دعاني صديقي المعلم نايف لمشاركته في حضور عشاء دعاه إليه «أبو طامس» مختار قريتنا الجديد في الزعرورة..كان المعلم نايف زميلي في التدريس في المدرسة الثانوية، ولكنني غبت عنه بانتقالي للعمل في بنك تجاري يدرّ راتبا أكثر من التعليم..

والحقّ أن المختار «أبو طامس» كما فهمت لاحقاً، لم يكن هو المختار الأصلي، إذ أن أخاه الكبير «عنقود الشايب» هو المختار المعتمد، ولكنه سافر لزيارة ابنه في الولايات المتحدة، ولم يعد حتى ساعة إعداد هذا العشاء، فاستعار «أبو طامس» الختم ليحل محل أخيه في الملمات، والقيام بخدمة حاجات الناس، سواء بختم مختار، أو بصفته مُعرفاً، أو محضراً لمتّهَمٍ أمني يجلبه إلى مخفر الشرطة، أو بصفته كفيلاً يُخرج المتهم من معتقله، بعد ثبوت براءته، أو تسوية أوضاعه، أو شاهداً يمنح شهادات حسن سلوك لأيّ فرد من أفراد القرية، فيختم بالختم، بصفته لا يعرف القراءة والكتابة.. تجده يسحب ختمه من الجيب الصغير لبنطاله، و(يطجّ) الختم، ثم يقبض المبلغ المطلوب، أو يقبل بالمعروض الذي قد يقل أو يزيد عن المتعارف عليه. فالمختار عادة ما يكون كريماً في القبض، ودوداً، لطيفا مجاملاً للجميع، ولا يزعّل أحداً...

نتحدث أنا ونايف ونحن نسير على الأقدام للوصول إلى بيت المختار القريب، حيث العشاء ينتظرنا على الجمر..

لم أفهم قصة عشاء المختار «أبو طامس»، الرجل الذي صار أكثر نشاطاً منذ أن تسلّم المخترة، وتسلّح بالختم، وصار أكثر شهرة بين معلمي المدرسة وطلابها الذين يعرفونه مراسلاً في المدرسة، حيث أن القانون لا يمنع ازدواجية الوظيفة. وهذا ما فتح على المختار أبواب نظرة مستقبلية.

دخلنا، فاستقبلَنا المختار والفرح يكاد ينطّ من بين عينيه، رغم أنه جفل عندما شاهدني، وكأنه استغرب حضوري الدعوة، ثم راح ينظر في قائمة بين يديه، ويُعلِّم مؤشراً بقلم، لدى دخول أيّ معلم مدعوّ، ليُسقطه من قائمة المنتظَرين، ثم يُعلّق القلم على أذنه..

ولكن ملاصقتي لصديقي نايف منعته من الاستفسار.. انتبه الأستاذ نايف لاستغراب «أبو طامس»، فعرّفه عليّ بصفتي أعزّ أصدقائه، وزميل سابق له في المدرسة..

تطفّلتُ بالنظر إلى القائمة المتدلّية من بين يديه، فكانت مكونة من اثني عشر رقماً.. أقصد اسماً..

سألت نايف عن هذه الأسماء، فسرد لي قصة «أبو طامس» من «طقطق» إلى «سلام عليكم».. قال إن «أبو طامس» يعمل مراسلاً في المدرسة، وهو بالكاد يعرف الطاء من التاء، ويتأتئ بالحروف المرتجاة لاسمٍ مطلوب منه قراءته.. وهذا ليس عيباً -قلت له- ما دام يحسن توصيل الرسائل وخدمة المدرسة.

ولكن صديقي قال:

«في هذا العام، ومنذ أن غاب أخوه المختار الأصلي، قرر أبو طامس بكل جرأة أن يحصل على شهادة الثانوية. وكأنه كان يفكر في الأمر، ولا يجرؤ على النطق به. أما وقد سمع بأحقية دخول الكبار امتحان الثانوية العامة من دون تقديم امتحانات الصفوف السابقة، فقرر بعد الاتكال على الله أن يهجم، ويخوض غمار العلم والحصول على الشهادات. ولتحقيق غرضه، شاور وفاوض، ووضع الخطط الكفيلة بإنجاحه. وبناء على مناقشاته مع اثني عشر معلماً طالما خدَمهم، وكثيراً ما عتّم لهم على مشاكل سلوكية وجنح أخلاقية -لا يعلمها إلا الله، ولا أريد أن أكشف عن مشكلة منها، لكون المخفي أعظم، ولأن الله أمر بالستر- نظّم أحدهم له أوراق التقدم لامتحان الشهادة الثانوية، فحمل الأوراق بكل اهتمام وجرأة، وقدمها لدى اللجنة الإدارية للقبول، ثم بدأ تحركاته لحشد النجاح المضمون، رغم كونه لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ولكنك تجده كثيراً ما يردد مقولة إن (المكتوب يُقرأ من عنوانه)».

وبالفعل تم كل شيء، إلى أن دقت ساعة البدء في قاعات الامتحان.. فشكلوا فريقاً مسانداً، يستعدّ بموجبه كل معلم منهم للإجابة عن أسئلة الامتحان لإحدى المواد، بحسب تخصصه.

ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فبالصدفة اعترض مراقب القاعة على دخول أيّ معلم اثني عشري باتجاه الطالب المُمتحَن «أبو طامس»، الذي كان يرتجف منتظراً وصول النجدة الموعودة، وبعد منع أولهم من الدخول، صار مرعوباً من عدم تحقيق هدفه المنشود، لتثبيت شهادة ثانوية له، ترفع راتبه الذي لم يتطور منذ سنوات، ومن ثم ترفع قيمته المعنوية بين بقية المراسلين على الأقل..

باختصار، احتجّ المعلم المارق على منع تواصله مع مراسلهم الذي يخدمهم جميعاً، حتى إن هذا المراقب الفيلسوف، المتشدد في الرقابة، هو ضمن المعلمين المخدومين.. فأجاب مراقب القاعة بقسَم قاطع مانع، أن لا يُدخِل أحداً من هؤلاء الملاعين الاثني عشر إلى القاعة لإسعاف «أبو طامس»..

وبعد مليون محاولة وتزلّف ومراوغة، فهموا منه أن مراقب القاعة حاقد على «أبو طامس»، ذلك لأن المختار تجاهل تسجيل اسم المراقب في قائمة المدعوين إلى العشاء، فاضطر لقطع صلته بشريان الحياة الذي كان مقرراً أن يكون ممدوداً للتواصل مع هذا الـ...

وبطريقة أو بأخرى، تفاهم أحدهم مع المراسل «أبو طامس»، فدبّر الموضوع، إذ اتفق معه على دعوة المراقب إلى العشاء، وتبليغه أن اسمه كان أول الأسماء، ولكنه سقط سهواً عند تصوير القائمة. وبهذا استطاع تليين موقف المراقب، خاصة بعد أن أبلغوه أن «أبو طامس» مراسل ملعون، إذ إنه يخفي قضايا ومشاكل كثيرة مسكوتاً عنها، كان هذا المراقب العنيد قد ارتكبها في المدرسة، ولكن «أبو طامس» بقي متحفظاً عليها، ومؤجلاً إياها ليوم الضيق! وبناء على ما تم تداوله من ترغيب وترهيب، تمت دعوة المراقب العنيد إلى العشاء، كنوع من الصلح. وبهذا فتح الخط، فسَمح بتسريب أوراق الإجابات مكتوبة جاهزة، ليسلمها أبو طامس بيديه الكريمتين إلى صندوق الإجابات.

وباختصار، كانت نتيجة الامتحانات المعلنة في قوائم الناجحين غامضة، أو غير واضحة، إذ إن أحد المسؤولين في المدرسة، المتورطين في تلفيق التلفيق، طلب وضع اسم «أبو طامس» في نهاية قائمة الناجحين، على أن يطوي موظف لصق الإعلانات اسم «أبو طامس»، ويضغط عليه بمكبس دبابيس تثبيت اللوحات، فلا يظهر اسمه، وذلك منعاً للفضائح، خاصة بين مَن يعرفون أنه لا يجيد القراءة ولا الكتابة.

ولكن الذكي الحصيف «أبو طامس» كان قد انتبه إلى تلك اللعبة الخبيثة، فحصل على صورة أصلية من قائمة الناجحين، ونسخ منها اثنتي عشرة نسخة، وكان حريصاً في ليلة العشاء هذه على أن يسلّم نسخة من قائمة الناجحين إلى كل ضيف يصافحه عند الباب، والتي كان اسمه بارزاً في ذيلها بكل وضوح، لأن «أبو طامس» كان قد صبغه بخط فسفوري أصفر، ليوضح أنه قد نجح بتفوق، وبعلامة مقدارها اثنان وثمانون في المائة.

لم يفاجأ أحد بما فعلت يداه.. المهم أن وليمة العشاء كانت مهولة. إذ بعد بسم الله الرحمن الرحيم، شمّر كل منهم عن ذراعه، وغاصت يده اليمنى في المنسف الذي يتصاعد من لحمه البخار.

وبعد الانتهاء من اللهط، ولحس الأصابع للعق ما لصق عليها من حبات الأرز واللبن، تم استخدام الصابون (اللوكس)، والغسيل بماء إبريق وضوء، راح يصبه طامس ابن أبيه، ثم يقدم فوطة موحدة لتجفيف الأيدي من الغسيل. كانت الحكايات والابتسامات والضحكات تلعلع في أرجاء قاعة المختار..

بعد انتهاء الأكل، تحولنا لنأكل حلويات الكنافة الشهية، ثم شربنا القهوة العربية السادة، وأخيراً قدم لنا أبو طامس الشاي الغامق عسليَّ السكّر، ثم ودّعَنا بكل حفاوة واحترام.

نسيت أن أقول لك إنني التقيت صديقي نايف صدفة ليلة أمس، فما كان مني إلا أن سألته عن «أبو طامس» الذي ما تزال حرارة منسفه تعبق في أنفي، وحلاوة كنافته النابلسية تحت لساني، فقال لي:

- إنه يقدم رسالة ماجستير.

- ماذا؟ رسالة ماجستير؟

- نعم رسالة ماجستير، فالرجل طموح، ويستحق.

وعندما سألته عن بحث الرسالة، فقال إنه اشتراه من مكتبة تعرض خدماتها في باب الجامعة، حيث الأكشاك هناك تبيع لك الدراسة التي تريدها، وذلك لتقديمها برداً وسلاماً على طالبي العلم والشهادات العليا.