يحيى القيسي

حينما التقى جدَّه من جديد، عرف أنّه سيذهب برفقته في مغامرة عجيبة. اشترط عليه مرشده أوّلاً أن لا يتحدث إلى أحد من سكان تلك المناطق التي سيزورها، ولا يسألهم عن شي، وأن يظل الحوار محصوراً بينهما فقط، كما أخذ عليه العهد أن لا يذكر أسماء مَن سيراهم هناك لأحد مهما حدث، لأنّ هذه الأمور من الأسرار العظيمة، وقد تتسبّب بصدمات لبعض أهلهم وأتباعهم إن وصلت إلى الأرض.

قال له إنّ الزيارة إلى أرض «الحضيض» ستكون قصيرة، لأنّه لن يتحمل تلك الأجواء القاتمة، بعد أن عاش في أرض «المستقر» الراقية، وتعشّق الأنوار النقيّة!

قاده جدّه إلى مركبة مخصّصة لنقلهم، والتي سرعان ما دخلت نفقاً طويلاً، كأنّهم يهبطون إلى طبقة سفلى تقع تحت أرضهم نفسها.

شاهد بوابات للعبور عليها حراسات مشدّدة، لا تسمح لأحد بالمغادرة أو الدخول إلا بإذن. أدرك أنّ وجود مرشده معه مسألة عظيمة بالنسبة للحراس الذين كانوا على هذه البوابات، فمن النادر أن يمرّ عليهم مَن هو في مقامه العالي. أحسّ أنّ مهمّة جدّه كبيرة، وأنّ جدّه أكرمه بالموافقة على مرافقته، وتلبية فضوله المزعج، أو ربما تمّ ذلك لترتيبات أخرى لا يعلمها الآن، فكلّ شيء مرتّب بتخطيط محكم دون عشوائية، ولا يخضع للعواطف!

وصلا أرضاً تبدو مِلحيّة جرداء وصلدة، تشبه أرض البراكين المحروقة، لا أثر للمزروعات فيها ما عدا بعض النباتات الشوكية هنا وهناك. بينما تتناثر الصخور السوداء بقطع مختلفة الأحجام مما يجعل المسير عليها أمراً مزعجاً. ظهرت له الأجواء مكفهرة، تهيمن عليها الكآبة، إضافة إلى انتشار روائح كبريتية عطنة تعافها النفس. غير بعيد عنهما بانَ تجمُّعٌ كبير من الأكواخ المتداعية، وشاهد لأول مرة بشرياً منحنيَ الظهر وقميءَ المظهر يكاد يزحف. حين دقّق أكثر واقترب رأى آخرين من الرجال والنساء يعيشون في هذه الأرض الكالحة بشعور شعثاء، وأسمال مهترئة، وحركات ثقيلة، يتبادلون مع بعضهم بعضاً الكلام الذي يشبه الصراخ المخلوط باللعنات والشتائم!

لم يؤثر ظهورهما كثيراً على أهل هذه الأرض، إذ لم ينتبهوا لوصولهما، فقد كانت العربة بعيدة عن أنظارهم، ولبس جدّه خرقةً تُشبه البُرنس المرقّع لكي يناسب هذه الأجواء، متخذاً صورة غير نافرة عنهم، كما قام كذلك بوضع برنس آخر على حفيده الزائر ليبدو في هيئة لا تلفت الأنظار!

بدت الحياة هنا جحيمية بامتياز، حيث طاقات الساكنين في أسفل سافلين، أحضروها معهم من حياتهم السابقة على الأرض، وراحت تكبّلهم مثل سلاسل فولاذية ثقيلة لا فكاك منها.

كان لوم بعضهم بعضاً، والندم المتواصل، هو العقاب الأبرز لهم، فيما ساهمت طبيعة الحياة القاسية فوق هذه الأرض البلقع، وسط كلّ هذا الخراب ذي الحرارة العالية، ورائحة الكبريت والقطران، في أن تشكّل منهم قوماً أشبه ما يكونون بوحوش آدمية. فوق جنبات هذه الصخور المتوحشة، والوهاد المعزولة، قد أدمنوا العيش منذ قرون بعيدة داخل أجواء تُشبه ما يجري في مناجم الفحم السحيقة!

