د. فيصل غرايبة

يتناول د.عبد الواحد ذنون طه في كتابه الجديد «مصادر في تاريخ المغرب والأندلس»، مجموعة من الأبحاث التي تلقي الضوء على عدد آخر من المصادر التي تتحدث عن تاريخ الأندلس، ومن هذه الكتب ما هو مباشر، مثل كتاب «ابن الخطيب» الموسوم «أعمال الأعلام في مَن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام» / القسم الثاني الخاص بالأندلس، وكتاب «جمهرة أنساب العرب»، لابن حزم الأندلسي، الذي قدم معينا لا ينضب عن مفاصل أساسية في تاريخ الأندلس، وكتاب «طبقات الأطباء والحكماء» لأبي داوود سليمان بن حسان، المعروف بـ «ابن جلجل»، و»مقدمة» عبد الرحمن بن خلدون لكتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر».

نص ابن خلدون عن فتح الأندلس

يوضح الباحث أن نص ابن خلدون عن فتح الأندلس، وعلى الرغم من سلبياته، لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة الفتح العربي الإسلامي للأندلس. وقد تضمن هذا الكتاب أيضا نظرة مؤلفين آخرين عاصروا ابن خلدون، إلى ما كان يجري أمام أنظارهم، وهؤلاء هم الرحالة الذين عاصروه وجابوا الشمال الإفريقي في طريقهم إلى أداء المناسك المقدسة في مكة المكرمة، أو لأغراض أخرى، ودونوا ملاحظاتهم عن الحضارة العربية الإسلامية في ذلك العصر.

كان ابن خلدون بدوره، أحد عمالقة ذلك العصر، وعلى علاقة حميمة مع هؤلاء. ولاستكمال السياق التاريخي في الحديث عن المصادر ودراستها وتحليلها، كان لا بد من الرجوع إلى بعض الدراسات الحديثة، التي تشكل المصادر الثانوية لهذا التاريخ.

جهود مشرقية في مجال التاريخ الأندلسي

اختار المؤلف جهود بلدين مشرقيين في مجال التاريخ الأندلسي ومصادره، هما العراق والأردن، في محاولة كشف النقاب عن الجهود الجبارة التي بُذلت في هذين البلدين، والمؤلفات التي كُتبت فيهما عن التاريخين المغربي والأندلسي.

أما في الأردن، يقول المؤلف: فعلى الرغم من وجود عدد قليل من المختصين بالتاريخ المغربي والأندلسي، لكن هذا العدد القليل، وعلى رأسه الأستاذ محمد عبده حتاملة، الذي درس هذا التاريخ في إسبانيا، قد قام بعمل جبار في هذا المجال، من خلال بحوثه عن التهجير القسري للمسلمين من الأندلس، وكتبه عن التاريخ العام للوجود العربي الإسلامي في الأندلس، مثل: «آيبيريا قبل مجيء العرب المسلمين»، وموسوعة «الديار الأندلسية»، و»الأندلس: التاريخ والحضارة والمحنة».

نعم، فقد أعطى حتاملة فكرة موسعة عن موقع وحدود وأقسام ومساحة وشكل آيبيريا، ثم أتبع ذلك بشرح وافٍ لمعالم البيئة الطبيعية المتمثلة بالسطح والمناخ، فدرس هضبة ألمزينا الوسطى وسلاسل الجبال الداخلية المحيطة بالهضبة، وسلاسل الجبال الأخرى، والسواحل، ثم تعرض للعناصر المؤثرة في مناخ آيبيريا والأقاليم المناخية والأنهار، بهدف التعرف إلى نشأة المجتمع الإسباني البدائي، ثم المجتمع الكلتي الآيبيري، ثم بحث بشيء من التوسع في أثر الفينيقيين في المجتمع الإسباني، لأن هذا المجتمع لم يتنسم عبير الهواء إلا في العهدين الفينيقي والقرطاجي، ويتضح من هذه الدراسة بما لا يدعو مجالا للشك الأثرُ الديموغرافي للفينيقيين القرطاجيين في آيبيريا، فضلا عن الأثر الحضاري، وهو تأثير وثيق الصلة بالتاريخ العربي وجذوره المشرقية. وقد أولى الباحث عناية فائقة لأثر الرومان والحضارة الرومانية على آيبيريا.

تناول الكتاب أيضا -بالتفصيل- الصراعات المذهبية التي شهدها المجتمع الإسباني في العهد القوطي، ولخّص حتاملة أحوال إسبانيا قبيل الفتح العربي الإسلامي من الناحيتين السياسية والدينية، كما عاد إلى الجذور الأصلية التي أثرت في المجتمع الإسباني، وشكلت الأرضية الجغرافية والتاريخية لشبه الجزيرة الآيبيرية قبيل الفتح العربي الإسلامي، وهذه الخلفية ضرورية جدا لدارس تاريخ الأندلس في العصور الإسلامية.

