موسى إبراهيم أبو رياش

«كنت أريد أن أقول له: أنت ظالم فاسد لا تصلح لهذا المنصب، وكثير عليك أن تكون راعي عنزتين أو ناطوراً على موقف سيارات سكراب». هذا ما فضفض به سرحان لي عن مديره في العمل، وكثيراً ما ابتُليت بسماع مثل هذه البطولات وجهاً لوجه في بيتي، أو إذا تقابلنا في الشارع، أو عبر الهاتف: «كنت أريد أن أضرب، أكسر، أؤدب، أصفع، ألكم، ألطم، أركل، أفقأ، أشرط، أقطع، أبطح، أفضح، أكشف، أصرخ»، وغيرها من العنتريات الوهمية التي يُصدِّع بها رأسي كلما سنحت له الفرصة. وللإنصاف وللتاريخ لم يذكر «القتلَ» يوماً على لسانه، ليس لأنه جبان -كما قال- بل لأن القتل عملٌ وحشي بشع، لا يليق بالإنسان!

ذات مساء، تلقيت اتصالاً مِلحاحاً من سرحان، وبعد مقدمة مملّة مكررة كالعادة، قال: «قبل مغرب اليوم تعرضتُ لضرب مُبرِّح من أحد السفلة، ولولا خوفي من المحاكم والسجون لهشمتُ أنفه، وشرطت وجهه، وكسرت يده اليمنى ورجله اليسرى، ولكني اخترت ما رأيته الأسلم والأحكم، اخترت أن أدير له الخد الأيسر أيضاً»، ولما سألته: «لِمَ لَمْ تشتكِ عليه؟». أجاب: «لا أحب وجع الرأس وسين وجيم، وتعال وروح. لا أحب قاعات المحاكم والوقوف أمام القضاة، وإجراءات التقاضي الطويلة التي تجبرك في النهاية على التنازل عن حقك طواعية».

اصطادني ذات يوم في أحد المتاجر الكبيرة بعد أن حاولت تجنبه، لكنه لم يُضِع الفرصة الذهبية، ونجح في إلقاء القبض علي في أثناء محاولتي الخروج هرباً منه، أخبرني أن زميلاً في العمل أساء إليه وشتمه أمام جميع الموظفين وسخر منه، وأنه كان باستطاعته أن يمرمرغ به الأرض، ويفضحه أمام الزملاء، ويكشف مفاسده وسرقاته، ولكنه فضّل السكوت كظماً للغيظ، فهو ليس ممن يقابلون الإساءة بالإساءة، ولا ينزل لهذا المستوى الهابط.

في المقبرة، وفي أثناء دفن أحد المعارف، تلبّسني كعلقة، وحدثني عن مغامراته وبطولاته وعنترياته، ومن أطرفها: «هذا الميت -سامحه الله- أكل حقي، استدان مني قبل سنوات مائة دينار، دفع منها ثلاثين فقط، ورغم إلحاحي، إلا أنه لم يكمل المبلغ، وكان بإمكاني أن أسترد حقي منه بالقوة، أو بالمحكمة أو حتى أن أفضحه اليوم في المسجد أو المقبرة، ولكني لا أحب أن أسيء إلى ميت وإن كان ظالماً (اذكروا محاسن موتاك)»، وتأكد أني لن أسامح بحقي، وسأطالب به أولاده، وإن لم يدفعوا سأمسح بهم الأرض، وأجعلهم عبرة لمن يعتبر«.

على طرقات الباب المزعجة، ورنات الجرس المتواصلة، فتحت الباب، فدخل سرحان معتذراً لتأخر الوقت، ولكن الموضوع لا يحتمل التأجيل، قبل أن يجلس جيداً قال: «لن أطيل عليك، ولكن الأمر مستعجل هذه المرة، فسامحني».

نظرت إليه بغضب، وقلت له: «اسمح لي هذه المرة فقط يا سرحان أن أقاطعك، وأخبرك بأمر أهم، ودعني أصارحك أنني منذ التقيتك أول مرة وأنا أريد أن أقول لك: أنك إنسان سمج، ثقيل الدم، فارغ الرأس، جبان، تسوق علينا عنتريات فارغة، وبطولات وهمية».

«نعم يا سرحان، منذ زمن بعيد، كنت أريد أن أخبرك أني لا أطيقك، ولا أحب سماعك أو الجلوس معك، قرفت من أحاديثك المملة، ومن أوهامك وترهاتك وخزعبلاتك وشطحاتك».

«كنت أريد أن أقول لك بملء فمي اخرجُ من بيتي، اخرُج من حياتي، لا أريد رؤيتك بعد اليوم، أو سماع صوتك، وإن فعلتَ، فأقسم أن تندم وتتمنى أنك لم تعرفني يوماً، فاخرُج واغرب عن وجهي، وابحث لك عن حاوية نفايات غيري لتفرغ فيها أوساخك ونتانتك!».

ثم دفعته بقوة خارج البيت وخارج حياتي إلى الأبد، وشعرت براحة كبيرة وسعادة غامرة، وأن غمامة سوداء فوق رأسي قد تبددت، وصخرة ضخمة عن صدري قد سقطت، وتأسفتُ أنْ لم أتخذ هذا الموقف منذ أمد بعيد بعيد!