لم يرَ نيراناً تشتعل بهم، ولا خوازيق مدقوقة في مؤخراتهم، ولا قيحاً يشربونه، ولا أفاعيَ تتفنّن في لدغهم، أو عقارب منشغلة بلسعهم، بل حياة دونية بالغة القتامة تعافها الحيوانات. لم يكونوا جهلة بل جاؤوا بمعارفهم الأرضية، لكن بأرواح تائهة. بدوا مثل قافلة من الدواب العطشى كانت تحمل الماء على ظهورها طيلة حياتها السابقة دون أن تستطيع الشرب منه، حتى إذا وصلوا هنا أخيراً، ظلّ الجدل بينهم لا ينتهي، وأصبح السخط زادهم اليومي!

الاقتراب من أيّ واحد منهم، وسماع ذلك الحوار المشحون بالشتائم بينهم، يجعل المرء يتفطن إلى تلك الحياة السابقة التي عاشها هؤلاء. بعضهم كان حاكماً ظالماً وقاتلاً، وها هو من جديد مع بقية أفراد عصابته، أو حاشية السوء التي زيّنت له جرائمه، غير أنّ الوضع هنا عكسي، إذ لا قيمة لسلطانه، ولا يخضع أحدٌ لأمره، بل ينظرون إليه بازدراء على أنّه هو الذي قادهم إلى هذا الدرك. بالتالي يستمرون في لعنه، ولومه، وتوجيه أقذع الشتائم إليه في كلّ حين. هذا هو عذابه اليومي، فيما هو نفسه أيضاً يلومهم لأنّهم تبعوا خطواته ولم ينصحوه،.

رأى هناك كذَبة وقتَلة ومتكبرين وجشعين وحاقدين وأنانيين وحاسدين، حيث كلّ واحد منهم يُعرَف من طبيعة حياته هنا، فالجشِع الذي بدّد حياته منشغلاً بجمع الأموال على حساب الآخرين وخزنها، ومنعها عن إخوته من البشر يبدو حارساً عليها إلى اليوم. لاحظَ أنّ الأعمال السابقة تتمثل هنا أثقالاً تعذّب صاحبها، إذ يتوهم الجشِع رؤيةَ الخزنة نفسها ماثلة أمامه، ويظلّ حارساً عليها من اقتراب الآخرين، يقتله القلق ويعذّبه الخوف من فقدانها. أما القاتل فيرى مَن قتله في صورة تتمثل له كلّ حين، فلا يستطيع النوم ولا تسكن نفسه. والمتكبّر المليء بذاته، الذي لم يسمح لأيّ طاقة نور أن تتسرب إلى أعماقه، يعيش ذليلاً، حتى إن بعضهم ما يزال غير مقتنع بوجود النور نفسه، بعد أن أدمن العتمة وحياة الهوان!

بدا جليّاً أنّ العذاب الجسديّ هنا يهون أمام العذاب النفسي، لكن منهم مَن يعيش في حالة من الجنون والصراخ، إذ يتخيل النيران تلتهم جلده والحيوانات المفترسة تُقطّع أعضاءه، ولا تنفع معه نصيحة ليتوقف عن ذلك الخيال الذي تجسّد له.

لقد ظلّ طيلة حياته ينتظر هذه اللحظة التي تصطك فيها الأسنان، وترتجف الأرجل، ويشتعل المرجل الناري بالأجساد، لهذا سوف يجد صورةَ ما تَخيَّله وانتظره أمامه لا فكاك منها.

الكثير من البشر، كما أعلمه جدّه، هم أسرى للصورة التي كانوا ينتظرونها من التعذيب، أو التي لقّنها لهم القيّمون على دور العبادة، حتى ينشروا في أعماقهم الخوف، وتسهل السيطرة عليهم!

