أبواب - وليد سليمان

كانت حياته تتسم بالجدية والاجتهاد والنظام وتحمُّل المشاق, وكل هذا بسبب أجواء البيت الذي عاش فيه.. فقد كان والده أحد منتسبي الجيش الاردني, كما أن المدرسة التي درس فيها كانت مدرسة عسكرية خاصة لأبناء الشهداء والضباط.

و تأثر فائق الشلبي كذلك بخاله الصيدلاني الذي كان يملك صيدلية بنفس الحي, فكان عمر فائق يتردد عليه باستمرار حيث يرى الدقة في تحضير الأدوية وطريقة تركيبها, ومن هنا بدأ شغفه بعلم الصيدلة.

هذا ما ذكرته المؤلفة « رندة حتك الشلبي» عن الدكتور الصيدلاني عمر فائق الشلبي في كتابها الصادر في عمان عن الآن ناشرون وموزعون وبدعم من وزارة الثقافة الاردنية، وكان بعنوان (رجل ذو بصمات).

والشلبي هو من مواليد عام 1904 و توفي عام 1988، وكان بعد أتم الثانوية العامة قد التحق بجامعة دمشق وأحرز لقب صيدلي من الدرجة الأولى في 15 تشرين الأول عام 1923.

ولكن آماله وطموحاته كانت أبعد من ذلك, فذهب إلى فرنسا لطلب المزيد من العلم. فدخل جامعة «بوردو» وحصل على درجة الدكتوراه في الصيدلة عام 1925, مقدماً اكتشافاً في موضوع معدل الحموضة (PH)، حيث حضَّر كاشفاً لتحديد درجة القوة للحوامض والقواعد بعد أن كانت توصف بأنها قوية أو ضعيفة. ومازال هذا الاكتشاف يُدرس باسمه حتى الآن في عدة جامعات بفرنسا وبالجامعة السورية.

وإلى جانب هذه الدكتوراه درس علم البكتيريا (البكتريولوجي) والكيمياء التحليلية.

وفي مدينة إربد؛ هذه البلدة الصغيرة آنذاك, بدأت حياته العملية في العام 1926.. فقد افتتح عمر الشلبي أول صيدلية في إربد عام 1928, وسجل اسمه في سجل الصيادلة المرخصين, وكان يلتزم بالوصفات الطبية التي تأتي من الطبيب, حيث كان في اربد ثلاثة أطباء فقط آنذاك.

أما بالنسبة للمواد الأولية, فكان يشتريها من دمشق وبيروت وحيفا ويافا والقدس.

صانع أدوية!

وتذكر الباحثة رندة حتك مؤلفة هذا الكتاب ان عمر الشلبي الدكتور الصيدلاني قد قام قديماً بتحضير كريم للسيدات عُرف باسم «كريم الشلبي».

وفي فترة من الزمن انتشر رمد العيون بكثرة فقام بتحضير قطرة بزجاجات كبيرة ووزعها على مخاتير القرى مجاناً, وكانوا يُسمونها القطرة الزرقاء لأن لونها أزرق, وكان يحضر كالونيا ومضمضة للأسنان ودواءً خاصاً للقضاء على حب الشباب لاستعماله الشخصي ولعائلته.

مدرس مادة العلوم!

وعلى الرغم من عمله بالصيدلة الخاصة به مارس مهنة أخرى.. هي التدريس لمادة علوم الطبيعة في مدرسة ثانوية إربد للبنين, بناء على طلب حكومي لتغطية النقص الموجود في المدرسة, ومن هنا كانت بداية دخوله سلك وزارة التربية والتعليم.

وكان الشلبي يفتخر بكونه من المؤسسين للشركة العربية لصناعة الأدوية بالسلط عام 1962, بالتعاون مع زملاء له, منهم أمين شقير وراضي الشخشير وحمدي الساكت وصبحي الطيبي, ليكون المصنع عربيّاً وبأيدٍ عربية, ليصبح باكورةً للتصنيع الدوائي في الاردن والمنطقة العربية.

فائق في المُختبر

في عام 1949 افتتح عمر مختبراً بعد أن حصل على تصريح من مديرية الصحة الاردنية على خلفية شهادته في علم البكتيريا (البكتريولوجي)، ليخدم أهل المنطقة التي كانت بأمس الحاجة لهذا المختبر, وكانت هذه مهنته المحببة لنفسه, ليقوم بالعمل صباحاً في وزارة التربية والتعليم, وبعد الظهر في المختبر, وظل يمارس هذه المهنة أثناء عمله في التربية وبعد تقاعده وحتى وفاته.. فقد بدأ الشلبي العمل في وزارة التربية والتعليم الاردنية في 4/2/1929 إلى تاريخ إحالة نفسه على التقاعد 7/5/1960.

