دينا نبيل *

ليس أكثر نقاءً من بالونات ملوّنة!

لن يفعل مثل العجوز في الفيلم الكرتوني حينما علّق البالونات في مدخنة بيته ليحلّق ببيته طائراً إلى «أرض الفردوس»!

كان يجلس يطالع جريدته عندما رأى ألواناً زاهية تتحرك على صفحة جريدته وأصواتاً أوبرالية تغنّي غناءً حالماً. نظر من النافذة..

ثمة نساء يطرن نحو السماء لا يدري من أين يخرجن.. كن يرتدين فساتين رمادية.. معلقة أيديهن في بالونات، أو الأحرى أن البالونات هي التي رُبطت في أيديهن لترفعهن إلى السماء.

لوهلة شعر بخجل شديد تجاههن خشية أن تتكشف ثيابهن التحتية وهن يطرن على هذه الشاكلة..

أنّى له أن يفكر في مثل هذه الأمور وتلك النسوة يبدين مغيَّباتٍ عن الوعي أو هناك من دفعهن رغم إرادتهن نحو الطيران معتمداتٍ فقط على قدرة البالونات في التحليق وقدرتهن على ضرب الأرض بأقدامهن لينطلقن إلى أعلى..

شعورهن مفكوكة يكاد يرى تباين ألوانها، لولا أنْ لمح جسداً مألوفاً وملامح عهدها زمناً طويلاً، فالتفت إليه أثناء سيره مغيّباً قبل صعوده إلى السماء..

إنها أمه!

تلك التي انضمت إلى زمرة النسوة وراحت تُصدر نشيجاً سريعاً ما انسجم مع أصوات صاحباتها.. أخذ يعدو في إثرها مندهشاً.. أنّى لها بهذه السرعة الفائقة؟ أهي سرعة البالونات أم هو الهواء الذي يحملها وصاحباتها كعرائس هزيلة على وشك أن تفارقهن أرواحهن وتتركهن هشيماً تذروه الرياح؟!

أسرع نحوها يطوي الأرض تحته وتدفعه الأرض وترفعه حتى لحق بها وأمسكها من قدمها في لحظةِ مفارَقةِ قدمِها للأرض..

هكذا صار بين زمرة النسوة.. لولا خجله لاطمأن لقربه من أمه.

ماذا سيقول من يراه وهو الرجل الوحيد في إثر نساء طائرات؟.. كيف سينظر بعد ذلك في وجه ابنه؟

سيغض طرفه، ويطلق بصره نحو السماء إذن ليرى إلى أين ينطلق ذلك الموكب وما الجهة التي تقصدها تلك النسوة الحالمات ضئيلات الأجساد ناعسات الأعين..

أيزعق بأمه لتنظر إليه؟

ربما حاول ذلك مراراً في ذلك الصعود الذي لا يعلم له منتهى، لكنّ أصوات صاحباتها تطغى على صوته، تشوّشه.. ثم يتآمر معهن الهواء فيبدّد صوته بعيداً، وسط ذرات الهواء يقذفه!

لا يعلم كم صار يبعد عن الأرض الآن.. أينظر إلى الأسفل ويحتمل صورة العالم المرعب في تقزّمه، أم يطلق قراراً مجنوناً بأن يترك قدم أمه وزمرة صاحباتها ليعود مجدداً إلى حمى الأرض؟!

سماوات فوق سماوات لا يعلم لها منتهى.. سحبٌ تغلّفها أخرى فيتيه في صخبِ تباين السحب.. أشكالها وألوانها.. والنسوة ينطلقن دون توقف حتى لاحت رائحة غريبة!

رائحة احتراق!

لا بد أنه اقترب الآن من الغلاف الجوي ذلك الذي درسه في مادة العلوم، فهو يعلم جيداً أن من يقترب منه مصيرُه الاحتراق إلى ذرات يبددها النسيان.

ليته ترك قدمَ أمه منذ أن واتته الفكرة.. تسارعت دقات قلبه فيما تباطأ صعود أمه..

تلك التي أوقفته على سحابة رمادية تنذر بعاصفة قريبة..

وانطلقت مع صاحباتها نحو المصير المحتوم.

ما مصيره الآن؟.. لا يدري.. هل يقفز من تلك السحابة العجيبة؟ لربما خانته قدمه وداست بقعة هشة منها فتتفتت على إثرها وسقط إلى مصيره المؤلم.

إلى داخل جيوبه امتدت يداه لتحتمي من البرد القارس.. فكانت بجيبه بضعة بالونات زاهية في حاجةٍ إلى بعض الهواء لتنطلق في الفضاء الرمادي..

• كاتبة مصرية