د.عزمي الصالحي

تقوم هذه التجربة الفذة العميقة المجسدة في قصيدة «الحد اللا معقول»، في بنائها الخارجي، على عمودين يتضافران لعرض مفاصلها.

ينهض العمود الأول من البناء بمهمة السؤال، وعلى لسان معجبة أخذتها أحاديث الشاعر الوسيم وتعليقاته حول السياسة والحرب والثورة، بل سحرتها حتى تجسدت أحاديثه في مشاهد مغرية كمشاهد عرض الأزياء، بل أغوتها، بل أغواها فوقعت في شرك سحر الإعجاب وشباكه، ولم تجد المعجبة الولهة بداً من التصريح فأخذت تتساءل بانبهار بلغ حد البوح غير المعهود في الخطاب الغزلي النسوي، إلا لدى الشواعر الأندلسيات، عن سر طغيان وسامة الشاعر وتجاوزها حد المعقول.

وإذا كان البناء الخارجي لهذه التجربة قائماً على عمودين، فإن عرض تفاصيلها قائم هو الآخر على تقانتين من السرد الشعري: سؤال وجواب. اختصت الأولى بالسؤال أولا، وهذا أمر طبيعي، واتكأت الثانية على الأولى، بناء ومنطقاً، فتولّت الإجابة عن سؤال المعجبة الولهة.

كان العمود الأول خطابا غزليا أنثويا، قوامه لغة المرأة الغَزلة المتحرشة التي أرادت أن تستدرج الرجل الوسيم، فطفقت تكشف عن مشاعرها، وتصرّح بما في دواخلها.

وقد تولى الشاعر نفسه مهمة البوح على لسانها، والوشاية بما تعاني والإيماء إلى المشاعر المكبوتة، فهو الوحيد المهيأ لاستقبال رسائلها وتعليقاتها، فضلاً عن كونه المسؤول عن سر ما تعاني.

وفي هذا النص فرادة تأتيه من قِبل استحضاره بلغة أنثى يستخدمها رجل نيابةً عنها، يحكي بها مشاعرها إزاءه، ولا يمكنه الإيفاء بهذه المهمة المعقّدة، دون أن يستبطن مشاعرها ويسبر دواخلها أو يستعين بخيال محلّق.

ومن ثم وجد المتلقي نفسه قبالة عمر بن أبي ربيعة جديدٍ في لغته وأسلوبه وتجاربه، وقد كان نجاح تجربة الشاعر محمد نصيّف رهناً بحضور الجديد.

وقد كان حاضرا في عرض مشاهد الإغواء التي أرادت المعجبة الولهة أن تكشفها وأفانين الاستدراج التي مارستها.

ويتجلى جديد الشاعر في افتنانه في التقاط ما يرمي إليه سؤال المعجبة، واستثماره في ابتداع البنية التي تكفل الإجابة عن فحوى السؤال، وإفراغ شحنة الغزل وبناء القصيدة القادرة على التعبير عن التجربة الشعورية التي قدحت في ذهنه وهزّت وجدانه فكان هذا العمل الفني الفريد.

ولئن كان ابن أبي ربيعة ينقل إعجاب صويحباتهِ به، ونعتهن إياه بما يهوى وبما يتباهى به، ثم يُعقِّب على ذلك بإظهار الفرح والقبول، زهواً وعُجباً، فحسب، فإن صنيعه هذا غير كافٍ لتشكيل بنيةٍ فنيةٍ تعبّر عن تجربة، وهنا تظهر البراعة والجدة، عند مقارنة عمل محمد نصيّف بعمل ابن أبي ربيعة، مع ملاحظة اختلاف مقومات الإبداع الفني بين عصريهما. وعلى الرغم من كشف براعة نص محمد نصيّف، تظل ريادةُ عمر ماثلة وسبْقُه في الغزل لنفسه حاضرا، وإن لم يثمر غزله بنفسه ونقله حلو الأحاديث التي تصنعها المعجبات تجربةً تلد قصيدة، على وفق الرؤى النقدية الحديثة.

لقد كان لطبيعة السؤال ومكانه في سياق الإغواء، وللجرأة التي تم فيها، أثر في تشكّل هذا العمل الفني، إذ شكّل تمهيداً لإكمال بنية القصيدة، وسبباً سائغاً لشروع الشاعر بالتعبير عما جرى، من خلال الإجابة وفي الجواب إبداع وطرافة لا يخفيان، يأتيانه من قِبل تشكيله رداً مقبولا ً هادئا ، تسلل من خلاله غزل عنيف جارف (فهي حاضرة حين يخاطب جمهوره، تختصر ملايين الجمهور، ليحس بعينيها الساحرتين)، فهي المخاطبة وإليها وحدها يساق الحديث، ما دامت تختصر الملايين من الجمهور.

هذا غزل من نوع فريد. وفي هذا الغزل الفريد اختراق للحجب الطبيعية غير معقول، فهو يحسُّ بسحر عينيها رغم المسافات. أهو نوع من التخاطر أم الرؤية عن بعد؟

ولقد جاء هذا الغزل بلغة ٍ غير مألوفة.. لغةٍ مزيجٍ من خطابات، أولها خطاب إعلامي طُوِّع ليكون غزلاً، فعينا الحبيبة تبثان إشاراتٍ عبر الأقمار، وهو يستحضرها كما يستحضر ضيوف برنامجه. وإشارات عينيها كهرو-روحية تجيء عبر الأقمار أيضا.

أما تسويغ وسامته الخارقة فيكمن في جمهوره الخارق غير المعقول المختزل بالحبيبة المعجبة. فاللغةُ لغةُ تقانة إعلامية جاءت لتعادل الخطاب الغزلي النسوي، المُغرِق في أنوثته، وإلا فكيف تفسر تحوّل أحاديث الحرب والثورة والسياسة وعروضها إلى مشاهد مغرية من عروض الأزياء، فهذا المعنى بهذا التعبير حكيُ امرأة بامتياز، ولو كان لرجل لوجد بديلا عن هذه اللوحة في مشهد عراك أو مشهد سباق خيل أو ما يألف الرجال، ومثله ذلك التحليق في دنيا الأضواء، فهذا قصارى ما تحلم به الفتيات.

لا بد من ملاحظة؛ إنّ من النادر أن تختلط لغة الغزل بالخطاب الإعلامي هذا الاختلاطَ العذب المدهش. ومن ثم فنحن بإزاء نصِّ شعري نادر.