجة إلى رجل يقوم بهذه الأعباء ولكن بغياب الزوج تضطر الزوجة لتأمين تلك المتطلبات الأساسية ، وهذا العبء يؤثر على دور الأم في التربية ودورها على القيام بأمور المنزل ، لذلك يجب أن تكون الأم قوية بقدر كافي لسد الفراغ الذي يتركه الأب في غيابه لأنها تقوم بالدورين الأساسين (أم–أب )، وستشعر بالضيق فهي بحاجة إلى سند وزوج ليمدها بالقوة ويسندها لتأمين الحاجيات وإعطائها الأمان لأن الغربة صعبة جداً على العائلة وهو فراغ ووحدة للأم ، ومن ناحية التنشئة والرعاية الإجتماعية فقد تؤثر على العائلة من الناحية الإجتماعية كالعلاقة بين أفراد الأسرة والتواصل الإجتماعي بين العائلات ، وقيام الأم بالخطوات الأساسية للتنشئة وإشباع الأطفال بحاجات الحب والحنان والعطف والرعاية الكاملة ولأي مكمل لتنشئة صحيحة وأيجابية ، فالأب هو الكيان الرئيسي في المنزل ووجوده أساسي وتحتاجه الأم للقيام بكافة هذه الأمور «.

وتشير جميع الدراسات النفسية إلى محورية دور الأب في حياة أبنائه ، وأن مجرد وجوده ولو كان صامتاً يسد فجوة عميقة في نفوس الأبناء ، فالأب ليس وسيلة لتوفير المال ولا يمكن أن تقتصر مسئوليته على ذلك فقط.

وبحسب دراسة حديثة فإن عدد المغتربين الأردنين ما يقارب 800 ألف أردني خارج الأردن ، وبالتالي هو رقم لا يمكن تجاهله وبالطبع هذه الأرقام تعكس مؤشرات عن مدى المسؤولية الواقعة على الزوجة، لأن معظم المغتربين يفضلون عدم سفرعائلاتهم معهم لظروف كثيرة وبالتالي تلعب المرأة دورالأم والأب.