ربيع محمود ربيع

المتابع لكتابات د.عبدالرزّاق بني هاني على تنوعها -فمنها السياسي والاقتصادي والأدبي- يجد فرقا واضحا بينها، والفرق هنا لا يكمن في اختلاف التوجه القائم على خيار المواجهة، بل في أسلوب المواجهة؛ فهو يعتمد في آرائه السياسية على قول رأيه بشكل جريء وسريع لا يحتمل التأجيل. تظهر هذه الجرأة أيضا في روايته «غاردينا» التي تقوم على رؤيا سياسية رمزية متحررة من أي غموض يؤدي إلى طمس الرؤية. أمّا كتاباته الاقتصادية فإنّ الرفض يتجلّى فيها بصورة مختلفة؛ فهو رفض هادئ يسعى إلى تقديم رؤية فكرية واعية بواقع الحال وفي الوقت نفسه ساعية إلى تغيير هذا الواقع من خلال عرض المشكلات وتحليلها، واستعراض المشاريع المنجزة وبيان أسباب فشلها، ومن ثم طرح البدائل أمام القارئ العربي/ المسلم ليشكل منها هويته الاقتصادية التي تشكل بدورها الأرض الصلبة للمشروعين الاجتماعي والسياسي.

وإن كان كاتب المقال لا يدّعي الإحاطة الكاملة بكتابات بني هاني الاقتصاديةـ إلا أنّ هذه الرؤية -على الأقل- هي المحرّك الأساسي في كتابه «اقتصاديات الإيمان» الصادر عن دار وائل في عمّان (2018). وإن كنّا اعتدنا على اللغة الجافة للاقتصاد فإن اللغة وطريقة طرح الأفكار في الكتاب متنوعة تختلف من فصل إلى آخر بحسبِ الفكرة التي تتناولها؛ فيبدأ الكاتب بأسلوب سردي قصصي ممتع عن خروج آدم وزوجته من الجنة، ثم ينتقل إلى أسلوب التحليل الفكري لأسباب عدم صلاحية المشروعين الاقتصاديين (الشيوعي والرأسمالي)، بعد ذلك يقدم لنا تحليلا اقتصاديا دقيقا ومدعوما بالأرقام والإحصائيات والجداول البيانية. ومن ثم يبدأ بالعودة التدريجية إلى استخدام التحليل الفكري الحجاجي إلى أن يعود بنا إلى الأسلوب السردي الماتع الذي يمزج لغة القص بلغة أدب الرحلات؛ الأمر الذي يؤثّر سيكولوجيا على القارئ بشكل يجعله مشدودا لمتابعة الفكرة وتطوراتها وملاحقتها إلى آخر كلمة في الكتاب.

هذا على صعيد الأسلوب واللّغة، أمّا على صعيد الخطاب فإن كتاب «اقتصاديات الإيمان» يرتكز -كما يستنتج القارئ- على خمس مقولات رئيسية تشكّل الرؤية الكلية للكاتب وخلاصة خبرته الاقتصادية سواء على المستوى الأكاديمي أستاذا جامعيا أو على مستوى التجربة خبيرا اقتصاديا وأمينا عاما لوزارة التخطيط ومفوّضا في هيئة مكافحة الفساد ورئيسا لجامعة. وقبل التعرّض لهذه المقولات تنبغي الإشارة إلى أنّ كل مقولة تحمل رؤية جزئية مستقلة تنتظم مع المقولات الأخرى في سبيل إضاءة الرؤية الكلية أمام عيني القارئ.

آدم مطروداً من الجنّة

إن مخالفة آدم للتحذير/ القيد بالاقتراب من الشجرة، وهبوطه إلى الأرض، أدت إلى تغيّر كبير في طبيعة حياته وحياة أحفاده من بعده إلى يومنا هذا؛ فقد انتقل من حالة النعيم والغنى المطلق والرفاه حيث لا يوجد حساب ولا كلفة ولا عمل ولا معاناة، إلى حالة شقاء وفقر نسبي وأسعار وتكاليف وعمل وإنتاج. وفي حين كان لا يقيّد الإنسان إلا قيد واحد (الشجرة)، فقد أصبح يرزح تحت وطأة قيود كثيرة لا متناهية، فحلّت بذلك المنافسة (احتراب/ قتل/ صراع) بين أبناء آدم. كما إنّ الشجرة هي رمز للشرور التي تجسّدت في الإنسان كمتلازمات نفسية وأصبحت خصالاً ملاصقة له. وفي ظل هذه التغيّرات صار الإنسان يتلمّس طريقه ويحاول تدبر معاشه، الأمر الذي تطوّر -بمرور الزمن- نتيجة حاجة البشر إلى نظام كبير يتضمن ثلاثة مشاريع هي: المشروع الاقتصادي (تدبّر المعاش)، المشروع الاجتماعي (تدبّر التآلف)، المشروع السياسي (تدبّر حكم أنفسهم).

