حين تتعامل مع الناس كبيرهم وصغيرهم تعجب لمستوى الخطاب الذي تسمعه من بعضهم، فتذهل من كم استعلائهم وانحيازهم لافكارهم المهترئة وإيمانهم المطلق بالعدميين والمنافقين، واغلاق عقولهم عن اي فكر صحيح، هذا تعاينه في مؤسسا وكثير من المواقع وتراه في صفحات وجوه بعض المسؤولين الذين حين تناقشهم تجدهم لا يسمعون غير ما سمعوه من مرضى الكلام، والكلام يطول شرحه وتفصيله، والذكي من يفهم ما وراء السطور وما بينها، وما أثار اهتمامي بعذا الموضوع الظواهر السلبية التي تنخر جسد المجتمع وتقف حائلاً في وجه تقدمه، وسؤال الاعتدال نطرحه أيضا حين نرى الخطب الرنانة والغطرسة الفكرية وامتهان العقول والعقائد والثقافات وانتهاك ابسط قواعد الحرية الإنسانية، سؤال نطرحه حين نرى الأخوة يقتتلون على مغانم زائلة سؤال نطرحه حين نرى بعض المتسلقين يتحدثون بأمور العامة وهم لا يعرفون أبسط قواعد المعرفة والاعتدال! سؤال نطرحه حين نجد بعضنا يسير في غيه غير آبه بعقول الناس وحرياتهم، سؤال لبائعي التمائم والكلام وأصحاب الصوت العالي كي يدركوا أنّ الاعتدال أهم ما في الإنسان، سؤال نطرحه كي نتخلص من دوامة الادعاء والتطرف والإحساس بالظلم والقهر والزيف والحقد، سؤال نطرحه حين نرى الضحالة الفكرية والسطحية والتخلف والأنانية والإهانة للعقل البشري والخوف من كلمة الحق، ونطرحه حين نسمع أصوات المتطرفين هي الأعلى ممن يختطفون حياة الناس ويسعون ليل نهار إلى إصدار الفتاوى ويوزعون التكفير ويزرعون القتل وينشرون الرعب ويروجون للقتل ويزجون بالأبرياء في أتون حروب جعلت أمتنا أضحوكة العالم، فهل نعي كيف نتعلم الاعتدال؟

الاعتدال سمة الحياة الحقة وأساس العدل والنزاهة والمجتمع السليم، الاعتدال يرفض الإرهاب والتطرف والغلو، إنه التفكير بروية، إذ لا يجوز أن نأخذ مواقفنا السلبية أو الإيجابية بسرعة، لا بد من التروي وتأمل المسألة من جوانبها كافة قبل الإدلاء بالأحكام، والاعتدال أساس وحدة الصف وطريق التغيير والبناء، إنه وسطية مستنيرة وثمرة طيبة وغرسة صالحة لبناء مجتمع متحاب، وفي مجتمعنا مظاهر غريبة عن حياتنا، تستوقفنا تلك المظاهر، وتعالوا نتأمل بعضها، فهناك بعض الناس لا يعرفون شيئاً يقفون ليعلموك كيف تتحدث وتحاور وتناقش، وأنت تعرفهم لا يملكون ثقافة ولا معرفة، غير أنهم يعتقدون أن المكان الذي يقفون به يؤهلهم لكي يكونوا قضاة وحكماء وأساتذة، أليس حرياً بهم أن يعرفوا أوزانهم وأقدارهم وأن يعودوا إلى رشدهم؟ وهؤلاء يتركون لأنفسهم إطلاق الأحكام والآراء على عواهنها، وأحياناً تسمع خطيباً وأنت تعرف علمه وثقافته يخرج عليك بفتاوى وأفكار لا علم له بها، وكأنك تجهل كل شيء، مع أن الذي تسمعه لا يمت للعقل بشيء، ولا أنسى ذلك الشاب الأنيق الذي استوقفني ليعلمني درساً في التعليم العالي والجامعات وما تعانيه من ضعف وقلة إدارة، وكان يحدثني بأسلوب الواثق العارف، وحين سألته في أي جامعة تخرجت قال لي: الحمد لله لم أدخل جامعة،ولم اتعلَّم، المهم أنه لم يترك لي مجالاً أن أصحح بعضاً من معلوماته وأفكاره المغلوطة، عُدت أدراجي وقلت متى نتعلم الاعتدال، وكيف نمارسه؟! متى يعرف كل فرد واجبه وحدوده؟ متى نحترم عقول بعضنا بعضاً؟ متى نحترم أنفسنا حتى نحترم غيرنا؟ متى نتخلص من النرجسية والجهل بالآخرين؟ متى نتخلص من الضلالة التي حولت البشر إلى الصراع والعنف والقتل والإرهاب؟ متى يعرف المتغطرسون ومرضى التخلف العقلي والفكري أن أفعالهم مدانة ولا علاقة لها بالحرية والفكر والكرامة والدين والحياة؟! وهل يمكن مواجهة التطرف في داخلنا قبل مواجهه المتطرفين؟

علينا أن نتعلم الاعتدال وأن نمارسه أنموذجاً حياتياً يوميا بعيداً عن المؤثرات والتعالي والكراسي، وأن ننبذ التعالي والتفاخر والأحقاد والكراهية، وأن نفهم أن من حولنا له رد فعل على أعمالنا وأفعالنا، علينا أن نتخلص من نظرية المؤامرة، وأن نحسن النوايا ونعلن البراءة من الجهلة والحشاشين وأصحاب الفتاوى الذين يبيحون القتل وإلغاء الآخرين، وأن نقول: لا للاستبداد الفكري والتخلف العقلي والخرافة والسذاجة، وأن نتعلم كيف نحاور الآخرين ونحترم عقولهم. لأن الاعتدال الحق يوقف الإنسان على قدميه ويصل به هدفه، ويفضي إلى مجتمع يعرف فيه كل فرد واجبه وحقوقه تجاه نفسه وغيره، ولكن أين نحن منه؟ ومتى نتعلمه ومتى نعلمه لأبنائنا ومجتمعنا؟

mohamadq2002@yahoo.com