ناصر الريماوي *

ثلاث مرايا جديدة لم أرها من قبل، وظلّ شبحيّ وحيد يترجّل من عقارب الساعة الليلية ليقفز بينها، أتبينه رغم العتمة الحالكة وهو ينسلّ من آخر مرآة بقرب الباب، لينزلق عبر الممر الضيق، والذي بدا واسعاً وممتداً أكثر مما يجب، قبل أن يستقر على جدار بعيد آخر الصالة.

صالة الضيافة الوحيدة الباقية على ذمّة البيت الغامض، رغم اتساعها الغريب إلا أنها لم تزل قاتمة بحيادها الطوعي المحيّر في احتكارها لكل الروائح العابرة واحتضانها لعتمة الحيّ بأكمله.

عند الثالثة فجراً، أستيقظ فجأة، تتخلّى عنّي قدماي سريعاً، ربما في استجابة عفوية إلى انفعال السجّادة الملقاة أسفل السرير وتحديداً تحت سواد الغرفة الغارقة بالليل وهدأة السكون، والتي بدت مكتظة، تنوء بانعكاسات عديدة للمرايا، وأثاث غير معهود.

سرعان ما تزحف السجّادة في تجنّب حذرٍ لتلك الانعكاسات، وحتى لا تدوسها المرايا فتغدو مرئية للظّل، لتواصل نحو فتحة الباب الذي يظلّ مشرعاً طوال الليل، وتلقي بقدميّ هناك، قبل أن تستكين كأيّ سجادة عادية أولَ الممر.

أدرك هذا من صدى حفيفها المكتوم، وهي تنسلّ بعفوية غامضة أسفل السرير، قبل أن يفزعها الظلّ بهالته المخيفة وهو يجري نحو الصالة.. فتقف.

اعتدت أن تخذلني المصابيح البيتية في وقت كهذا! وأن تتحالف أعمدة الإنارة الزيتية الباهتة على امتداد الشارع المجاور مع عتمة الطريق لتتسحّب خفيّة عبر السلّم الحجري كلصّ نحو مدخل البيت، وتجتاحني بغتة.

أما هذه المرايا، فتفسير وجودها معقّد وبائس في ظرف كهذا!

أهرع نحو طرف الستارة الثقيلة والتي تكبّل النافذة وإطلالتها على الساحة، بل تخنقها. الساحة الخلفية (المسفْلَتة)، المحاطة بأربعة مبانٍ متلاصقة في الجوار، والتي تغدو كمرآب واسع، ووحيد، عند المساء، حيث النوافذ الأخرى على تهدُّلها المألوف وهي تطل من بين الواجهات السكنيّة في ملل، وترمق الساحة بنصف عين.

تدركني الفيافي أو تولَد فجأة، تهبّ نحوي من حلق النافذة، ثم تتسع حتى تدركني الدهشة، تندّ عنّي صرخة مفاجئة، فلا وجود للساحة المعتادة، ولا أثر لما حولها. لا شيء هناك سوى الليل وبريّة شاسعة وشارع فرعي مقفر، مقيّد بالحصى، وحاوية قمامة وحيدة مركونة على الجانب الآخر!

أصرخ مجدداً من هول الفراغ خارج النافذة: أين أنا؟ وما هذا المكان؟

يفتر ثغرُ العتمة عن صوت قريب، أعرفه جيداً، صوت لم تزل أذياله معلّقة بأودية النعاس، يلهج مؤنباً بتلك النبرة الودودة، قبل أن يتلاشى ليذوي من جديد وهو يلوذ بدفء السرير: «ما بك؟ منذ الأمس ونحن هنا.. ذلك البيت لمْ يعد لنا».

***

حاوية القمامة، تستقرّ على الجانب الآخر من الشّارع المظلم والمعبّد بالزوايا والحصى، ترتمي قبالةَ العتبة المثبتة أسفل الباب الخشبي تماماً، العتبة الضرورية والواقية في انتظارها المتمهّل لمرور الطين والمطر، كلما ثارت حولها الزوابع الغبارية ومرّت بها مع الليل أيقظتها مجدداً.

