نصيرة محمدي *

تقف المرأة على المسافة نفسها التي تقفها الحرية إزاء ثقافة ملغمة، ومبهمة، تُقصي الذات الأنثوية، وتجرد كينونتها من نبل الحياة، والانتماء إليها بحب ورغبة لتوسيع الحدود الإنسانية، وتحرير الداخل بما يعيدها إلى ماهيتها، ويكسر مستحيل الصمت والمحو.

بين الحرية والمرأة مفارقات تضعها في مهب العواصف؛ بين الحضور والغياب، بين الغموض والوضوح حين تنكشف غربة المرأة إزاء الآخر، وحين تقف في وحدتها أمام أسئلة شائكة ومتشابكة في تمارين قاسية تحتاج دوماً إلى جرأة وقوة. قوة تفسح لهذه الذات مساحات من التأمل والقراءة لتاريخ دامٍ يبحث عن إمكانات اللقاء في أرض مختلفة يقظة ومسؤولة ومنتبهة لما تكون عليه الذات في توغلها في العالم، وتجريبها العميق لاحتمالات الحياة.

لايكفي الدوران حول الذات حتى تتشكل أبعادها وحالاتها وخياراتها ما لم تعرف روحها في أرواح أخرى، وتحت سماوات أخرى لتكون قوة فاعلة منصهرة في التفكير، ومنتمية إلى العقل لامتلاك رؤية للعالم.

يعِدُنا الوجود بجموح إنساني، ومعنى غائبٍ لا يتحقق إلا فيما تريده الحرية، وفيما تتطلع إليه المرأة باعتبارها الكائن الأكثر ألماً ونزيفاً، والأكثر قرباً من هذا المعنى. الحرية درب شاق لا يسلكه إلا الأقوياء. والأنوثة الحقيقية اشتغال عميق، وعمل قاسٍ يبدأ من أعلى نقطة في الرأس، وينتهي بآخر نقطة في الجسد.

أمام ذهنية ذكورية، ونخبة هشة تدّعي التنوير والتحرير والحداثة، وتمارس نفاقها بإخفاق العاجز عن الحرية. أمام هذا الفشل الذريع في تحرير الداخل، والعجز عن الثورة على تقاليد تكرست كأقدار لا مفر منها، تَحوّل كل جهد تبذله المرأة إلى حالة من الارتداد والنكوص. هذا الفشل ما وسّع دائرة الاغتيالات اليومية لعقل المرأة، واغتصابها والتحرش بها واستلابها وتعنيفها وإقصائها من المجتمع رغم كل محاولات التحديث، والقرارات السياسية الرامية إلى إعادة الاعتبار لهذا الكائن مسلوب الكرامة والحرية.

إن جذور المسألة متعلّقة برواسب دفينة في لاوعي الطرفين معاً، تكرس عبودية المرأة، وتغرس في أعماقها الخوف والخنوع لمنظومة فكرية قائمة على الاستبداد والتهميش، وجعل المرأة مجرد تفصيل ثانوي في الحياة مهما كانت إنجازاتها وانتصاراتها في الشأن العام.

هي مجرد كائن خاضع داخل البيت، ومضطهَد ومريب في الشارع؛ حتى وهي محجبة. هي مجرد سلعة ودمية مثيرة للشهوات، وأداة لتسيير شؤون الحياة بعقلية الذليل والسيد، التابع والمتبوع، العبد والحر. هذه العلاقة المرضية لا تجد تفسيرها إلا في حالة المعيش اليومي، وغياب أوجه التمدُّن والتحضُّر وأشكال الثقافة المختلفة في مدينة تفتقر إلى كل مؤهلات المدينة الحديثة؛ من مؤسسات ثقافية وفنية وتعليم قوي، وذهنية يهيمن عليها الديني والمقدس، وتقوم على سلطة (الدعش) وحده.

إنّ امرأة لا تأمن على حياتها منذ الطفولة، وعلى جسدها في عائلات مدجّجة بفكر تقليدي وديني؛ ليس في وجهه الروحاني المشرق، ولكن في جانبه الفقهي المحدود الذي يتحول معه وجود المرأة إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أيّ لحظة. وفي أيّ هزة أو أزمة، توجَّه كل السياط إلى المرأة كأقلية وضحية وهامش يُمتحَن في اختبارات عسيرة.

تبقى المرأة الحلقةَ الأضعف في مناخاتٍ كهذه، وتبقى مختبراً عسيراً يفضح صورة المثقف المهزوز، الذكَر الصياد، الحامل لعُقَد وأوثان تصعب المعرفة وحدها أن تفكّكها مالم تُختبر في العلاقة بالآخر، والانصهار في التجربة بوعيٍ خلاق، وقوة تبتكر الاختلاف، وجوهر الوجود حين يكون حراً من الداخل. حين يمتلك قدرة مواجهة ذاته ومواجهة المفاهيم التي عُبّئ بها منذ الصغر.

ليست الثقافة أن نستعدي الرجل على المرأة، وليس الانتصار أن تكون الطاقة موجّهة لحرب بين الطرفين، إنما تنبع الحرية من داخلنا حين توجَّه إلى أشكال الاستلاب والاستبداد والفقر والمرض والجوع.

إن النظر إلى المفقود والهامشي ضمن المشترك الإنساني هو تقويض السلط التي تنتج سياقات وأنساقاً ثقافية لا تعدو مسوخاً لتراجيديا بشرية تضعنا أمام شروخ وجراحات عالم لم يفلت من أوهام القراءات الخاطئة لحق الانسان الأول في الحرية، والتخلّص من حراس المعابد وعسس الهويات لتجاوز معضلة الوجود القاهرة بالحب والعطاء والجمال، والانتصار للعقل دائماً.

* شاعرة جزائرية