- ولكن هل ثمّة مجال لبعض هؤلاء أن ينتقل إلى حال أرقى قليلاً في ما بعد أو يدخل أرض «المستقر»؟

قال له جدّه إنّ ذلك ممكن، إذا اجتهد الشخص في تغيير بوصلة طاقته السلبية في أعماقه أولاً نحو النور ولو قليلاً، فالتغيير لا يتم فرضه من الأعلى، بل يجب أن يكون نابعاً من داخل الفرد نفسه دون أيّ إجبار. التغيير يبدأ هنا في هذا الدرك بأن يحاول الشخص مساعدة الآخرين من حوله، وبثّ الأمل في نفوسهم أنّ هناك حياة أجمل عليهم السعي للوصول إليها. أمّا الانتقال فيكون في تغيير وضع هذا الشخص على أرض «الحضيض» نفسها أولاً نحو مكان أفضل قليلاً، فهي على طبقات، ثم لاحقاً يأتي القرار من «الوكيل» القيّم على هذه الأرض لنقله منها نهائياً.

- ثّمة نفحات تأتي دائماً من «الحبيب». مَن يقنط ويركن إلى هذه الحياة الشبحية القاسية يظلّ هنا إلى الأبد، ومن يأمل ويعمل على التغيير تكن له فرصة بعد أن يقضي وقتاً مناسباً لطبيعة ما ارتكب من خطايا في حقّ نفسه أو غيره. قد يأخذ هذا زمناً طويلاً يبدو لبعضهم لا ينتهي.. مع ذلك هناك ضوء في نهاية النفق لمن يستطيع أن يراه، أو يؤمن بوجوده!

أعلمه جدّه أيضاً أنّ حقوق الآخرين هي العائق غالباً، فـ «الحبيب» يسامح عادة فيما تمّ ارتكابه بحقّه لأنّه مطْلق المحبة، ويمكن أن يسامح البشريَّ على ضعفه وشهواته وما ارتكبه في حقّ نفسه، لكن البشر أنفسهم يرفضون التسامح مع الآخرين الذين ارتكبوا جرائم بحقّ بعضهم بعضاً مثل السرقات المالية، والاغتصاب للحقوق، والتعذيب، والقتل، والتسبب بالأذى لهم.

عادةً ما تجري مفاوضات مضْنية مع المجني عليه، كي يسامح المغتصِب بحضور مرشد كلّ منهما، وغالباً ما يرفض المجني عليه ذلك، ويحمّل الجاني شيئاً من أوزاره عقاباً له!

بدأ يحسّ بالانقباض من وجوده في هذه الأجواء السوداوية، لاسيّما مع تعرّفه على بعض الموجودين فيها. عجبَ أنّ من بينهم مَن كان يحسبه من الصادقين الناجين، لكن يبدو أنّه غُيّب عن معرفة دواخلهم المليئة بالحقد والتكبر والبخل والنفاق وجرائمهم المستورة، فقد كانوا يُظهرون شيئاً على خلاف ما يبطنون، ويقولون ما لا يفعلون، ولولا أنّ جدّه أخذ العهد عليه أن لا يفشي الأسماء لأخبر ببعض من رآهم هناك.

رأى من بينهم رجلاً يظنّه أتباعه من كبار المُصلحين، لكنّه ساهم في كتبه بنشر ثقافة القتل للناس الأبرياء عند كلّ شبهة، وأجّج الصراعات بين العابدين من مختلف المذاهب.

رآه بحالة مزرية، وقد أحاط به بعض أتباعه الذين يتفننون في لعنه صباح مساء، ولومه على تضليله لهم! وإزاء ما أصابه من الغثيان، تمنّى على جدّه أن تنتهي الزيارة سريعاً ويعودا.

التقط إشارته، وقال له:

- بعضهم يا بنيّ ما يزال على علّاته يحسب أنّه أحسن صنعاً وهو من المضلّلين، وبعضهم ما تزال الشهوات الأرضية تأكل أعماقه ولا يريد أن يغادر هذا المكان، لأنّه ألف هذه الدونية. للأسف بعض من يعتاد الظلام لا يستطيع تحمّل النور!

حين وصلا بوابة المغادرة، ودخلا في المركبة، شاهد مئات الداخلين إلى هذه الأرض، قال له جدّه إنّ كثيراً منهم قُتلوا في مواجهات عسكرية في مناطق مختلفة من العالم للتوّ. رأى بينهم القاتل والمقتول معاً، ما يزالون قابضين على أسلحتهم أو خناجرهم، إذ وجدوا أنفسهم فجأة في هذا المكان بعد أن تعرضوا إلى قصف بالطائرات، أو حصدهم رصاص الرشاشات، أو شظايا القنابل!