الموسوعات العلمية

تعد الموسوعات العلمية من أهم المؤلفات التي تخدم القارئ والباحث، لما تتضمنه من معلومات ميسرة عن موضوع معين. ومنها: «معجم البلدان» و»معجم الأدباء» لياقوت الحموي، و»الروض المعطار في خبر الأقطار» للحميري، و»معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري.

وقد أدرك حتاملة خلو المكتبة العربية والإسبانية من موسوعة شاملة ومتكاملة عن المواقع والمدن والمعارك الأندلسية، ولا بد لمثل هذا العمل الجاد من باحث تتوفر فيه صفات العالم المدقق، المطّلع على تاريخ الأندلس وحضارتها؛ فأصدر حتاملة مجلدين كبيرين بلغ عدد صفحاتهما نحو 1336 صفحة من القطع المتوسط باسم «موسوعة الديار الأندلسية»، وهي ثمرة جهد استمر 40 عاما، منذ أن بدأ حتاملة اهتمامه بتاريخ الأندلس، حينما كان طالبا في جامعة «كومبلتنسي» في مدريد، والتي حصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1969.

مجريط الأندلسية المحدثة

تعد مدينة مجريط (مدريد حاليا) من المدن الأندلسية المحدثة التي بناها الأمير الأموي محمد بن عبد الرحمن، لتكون حصنا متقدما، وقاعدة لمدينة وادي الحجارة. ويتألف اسمها من لفظ عربي هو «مجرى»، و»يط» المأخوذ من اللاتينية التي تدل على التكثير والكثرة. كما إن مدينة «المرية» التي بناها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر لدين الله، محدثة أيضاً، واسمها مشتق من «رأى» و»مرأى».

تمضي «موسوعة الديار الأندلسية» في تتبع أخبار المدن مدينة مدينة، وتقص علينا تاريخها، وما مرت به من أحداث وخطوب، منذ إنشائها إلى الوقت الحاضر؛ وتقدم تاريخاً حافلاً للأندلس، يحكي قصة الأرض التي شهدت أعرق حضارة عرفها التاريخ الإنساني.

ولم يكتف الباحث بالمعلومات والبيانات الدقيقة، بل زود مؤلفه بمجموعة كبيرة من الصور التي توضح ملامح الأماكن في الوقت الحاضر؛ فضلا عن فهارس مفصلة للأعلام والأماكن.

العرب في الأندلس بعد سقوط غرناطة

وضع حتاملة دراسة أخرى لا تقل أهمية بعنوان: «الأندلس.. التاريخ والحضارة والمحنة» (دراسة شاملة)، وهي تتناول تجربة المؤلف وخبرته في تاريخ الأندلس. وميزة هذا الكتاب أن مؤلفه عمل جاهدا لتوظيف دراسته في إسبانيا ومعرفته الممتازة باللغة الإسبانية، للتركيز على المراحل التي مرت بها محنة العرب في الأندلس بعد سقوط غرناطة، ابتداء من عهد الملكين الكاثوليكيين.

وتضمنت الفصول الستة الأولى من الكتاب دراسة عن الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، منذ الفتح في العقد الأخير من القرن الأول الهجري/ أوائل القرن الثامن الميلادي، حتى سقوط غرناطة في نهاية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. فخلال ما يقرب من ثمانية قرون، كانت الأندلس مشعلا من مشاعل الحضارة الإسلامية، التي قدمت للحضارة الإنسانية نتاج جهود أجيال من العلماء والأدباء العرب.

وقد بين حتاملة المراحل التي مرت بها محنة العرب في الأندلس بعد سقوط غرناطة. وتناولت الدراسة الثورات والانتفاضات التي قام بها الموريسكيون للمحافظة على وجودهم وعقيدتهم ولغتهم، والتضحيات التي بذلوها تشبثا بالأرض والعقيدة والثقافة، وتمسكا بالهوية العربية الإسلامية، مع استمرار الأندلسيين في الجهاد في مواقعهم التي هاجروا إليها في المغرب ضد الإسبان والبرتغاليين، مع الإشارة إلى أسباب نشاة مدينة الرباط في المغرب، ودورها هي وجارتها «سلا» في الكفاح البحري. ومن خلال ذلك تم شرح الغزو البرتغالي والإسباني لسواحل المغرب العربي، كاستمرار لمحاربة الوجود العربي الإسلامي.

وأخيراً، يؤكد د.عبد الواحد ذنون إن بحث «الأندلس.. التاريخ والحضارة والمحنة»، يدلل على دقة وأمانة وموضوعية وأصالة في المنهج التاريخي، وهو يعدّ جهدا متميزا لا يمكن الاستغناء عنه في مجال دراسات المغرب والأندلس.