وتقلد عدة مناصب منها: معلماً ثم مديراً لثانوية إربد, وانتقل مديراً لمدرسة السلط الثانوية, ثم مفتشاً أو في الوزارة, فمديراً للتربية والتعليم في محافظة إربد, ومساعداً لوكيل وزارة التربية والتعليم للشؤون الثقافية.

ففي مُستهل سنة 1924 – 1925 كان عدد الطلاب في مدرسة إربد 264 طالباً, وفي سنة 1940 أصبح عدد الطلاب 550 طالباً. والطلاب الذين تخرجوا في المدرسة سنة 1927 عبارة عن 6 طلاب, بينما سنة 1940 أصبح عددهم 31 طالباً.

وكانت نسبة الطلاب إلى السكان عام 1950 تعادل 3%, وفي سنة 1959 أصبحت 14%.

وافتتح الشلبي 362 مدرسة, هذه هي الثروة الكبيرة والحقيقية التي كان يفتخر بها.

وكان يتعاون مع وزارة الأشغال لفتح الطرق للقرى التي ستفتتح فيها المدارس, وكان يبذل جهوداً حثيثة للتنسيق مع بعض الإداريين عندما يلاقي ممانعة ومعارضة من الأهالي, وخاصة عندما كان يتعلق الأمر بفتح مدرسة للإناث.

وأسس داراً لتأهيل المعلمين في حوارة وداراً للمعلمات في عجلون.

عمل جاهداً للحصول على هبة مقدمة من الحكومة الألمانية بفتح مدرسة صناعية في مدينة إربد, وذلك بالتعاون مع الجهات الرسمية الحكومية الاردنية.

ثم عمل مساعداً لوكيل وزارة التربية والتعليم عام 1960 وأنجز خلالها المعادلات الثقافية بين وزارة التربية والتعليم وبين اليونسكو, حيث كان مندوب الأردن في اليونسكو.

شارك في وضع المناهج المدرسية لمادة العلوم في الأردن للصفوف من الثالث الابتدائي وحتى السادس، ومناهج مبادئ الكيمياء الحديثة من للصفين الاول والثاني الاعدادي.

ودُرست هذه الكتب في السنوات التالية 1962 – 1963 – 1964- 1965.

وأطلق على إحدى مدارس إربد الثانوية الكبيرة والعريقة اسم «حسن كامل الصباح» تكريماً لأستاذه الذي كان له التأثير الكبير في حياته وطريقة تدريسه, ومن لا يعرف هذا العالم العربي السوري اللبناني الذي سُجل له 71 اختراعاً باسمه, و11 اختراعاً بالاشتراك مع آخرين, وكان يلقب بـ «أديسون الشرق», وتُوفي عن عُمر 41 عاماً!!.

قدم الشلبي المساعدة إلى المدارس الأرثوذكسية في لواء عجلون, مما دعا بطريرك مدينة القدس أن يرسل له وساماً ورسالة تقدير وشكر على ما قدمه لهذه المدارس من مساعدات, وهذا دليل على حب هذا الرجل للعلم وخدمة الإنسانية بغض النظر عن الدين.

في السلك الدبلوماسي

تقلَّد عمر فائق عدة مناصب ووظائف, وأثبت فيها جدارته وإخلاصه وتميزه, وبما أنه كان يُتقن اللغة التركية لأن والدته تركية الأصل،, فقد فكَّر في خوض تجربة العمل في وزارة الخارجية, فطلب نقله إلى السفارة الأردنية في أنقرة، فوافقت رئاسة الوزراء على طلبه, وعينته سكرتيراً أول في السفارة, فعمل فيها لمدة عام (1947 – 1948) ليعود إلى الأردن ولوزارة التربية والتعليم بالذات؛ لأنه وجد نفسه أكثر عطاء وفائدة, لبناء وإعداد جيل من الطلبة المتعلمين والمثقفين.. وقد تخرجت على يديه الأفواج المتتالية من هذه الأجيال الصاعدة، من الذين قادوا فيما بعد مسيرة الأردن إلى الأمام، ببذلهم الجهود الكثيرة والكبيرة للنهوض بالوطن وتنميته على أحسن وجه بدءاً بتنمية الإنسان.

الكشف عن الجرائم!

وعمل عمر فائق خبيراً في المحاكم النظامية 1928 – 1979, وكان من طبعه أنه دقيق الملاحظة, وساعده على ذلك عمله في المختبر بوجود المجاهر (المايكرسكوبات) والعدسات المكبرة, لانه قرأ ودرس في كُتب علم النفس والكيمياء الشرعية, والمجلات وأي كتاب يتعلق بالموضوع, ولكنه في النهاية وجد أن التركيز والانتباه على الخط والزوايا والانحناءات الموجودة فيه وعلى الحبر وانسيابه والأقلام وأنواعها والطوابع هل هي قديمة أم جديدة, وكيفية إلصاقها, كما كان يعرف الوسائل المستعملة للتظليل فيكشفها.