المسافة قصيرة، لكنها تمتد فجأة وتتسع، لتغدو بمقدار ليلة شتائية تطوّقها السفوح.

ينحدر النباح الذي يجترج السكون منذ المغيب ليتلاشى مبتعداً، قبل أن تعيده التلال مقيّداً بصداه الموحش نحوي.

أحاول أن أتخطى العتبة رغم العتمة الحالكة، قبل أن تتملكني الحيرة فأعود بأكياس القمامة، لكن الشجر الذي ينبت مع كثافة الليل فجأة، وسط المساحات النائية، يقيدني قبل أن يبعث في صدري الفزع.

شجر شوكي تتشعب أغصانه في تطاولٍ عبثيّ، لتحتلّ فروعه بعشوائية مفرطة فضاءات الحي المعتم بأكمله.

عزلة الضواحي مقيتة في ابتعادها عن آخر ضوء بشري حيّ.

أمقت هذه الضاحية المقفرة وهذا البيت النائي، الجديد، الملقى على أطرافها المهجورة تحديداً. أتمسمر في مكاني أكثر وأنا ألمح الشارع الرملي، المشاع -على وقع هشاشة الضوء المتسرّب من حلق النافذة العلوية لبيتي- وهو يرتمي في حضن زوبعة صغيرة، تمضي به إلى أسفل الوادي. صوت أكوام الحصى في انحداراها وهي تتبعه تختلط بالنباح الكثيف في صخبٍ موحش، لا يُحتمل. أما الحاوية فقد أشعلتْ غضبي وهي تقفز من فرع شجرة شوكية إلى أخرى وتبتعد، لتستقرّ أخيراً على قمة التلّة، عند الطرف البعيد من حلكة الليل.

أتخطى العتبة وأمنح ارتجاف قدميّ لسيل الحصى في انزلاقه المتواصل نحو لجّة القاع. يسحبني معه إلى ردمٍ بارد وموحش ويلقيني عند حافته. أتجاسر وأصعد منهكاً وحائرا حتى القمّة، ألقي بأكياس القمامة في جوف الحاوية، ثم أفرّ عائداً.

أتخبّط في جوف العتمة، رغم أنني بتّ الآن أحفظ الطريق جيداً بعد نصف ليلة ونيّف. يتبعني قطيع الكلاب الضالّة بشراسة مفزعة، رغم انقطاع الزوابع ووحشة الصدى، يطوّقني النباح من كل الجهات، وهو يقترب. أهبط الوادي مسرعاً محاولاً أن أسبق النباح، أصعد من جديد نحو تلّة ملتبسة، أخذت تحول بيني وبين تلك العتبة المتمهلة في انتظارها. في الحقيقة،لم يكن لظهورها المفاجئ أدنى ضرورة ملحّة في الوصول.

قبالة الحاوية لمْ أعثر على العتبة والتي يُفترض بها أن تظلّ على انتظارها حتى أعود أو يحين موعد الطين والمطر. ارتعدتُ وأنا أتلفّت حولي كأبله وقلت: ربما تُهت عن بيتي!

تفحّصت المكان جيداً ولمْ أعثر على شيء.. سوى بريّة رملية مقفرة، وشجر شوكي مغبر أتلفته الريح، ولا أثر لبيتٍ من حولي.

أصبحتُ وسط النباح، والقطيع يوشك أن ينقضّ على قامتي، قبل أن تمتد إلى كتفي يدٌ قريبة، نزقة، أخذت تهزّني بلا تحفّظ، لمْ أتبينها جيداً لفرط العتمة حين صحوت.

وكان صدى النباح المطفأ رغم وحشته يتردد بعيداً خلف زجاج النافذة الموصدة، والحاوية على بعد أمتار قليلة من البيت.

كان كل شيء على جموده المسائي، قبالة العتبة النائمة والملقاة، في انتظارها المتمهّل لزوابع الجوار، وأول الطين والمطر.

* قاص من الأردن مقيم بالسعودية