كانوا من مختلف الأعراق والديانات. يبدو أنّ كلّاً منهم توقّع أن يتم استقباله بطريقة مغايرة والترحيب به كقديس في حال موته، لكن سرعان ما تبتلعهم هذه الصحراء المقفرة في جوفها لكي يخلدوا إلى الحياة الجحيمية فيها أحقاباً طويلة.

كثير منهم لا يعرف أنه مات أصلاً، بل يظل قابضاً على بندقيته الوهمية، أو خنجره ليحارب الهواء، وهؤلاء يُقادون إلى مراكز تأهيلية في مناطق خاصة بأرض «الممر» لإفهامهم بأنّهم ماتوا وشبعوا موتاً، وأنّهم الآن في عالم آخر انتهت فيه الصراعات والحروب، ثم يتم نقلهم مجدداً إلى أرض «الحضيض»!

تابع جدّه بالقول:

- مَن كان على أرضكم جاهلاً وأعمى عن الحقيقة وغليظ الطباع سيكون كذلك هنا. لهذا فإنّ المرحلة الحقيقة التي تحسم مستقبل المرء هي حياته هناك على الأرض ودوره فيها، كما تزرع تحصد، والخطايا تحيط بأصحابها، وتوردهم المهالك..!

رأى جمعاً يتجه إلى ما يشبه الساحة الواسعة وسط هذه الأكواخ الكئيبة، كأنهم على وشك الاجتماع. ظهروا بأسمال باليةٍ وروائح عطنة كعادتهم هنا، عرف من بينهم قادة عسكريين كانوا يحكمون شعوبهم بالحديد والنار، ويمشون على الأرض كأنّهم مخلَّدون، لا غالب لهم!

رأى رؤساء قد هلك سلطانهم، وتكسّرت تيجانهم، لا أحد يأبه لهم، حتى أهلهم تخلّوا عنهم!

رأى تجّاراً كانوا يغشّون ويسرقون، ورجالاً من أكابر الرجال المضلِّلين لأقوامهم بالأفكار التي ساهمت في إثارة النعرات، وقتل الآخرين المختلفين معهم. بعضهم كان يبدو لقومه حاملَ مفاتيح الحياة الأبدية الهانئة، أو يملك بوابة هذه الأرض السفلية الكئيبة، ويستطيع أن يزجّ فيها من يشاء!

كان جميعهم يمورون بعضهم في بعض ويتعاركون. وبينهم كثيرٌ من الخلق لا يُعدّون ولا يحصون قد حصدت أجسادهم الحروب، بعد أن خربوا الديار، واغتصبوا، وسَبَوا، وحرقوا، وذبحوا، آملين بذلك رضى من يقودهم من المجرمين!

رأى أباطرة وسلاطين سادت دولهم ثم بادت، وخلعاء قد أسرفوا في التهتك، ومحاربين غلاظ القلوب ولغوا في دم الأبرياء وأهلكوا الحرث والنسل. وهم اليوم في مكان يليق بنفوسهم المجرمة. عجبَ لأنّ من بينهم مَن كان يحسبهم الناسُ في خدمة شعوبهم من الحكام، غير أنه ظهر له أنّ حُبّ الرياسة أعماهم، فهتكوا الأعراض في السرّ، وقتلوا من يخالفهم الأمر، وتجبّروا!

استغرب ما قاله له جدّه إنّ بعض سكان هذه الأمكنة القميئة لم يرتكب جريمة في نظر القوانين الدنيوية أو العقائد الدينية، لكنّه لم يأتِ بعمل طيب واحد لإخوته من بني البشر، ولا ساهم في شيء مفيد لمجتمعه، أو حتى للحيوانات والحجر والشجر.

الأنانية والكسل والحيادية الساكنة لن تساهم أبداً في ترقّي الإنسان، حتى إن بعض المعتكفين في الجبال من الرهبان والعبّاد قد يسقطون في براثن هذه الأرض السفلى، إن لم يقصدوا في عزلتهم خيراً لأنفسهم أو فائدة لغيرهم، فــ «الحبيب» يعرف الخبايا والنوايا، وعليها يكون الحساب!

• فصل من رواية «بعد الحياة بخطوة»