مَنْ يتابِع سيل التصريحات والمواقِف التي يعلِنها أطراف الثلاثي الغربي الذي ارتكب عدوان الرابع عشر من نيسان، يلحَظ خُبث المناورة التي يقوم بها هؤلاء, ليس فقط لتغطية فشلِهم في تحقيق أي إنجاز سياسي او عسكري ، وانما المسعى المكشوف لتنفيذ «الخطة ب», والتي كانت في صلب اهداف عدوانهم لو أصابوا نجاحاً يُذكَر، ما يتبدّى في العنترية التي تفوح رائحتها من تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون ووزير خارجيته لودريان, الذي يبدو انه يتقمّص الدور الذي نهض به لوران فابيوس, الذي روّج ونظَّر لمؤتمرات «أصدقاء سوريا».. قبل ان ينتهي هؤلاء «الأصدقاء» الى مربع الفشلِ والخَيبة.

يطالِب ماكرون مجلس الامن بان «يتَّخِذ» الآن – مُوَحَّداً – المبادرة على الصُعد السياسية والكيماوية والانسانية».. في خلط استفزازِي لملفات منفَصِلة, بهدف اضفاء الشرعية على الرواية الغربية المُفتعَلَة التي برّرت بها عواصم الحلف الاستعماري الثلاثي عدوانها الغاشِم, وقبل ساعات معدودات من بدء عمل خبراء المنظمة الدولية لحظر الاسلحة الكيماوية, بل ضغَطَت عليهم لتأخير وصولهم الى دمشق.. فيما رئيس الدبلوماسية الفرنسية يقول في استعلاء: «ان باريس تُريد استعادة المبادرَة في مجلس الامن, بدءا من الإثنين (أمس) لضمان الاتجاه نحو تسوية سِلمية للأزمة السورية».

ليس هناك من خطوات واجراءات ميدانية وسياسية او دبلوماسية, ما يدفع للاعتقاد ان باريس كما لندن وواشنطن, جادّة في تصريحاتها التي تأخذ طابع التهديد, بفرض المزيد من العقوبات وتعطيل قنوات الاتصال مع القوى المُؤثِّرة في الازمة السورية, بل ثمة تصعيد اعلنته واشنطن على لسان اكثر من مسؤول, تعكس رغبة اميركية ببذل كل ما تتوفّر عليه من ادوات وقدرات لكبحِ اي حل سياسي للأزمة, كتلك «الشروط» التي اعلنتها متحدثة الخارجية هيذر نويرت بان الجانب الاميركي «سيعود الى المفاوضات مع دمشق (...) اذا ما كشفت الحكومة السورية عن الأسلحة الكيماوية التي في حوزتها». وإذ نعلم ان «لا» مفاوضات او إتّصال بين دمشق وواشنطن, فان «السيدة» قالت لقناة فوكس نيوز (وما أدراك ما «فوكس نيوز» مُروّجة الحروب وقلعة اليمين الاميركي المتطرِّف).. «إذا ما تحقّق هذا الشرط، فانه سيُشجّع الجانب الاميركي على العودة الى المفاوضات في جنيف» ختمت نويرت.

مسار «جنيف» سَيُعطّل إذاً, بقرار اميركي وبالتَبعِية... فرنسي وبريطاني, ما يعني ان «استدعاء» امين عام الامم المتحدة غويتيرش، مبعوثه الخاص ستيفان دي ميستورا، على «عجل» الى نيويورك, والطلب منه وضع خطة «مستَعّجلَة لعدم انهيار المساعي السِلمية لحل الازمة السورية... لم ينطلق من فراغ, بل ثمة معلومات توفّرت لهذا السياسي والدبلوماسي البرتغالي المُخضرَم, تؤكد نية الثلاثي الغربي إفشال اي محاولة للعودة الى مسار جنيف، ما بالك مسارَيّ استانا وسوتشي اللذين قاطَعتْهُما... واشنطن؟