كان يستدعى بطلب رسمي من قبل محاكم إربد وعمان والقدس ليساعدها في كثير من القضايا مثل التزوير في كتابة الأسماء, أو الإمضاء على الشيكات, أو في تحليل الدم على الملابس, أو على أدوات الجريمة لمعرفة الفاعل.

إحساس فني وإبداع أدبي!

ومن مزاياه الاخرى كان إنساناً مُرهف الحس, يعشق الموسيقى ويطرب لسماعها بكل أحاسيسه ومشاعره. فقد كان يقتني الجرامافون وعنده أسطوانات باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية, ومنها:

إضافة إلى دراسته العلمية وتفكيره العلمي, فقد امتلك عمر فائق قدرة أدبية متقدمة. فقد ألّف عدة قصص قصيرة،كما استوحى بعض أحداثها من مجتمع مدينة إربد وما يحيط بها من المدن والقرى التي قضى فيها معظم حياته وحتى مماته.

الشلبي مرجع علمي!

أثناء تناول عمر فائق لوجبة العشاء رنَّ جرس الهاتف, قام وتحدث قليلاً وعاد لتكملة عشائه ثم قال وهو في غاية السرور: إن المتحدث هو معلم لمادة الفيزياء, كان مجتمعاً مع زملاء له وخلال نقاشهم في موضوع علمي واختلافهم في الرأي اتفقوا على أن المرجع العلمي والموثوق فيه هو «عمر بيك», وكان السؤال: «إذا ارتفع صوت الراديو هل يزيد استهلاكك البطارية؟». كان جوابه: «إن الصوت حركة تحتاج إلى الطاقة, فكلما ارتفع الصوت يحتاج إلى طاقة أكبر فيزيد من استهلاك البطارية».

إرحل معهم وعلِّمهم!

لاحظ عمر فائق في إحدى جولاته لمدينة المفرق مجموعة من الخيم وعدداً من الأطفال يلعبون, فأوقف السيارة ودخل لزيارتهم فدار الحديث بينهم عن حياتهم وطريقة معيشتهم وأولادهم ودراستهم, فكان جوابهم أن أولادهم لا يدرسون لعدم وجود مدرسة, فقال لهم: هيّئوا خيمة لتكون مدرسة وغداً سيأتي الأستاذ, سوف يُدرّس لأولادكم نهاراً وينام فيها ليلاً.

في اليوم التالي عَيّن أستاذاً لهم (من عائلة حداد) موضحاً له طبيعة العمل, وقائلاً له: سيأخذك سائق إلى المكان, ستعيش عندهم وتُدرّس لأولادهم, وفي نهاية الشهر تأتي لتأخذ راتبك. وبعد عدة أشهر جاء الأستاذ قائلاً: يا عمر بيك, ماذا أفعل, لقد رحل الطلاب مع أهاليهم؟

فقال له وهو يبتسم: ارحل معهم واستمر بتعليمهم. هكذا كان إصرار عمر فائق على تعليم النشء.

مع المدير وإمام الجامع!

جاء السكرتير قائلاً: يا عمر بيك, هناك شيخ وقور يريد مقابلتك. دخل الشيخ الجليل وقال: أنا من نابلس, خريج كلية الشريعة, آملاً منك أن تُعينني في التربية, فأجابه قائلاً: يا بني حاليّاً لا يوجد شاغر.. متأسف, ولكن ستبقى في فكري عند استحداث أي شاغر. خرج الشيخ وفجأة تذكر أن مدرسة كفر خل بحاجة إلى مدير (أستاذ), فقال للسكرتير: أسرِع ونادِ الشيخ, فلما حضر قال له: هناك وظيفة لك ولكن فيها مشكلة, وهي أن إمام الجامع لا يريد مدرسة بالقرية؛ لذلك يحيك الدسائس للمدير حتى يهرب, هل ترغب في مُجابهة هذه التحديات؟ فقال: أنا على استعداد تام للوظيفة: فأمر عمر فائق بتعيينه, وقال له أنهِ أوراقك واذهب اليوم إلى كفر خل للدوام.

وبعد عدة أشهر ذهب لزيارة المدرسة فاستقبله المدير بحفاوةٍ بالغةٍ, فسأله عمر فائق ما هي الأخبار؟ فضحك, وقال: إمام الجامع رحل, وأنا الآن مدير المدرسة وإمام الجامع!

القاتل الأعمى!