مطرقة الشيوعية وسندان الرأسمالية

إن انتصار الرأسمالية على المعسكر الشيوعي لا يعني صلاحيتها كمشروع اقتصادي يحقق السعادة للبشر؛ فقد فشلت في بناء الإنسان في ظل آلة إنتاج لا تنظر إلى ماهية السلعة التي تنتجها وتوفرها، بل إلى ما تحققه من ربح، فالكفاءة الفنية هنا تعني أعظم كمية بأقل سعر. كما إنّ النظام الإنتاجي –وكذلك الاستهلاكي- في الرأسمالية نظام أعمى يوفّر أي سلعة يطلبها المشترون بصرف النظر عن الأضرار الناجمة عنها (أنانية مفرطة). فعلى سبيل المثال: بلغت الأموال المتولّدة من صناعة المقامرة والمراهنة على المستوى العالمي (375) مليار دولار أميركي للعام 2015. وقد وصلت الرأسمالية إلى طريق مسدود، ويتم التغطية على ذلك بوساطة الترويج لمصطلح «التنمية المستدامة» التي هي ليست أكثر من كذبة لإبقاء الحال على ما هو عليه ولاختلاق المزيد من الحروب والشرور. أما فيما يخص الشيوعية فقد عاندت الطبيعة البشرية فأسقطت الحافز -أساس التقدم والتطوّر والرقي- من حساباتها، كما أدت تطبيقاتها الاستبدادية والدكتاتورية إلى تجريد الإنسان من كرامته؛ ففي الصين تم إفناء أكثر من ثلاثين مليون إنسان خلال فترة ما سمي «الثورة الثقافية». لذلك كان يستحيل عليها أن تستمر.

التعليم مُدخلاً أساسياً

وفي هذه المقولة يطرح بني هاني رؤيته حول ضرورة إصلاح التعليم، فالتعليم الناجح يؤدي إلى الإصلاح الشامل؛ فهو يعمل على صناعة الإنسان القادر المسؤول أمام المجتمع والقادر على حمل أعباء إدارة الآلة الاقتصادية والذي يملك الحد المعقول من الأخلاق. ويدعو بني هاني إلى تطبيق نموذج «روبرت سولو» الاقتصادي الذي يقوم على الادّخار في مواجهة الاهتلاك في سبيل إدامة رأس المال. بيد أن «سولو» أغفل رأس المال البشري من حساباته، وهو الأمر الذي أولاه بني هاني اهتماما كبيرا؛ لأنّ رأس المال البشري يتعرّض للاهتلاك الدائم خاصةً في الدول النامية حيث تتوفر نوعية تعليم رديئة بسبب الكثير من المشكلات من مثل: عدم توفر بنية تحتية جيدة، وكثرة الطلبة، والاكتظاظات الصفيّة، وتدني المحفزات المعنوية والمادية للأساتذة، الأمر الذي يترتب عليه هبوط حاد في رأس المال البشري الذي تنتجه مؤسسات التعليم مما يشكل خطرا على مستقبل الدولة، وسينقسم هذا الرأسمال إلى أغلبية رديئة وأقلية جيدة. ويكمن الحل -كما يقدمه الكتاب- في تطبيق الادخار على رأس المال البشري الجيد حتى يتسنى تحسينه وتطويره مما ينعكس إيجابا على الاقتصاد.

الديمقراطيات الزائفة

يرى المؤلّف أن الديمقراطية الحديثة –الأميركية أنموذجا- تعني تزوير إرادة الجماهير، وهي قائمة في جوهرها على حقن عقول الناس بالخداع والكذب من خلال الإنفاق الهائل على الدعاية والإعلان وغسل الأفكار. لذلك فالحرية الناتجة عن هذه الديمقراطية هي حرية زائفة، بل هي شكل من أشكال استباحة الحياة وكرامة الإنسان بحيث أصبحت حياته قابلةً الخضوعَ للاختبار والامتهان والكشف والبيع والشراء حتى وصل الأمر بالسماح له بالبهائمية؛ فالأرباح العالمية من تجارة الجنس تعادل الناتج المحلي لدولة فقيرة في العالم الثالث. في مقابل ذلك يدعو المؤلف إلى الحرية الحقيقية التي تحفظ كرامة الإنسان.