في المقابل تولّت المندوبة الأميركية لدى مجلس الامن.. نيكي هالي مُهِمة الإعلان عن مواقف صقورِيّة و»الطخ» على سوريا وروسيا، سواء في «تحقير» الأولى واعتبار ان دمشق ليست جديرة (..)بالمحادثات المباشرة مع واشنطن, بقولها: انها لن تُجري محادثات مباشرة مع الاسد» كما قالت لشبكة CBS الاميركية ,وانما ايضا في اتّهام دمشق بانها رفضَت حتى الآن المشاركة في المفاوضات متعدِّدة الاطراف, كجزء من عملية سياسية ترعاها الامم المتحدة»، داعية موسكو لِدفع سوريا الى طاولة المفاوضات(..).

لم تأتِ نيكي هالي على ذكر محادثات جنيف, وهي بالتأكيد كما رئيسها وطواقمه البيت الأبيض, لن تنظر بعين الرضى الى مساري استانا وسوتشي، الامر الذي يدفع للاعتقاد بان ثمة خطة إمبريالية يجري العمل على إنضاجها تروم إعادة الامور الى «نقطة الصفر», في ما خص مسارات الحل السياسي للازمة السورية, في الوقت نفسه الذي تحرِص فيه على بثّ المزيد من الغموض على خطواتها التالية, والذي برَزَ في تصريح مسؤول اميركي لوكالة الصحافة الفرنسية يوم امس (لم يُكشَف اسمه) زعَم فيه «..اننا نواصِل العمل بقوة مع مبعوث الامم المتحدة دي ميستورا، كما نعمَل مع موسكو, من أجل السير قُدماً في العملية السياسية».

ليس ثمة ما يُؤكِّد إدّعاءات فارغة كهذه، وخصوصاً في ظل الضبابية والتناقض التي تُميِّز التصريحات الاميركية، اذ قالت متحدثة البيت الابيض سارة ساندرز يوم امس» «ان مُهِمة الولايات المتحدة لم تتغير. الرئيس كان واضحا في انه يُريد عودة القوات الاميركية في أسرع وقت».

تصريح جاء رداً سريعاً على تصريح لـِ»ماكرون» ادّعى فيه انه «أقنَع ترمب بضرورة بقاء القوات الاميركية... في سوريا».

مَنْ منهما /مِنهم.. يقول الحقيقة؟ اذا ما أخذنا في الاعتبار تصريحات نيكي هالي التي جزمت فيها القول: بأن واشنطن «لن» تسحب قواتها من سوريا؟.

في السطر الأخير وفي إطار الحقيقة الساطِعة بان العدوان الثلاثي قد كشف هشاشة الإرادة الغربية وضعفها في مواجهة تحولات موازين القوى التي لا يمكن إنكارها, واضّطرار الغرب الى «ابتلاع» تهديداته, وتحويلها الى مجرد محاولة لحفظ ماء الوجه, حتى لا ينزلق الى مواجهة لن تكون في صالحه... يمكن التوقّف عند تصريح مُثقل بالمعاني ويحمِل بُعداً إستشرافِياً غاب عن صاحبه ابان سطوع نجمه الذي افل بسرعة, وأسهَم في أكبر كارثة جيوسياسية حدثت في القرن العشرين, بانهيار الاتحاد السوفياتي. نقصِد هنا.. ميخائيل غورباتشوف, الذي وصَفَ العدوان الثلاثي الاخير: بانه: أشبَه بالتدريب قبل البَدء بـِ»رماية حقيقية», مُضيفاً.. «هذا الامر مرفوض، لأنه سيؤدّي الى ما لا تُحمَد عقباه».

هل يمضي الغرب الامبريالي, في عرقلة الحل السياسي للأزمة السورية؟ ام يَجنَح للواقعية والبراغماتِية ؟

... الأيام ستُجيب.

kharroub@jpf.com.jo