وقعت جريمة بخنجر في مدينة الرمثا واحتار المدعي العام في معرفة القاتل واشتبه بعدة أشخاص من أقاربه فقررت المحكمة استدعاء عمر فائق للمساعدة, فطلب إحضار خناجر المشبوهين لفحصها, فوجد أحدها شديد اللمعان وحديث التنظيف, فقام بفك المقبض عن النصل وأخذ عيّنة من بقايا الغبار والأوساخ وفحصها بالمختبر, وكتب بالتقرير أن أصحاب هذه الخناجر أبرياء إلا صاحب هذا الخنجر لوجود آثار دم على خنجره, فاستغربوا وقالوا: إن صاحب هذا الخنجر أعمى, فأجاب ابحثوا في الأمر. وبعد تحريات المدعي العام ثبت أن صاحب الخنجر هو فعلاً القاتل لوجود خلافات وثأر بينه وبين المقتول.

عجلة السيارة

دهس سائق سيارة شخصاً في القرية وهرب. فجاء رجال المباحث لمعرفة السائق ففحصوا جميع سيارات القرية ووجدوا آثار دم على عجلات إحدى السيارات فأخذوا صاحبها وأوقفوه بتهمة دهس الشخص لوجود آثار دم على عجل سيارته. أخذ المتهم بالبكاء وحلف اليمين أنه لم يدهس أحداً ولا حتى أي حيوان, وإنه بريء من هذه التهمة.

طلب المحامي وكيل المتهم أخذ عجلة السيارة إلى مختبر عم رفائق, وبعد الفحص كتب بالتقرير بأن الدم الموجود على العجلة هو دم ضفدع, وبهذا التقرير ظهرت براءة المتهم.

مدرسة للإناث في المزار

قرر عمر فائق فتح مدرسة للإناث في قرية المزار لإيمانه بأهميّة العلم والتعليم للذكور والإناث على حد سواء حتى يسيروا بالبلد للأفضل والأحسن. ذهب ليستأجر بناءً للمدرسة, ولكن في كل مرة كان يرفض صاحب البناء تأجيره. استغرب وتحرّى عن السبب, فوجد أن مخاتير القرية لا يريدون مدرسة للإناث لأنها برأيهم مفسدة للأخلاق.

ذهب عمر فائق للمحافظ واقترح عليه أن يحبس هذه المخاتير ليوم واحد فقط حتى يستكمل إجراءات فتح المدرسة, فضحك المحافظ وقال له: سأجد الحل المناسب (كان المسؤولون يُقدرونه ويُكنون له كل الاحترام ويعرفون غيرته على الأردن ومحبته لخدمة أهله).

اتفق المحافظ مع رئيس الشرطة على جلب المخاتير وتوقيفهم, ثم اتصل به وقال: المخاتير أصبحوا عندي اعمل ما تراه مناسباً. فسارع عمر فائق إلى إنجاز المهمة, وخلال بضع ساعات أمر بإحضار شاحنة ووضع أثاث المدرسة فيها وعيّن مديرة للمدرسة واتجهوا جميعاً لقرية المزار, فاستأجر البناء المنشود ووضع الأثاث وطلب من الأهالي تسجيل بناتهم في المدرسة والدوام فيها, ثم عاد إلى إربد واتصل بالمحافظ شاكراً وقال: تمت المهمة, أطلق سراح المخاتير.

حجارة البترول في الشلالة

سمع من سكان المدينة عن وجود نوع من الحجارة في منطقة وادي الشلالة تشتعل, وحبّاً بالاستطلاع وشغفاً بالعلم, ذهب للتأكد من الخبر وأحضر بعضاً من هذه الحجارة إلى مختبره ودرس محتوياتها. فوجد أنها تحتوي على مواد قطرانية قابلة للاشتعال (هذا ما يُسمونه الآن: الصخر الزيتي). كتبت الجريدة ما قاله عمر فائق: «في بلادنا مواد خام نستطيع أن نستفيد منها كمصدر للطاقة», (كان يعمل في هذا الوقت معلم طبيعيات سنة 1929).

تم استدعاؤه من قِبل وزير التربية محذراً إيّاه إنّ المندوب السامي البريطاني أبلغهم بوجود أستاذ يتدخل فيما لا يعنيه فعليه أن يلتزم حدوده, فعليك ترك هذه الأمور والانتباه لعملك.

الجهاز اللاسلكي والانجليز!

من خلال إحدى تجاربه, صنع جهازاً يستطيع التقاط المكالمات الهاتفية. انتشر خبر الجهاز في المدينة, فجاء بعض الضباط الإنجليز إلى منزله طالبين منه تسليمهم الجهاز على الفور. فما كان منه إلا أن فكفك الجهاز ووضعه في صندوق وقال: هذا هو الجهاز الذي طلبتموه.