الحكمة الصينية والتسامح الكندي

المعضلة الأساسية لأيّ محاولة عربية للنهضة، أنها تضع نصب عينيها المشروعين الهرمين (الأميركي والروسي)، وتتجاهل المشاريع التي حققت نجاحا باهرا على مستوى التطوّر الاقتصادي الذي ينتج عنه حضور سياسي على الساحة الدولية. ويضرب لنا المؤلف مثالين على هذه المشاريع، عاينهما في رحلاته وسفرياته إلى تلك البلاد: الأول هو المثال الصيني، إذ يوضح لنا الفارق بين الصين السابقة والحالية من خلال صديقه «جي زي تونغ» الذي تعرّف عليه في أميركا أثناء دراستهما معا عام 1974؛ حيث كان «جي» فقيرا معدما يعمل بأجر مقداره دولار واحد في الساعة، فقير يتحدث عن مدينته الفقيرة التي جاء منها وهي تقع في مقاطعة نيغيشيا الصحراوية القاحلة. أما في عام 2016 فقد بدت هذه المدينة للمؤلف مدينةً مترامية الأطراف مترفة ومتقدمة تشير إلى النقلة النوعية التي وصلت إليها الصين على الرغم من أنها تضم 56 قومية. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أهمية فتح باب العلاقات مع الصين التي احتفظت بعلاقات جيدة مع العرب عبر التاريخ وإلى أهمية الإفادة من تجربة هذا النموذج.

ويمثل النموذج الكندي المثالَ الثاني الذي اطّلع عليه المؤلف جيدا في زيارته الثانية إلى كندا، بعد مضي ستة عشر عاما على زيارته الأولى. ليجد أن كندا اليوم مختلفة ومتطورة وأصبحت تشكل حاضنة للمبدعين في العالم؛ وذلك من خلال سياستها القائمة على الاستيعاب العالمي والتعددية والتسامح وتوزيع الفرص.

الرؤية/ الرسالة

كيف يمكن لنا أن نفهم هذا الكتاب في ظل العنوان «اقتصاديات الإيمان»؟

يمكن لنا أن نعيد إنتاج الفكرة التي يقوم عليها الكتابُ على هذا النحو:

لقد خرج آدم وزوجته من الجنة التي كانت توفّر لهما كل شيء، وأصبح مطلوبا منهما -ومن أحفادهما من بعدهما- تأمين الاحتياجات اللازمة؛ أي أصبح الإنسان بحاجة إلى نظام اقتصادي. وبما أن حياة الإنسان مؤقتة تنتهي بالموت فإنه بحاجة إلى ربط الاقتصاد بما هو بعده، علما أن معايير الربح في الآخرة تختلف عنها في الدنيا؛ فهي تعتمد –في الآخرة- على الإيمان والعمل الصالح، لذلك نحتاج للدمج بين ما هو مادي (الاقتصاد) وما هو روحي (الإيمان)، إلى نظرية دينية قائمة على الاكتمال (اليوم أكملتُ لكم دينكم...../سورة البقرة). وقد عرض المؤلف لفشل أضخم مشروعين اقتصاديين (الشيوعي والرأسمالي) عرفتهما البشرية في القرن العشرين، ثم قدم حلولاً لمعالجة مشكلة التعليم في بلادنا التي تشكّل فاتحةَ أيِّ نهضة اقتصادية، وبعدها انتقل إلى إثبات زيف الديمقراطية الأميركية، ومن ثم عرض لنموذجين ناجحين (الصيني والكندي) يمكن الإفادة منهما. غير أننا في الإفادة هنا يجب ألّا نكرر الأخطاء السابقة التي تمثلت بالتبني الحرفي للنموذج جملةً وتفصيلاً، بشكل يسلخنا عن ثقافتنا وهويتنا العربية الإسلامية؛ إذ يتوجب علينا أخذ أساليب العلاج ومواجهة المشاكل بعيدا عن استعارة البنى الثقافية لتلك المجتمعات.

هذا الكتاب يمثل دعوة إلى بناء نموذج اقتصادي عربي منفتح على الآخر وقائم على التعددية والتسامح، في الوقت الذي لا يتخلى فيه عن هُويته الإسلامية. وهذا النموذج لا يتحقق بسهولة، بل هو بحاجة إلى عمل جاد ودؤوب يقوم على تغليب رأي المصلحين على القوة التفاوضيّة وحلفائهم من الراكبين بالمجّان ودون خوف من ردة فعل النحل العامل (العامة)، وأيضا يقوم على الاستراتيجية ذات الأصابع الخمس (الجسد)/ الصلوات الخمس (الروح): (الصدق، العلم والمعرفة، الإرادة، الفعل، الصبر).