باسم سليمان *

ما بين النسبي والنسبوية يشترع السرد الروائي وجوده، محاولاً تفكيك النسبوي/ الدوغما وإظهار النسبي الذي يتصل مع المطلق بقرابة الحياة، في حين يتطفّل النسبوي على المطلق بعلاقة العدم.

هل ينقذنا الفن؟ لا يرغب الروائي الأردني جلال برجس بالإجابة المبتسرة التي درجتْ كشفةٍ ثالثةٍ على الفم من خلال القول القاطع بـ «نعم»، بل يذهب في روايته «سيدات الحواس الخمس» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017)، إلى التجربة عبر كلمة «لَعم» المنحوتة من الـــ «لا» والـ «نعم» كحالة نسبوية تنوس بين المطلق والعدم أو بين المثال والنسبوي، وذلك عبر تمثّلٍ في شخصية سوار عزّ الدين الذي وُلد في ليلة ظلماء، فكان الاسم أملاً وحلماً بالنسبة إلى والده، ومعاناة كبيرة له في زمن الكهرباء.

يعود سراج من مغتربه أو مهربه بعد خيانة زوجته له مع سليمان الطالع اليساري الذي انتهى إلى رأسمالي جشع، ومن هذه البيئة المزدحمة بخناجر الماضي، يحاول سراج التأسيس لحاضر ومستقبل مشرق عبر بناء يرصده لشتى أنواع الفنون والأداب. يأخذ البناء هيئة امرأة، تدل على الحواس الخمس، التي من خلالها يدرك الكائنُ البشري الكونَ من حوله.

يشقّ جلال برجس تربة السرد الروائي جيئةً وذهاباً، كي يزرع بذور الذروة الدرامية في روايته، راسماً شخوصه من حاضرها إلى ماضيها، كي يضرم النار الوجودية لشخصياته الروائية في لحظة السرد الأفقية وعمود المعنى في الآن.

الجريمة كفعل تأسيسي

نجد أن جميع شخوص الرواية ضحايا لجرائم معنوية أو مادية، هشّمت توازنهم الوجودي، فاندفعوا في دروب الحياة كخنازير مجروحة تبحث عن أدونيسها كي تشفى من ألمها عبر شقائق نعمانه، إلا أنها وفي غفلة نجاحها أو نجاتها تكتشف أن الجريمة لا تفلّ إلا بجريمة أخرى.

سراج الممسوس بالخوف من فقدان حواسه، بعدما قصّرت عن إدراك خيانة حبّ حياته له، ينشئ غاليري سيدات الحواس الخمس كجنة، حيث الضوء والرائحة والملمس والسمع والذائقة قد رُتبت بشكل مثالي، وفي كل صباح يتأكد كطيّار من سلامة أجهزة ملاحته، قبل أن يقلع إلى عنان السماء، يختبر حواسه ومن ثم على أرض الواقع ينتقي نساءه الشبيهات بتلك الحواس، فيستدرجهن إلى شبكته وهناك يقتلهن.

الفن والأفنون

الأفنون لغة، هو الغصن الأملود، الطري الناعم، وهو الأفعى أيضاً. والأفعى التي سرقت عشبة الخلود من جلجامش كانت سبباً لأن يبني جلجامش أسوار مدينته أوروك ويعتني بالفن والآداب، فهل الفن والأدب خلودنا الشَّبه، حيث لم يمنع كندة أو دعد أو سوار، تميّزُ شخصياتهن، سواء على الصعيد العلمي أو الفني أو الأدبي من ارتكاب جرائم الخيانة، ولم يمنع تعمّق سراج بالفن والأدب من استخدامهما كمطية للوصول إلى هدفه غير المباشر الذي يتجلى بالانتقام الأخلاقي، كما يفعل رجل الساموراي بأن يسجد على سيفه دافعاً طليقته ريفال أن تفعل الشيء نفسه.

العاصمة عمّان

لا ريب أنّ الرواية صناعة مدنية بامتياز على عكس الحكاية، فالحكاية منتَج ريفي أو لنقل: هي خلاصة النفي من الجنة. فعبر الحكاية يتم إعادة شجرة الحكمة من أسباب ونتائج على عكس المدينة التي بُنيت كمعادل موضعي للجنة، إلا أنه معادل عكسي؛ لذلك يصاب سكان المدن بالحنين إلى الريف وعوالمه المثالية، فابن المدينة لا يحنّ إلى جنّة غيبية، بل يعمل على إنشائها. ومن هنا كانت الرواية سردية الكائن الفرد بدلاً من السردية السماوية عن الوجود. فهو يتحسّر على مآل جنته ويلجأ إلى خلقها حتى بالعنف وهذا ما نجده في «الإرهابي القبضاي» الذي يعيد خلط الركام بالركام الذي وُلد فيه سراج عزّ الدين.

سيدات الحواس الخمس

هي رواية مخاتلة، تختبر قدرة القارئ وصبره على وضع الحدود والشبهات موضعَ التطبيق، فمع كل جريمة يرتكبها سوار عزّ الدين تكبر الكراهية له إلى أن تُنجَز الأوبرا التي كتبها سوار عز الدين وتقدَّم من النساء المقتولات على يده، المبعوثات عبر الاعتراف والفن والأدب، وفي تلك اللحظة تكتمل خيوط الجريمة الحقيقية على يد الإرهاب الذي يئد شبة الحياة التي يعيشها غاليري الحواس الخمس ويفجر نفسه في الجميع، فلا ينجو أحد، لكن ريفال/ حبّه الخائن التي استضافت سوار عبر حوار تلفزيوني، قالت به كل شيء عن خيانتها له أمام الجميع، كانت الناجية الوحيدة، هي والطفل أحمد الذي وجده سوار عند إشارة المرور يبيع المحارم الورقية، وقرر رعايته ودعم مواهبه، وهنا لا بدّ من القول: إن سوار هو الشبه والطفل أحمد، هو الأصل الجميل.

* كاتب من سوريا