لأنها ليست المرة الأولى التي اكتب فيها عن التعذيب فسوف ادخل للحديث مباشرة دون مقدمات عنه وعن طرقه التي مورست عبر العصور وأوردتُ بعضها في مقالاتي السابقة، وأبدأ بالخبر الذي بثته وكالات الأنباء العالمية الشهر الماضي وجاء فيه ان الرئيس دونالد ترمب عيّن جينا هاسبل مديرة جديدة لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومن ابرز ما تضمنته سيرتها الذاتية (!) أنها ادارت سجناً سرياً للوكالة في تايلاند عام 2002 ومن المعروف الذي لا تنكره الوكالة ان لها سجوناً سرية في العديد من الدول الصديقة(!) او تلك التي تمتثل لأمرها تستطيع ان تمارس فيها التعذيب على سجنائها ومعتقليها بعيداً عن عيون الناس والصحافة والاهم خارج نطاق القوانين الأميركية التي لا تسمح به داخل اميركا ! وقد جاء ذلك صراحة في تقرير لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأميركي حول أساليب التعذيب المحظورة مثل ((الإيهام بالغرق)) Water Boarding التي ارتكبتها الوكالة مع المعتقلين في سجونها السرية في الخارج مثل سجن ((عين القط)) في تايلاند، وحول أوامر هاسبل نفسها بإتلاف أشرطة الفيديو الخاصة باستجواب السجناء كي تختفي ادلة جرائم التعذيب ! لذلك لم يكن مفاجئاً ما ورد في « الواشنطن بوست» من ان الإعلان عن تعيين جينا هاسبل مديرة للوكالة لاقى معارضة فورية من جانب عدد من المشرعين الأميركيين وجماعات حقوق الإنسان بسبب دورها البارز في ممارسات التعذيب المنسوبة للوكالة ، هذا وما ان نُشر خبر تعيينها حتى راحت المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في منطقتنا تعيد على نطاق واسع بث صورتها المشهورة عندنا وهي تبتسم للكاميرا بسعادة بالغة أمام احد ضحايا التعذيب العراقيين عام 2004 في سجن أبو غريب الذي لم يرد ذكره في الخبر الحالي ، أما عن التعذيب الذي مارسته اميركا في تاريخها فحدث ولا حرج اذ جاء في العديد من الكتب الموثقة وأبرزها ((التاريخ غير المروي للولايات المتحدة)) لأوليفر ستون وبيتر كوزنك، وقبل سنوات قليلة كتب جيمس بتراس James Betras أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة بنغهامبتون/ نيويورك مقالاً في ICH (16/12/2014) عن تقرير لمجلس الشيوخ في الكونجرس الأميركي يوثّق تعذيب وكالة المخابرات المركزية للمشتبه بأنهم إرهابيون ليس فقط بعد أحداث سبتمبر 2001 بل منذ زمان طويل في عمليات شديدة الفظاعة وعلى نطاق واسع أثناء حرب فيتنام وفي الاغتيالات التي نفذتها ضد قادة سياسيين في الكونغو والتشيلي وجمهورية الدومنيكان والشرق الأوسط وأميركا الوسطى وعمليات الاختطاف واختفاء المشبوهين السياسيين في العراق وأفغانستان، ويستذكر بتراس ان نائب الرئيس السابق ديك تشيني المعروف بمسؤوليته عن كثير من جرائم الحرب في العراق والذي يجاهر بتأييد التعذيب من اجل الحصول على المعلومات كان قد صرح في 10/12/2014 بأن الرئيس جورج دبليو بوش وافق رسمياً على استخدام التعذيب، وأضاف بأنهما كليهما كانا يّطلعان على تفاصيل ذلك أولا بأول ! وأشار بتراس أيضا الى التعاون بين الـ CIA والموساد الإسرائيلية في تبادل المعلومات والخبرات عن طرق التعذيب وخصوصاً الجنسية منها أثناء التحقيق مع المعتقلين.

ليس قصدي من العودة للحديث عن التعذيب مجرد فضحه وادانته إذ لا يستطيع انكاره ممارسوه والقائمون عليه كما أني لم اقصد به زيادة الضغوط النفسية التي ترهق الناس هذه الأيام وهم يشاهدون منذ ((يوم الأرض)) ما يتعرض له آلاف الفلسطينيين في حشود غزة من قمع وقتل اثناء احتجاجهم بصدورهم العارية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا اقصد كذلك ان أضيف الى توتر الناس في غضبهم على ما جرى قبل ايام من عدوان ثلاثي جديد على سوريا شنته أمريكا وبريطانيا وفرنسا بحجة استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيماوية المحظورة وهي، كما يذكر العالم كله نفس الحجة التي برروا بها العدوان على العراق عام 2003.

وبعد.. قد تستغربون إذا قلت ان هناك من لا يخجل من تسويغ استخدام التعذيب على انه طبيعة بشرية مارسته اجهزة الحكم عبر العصور ولا يمانعون في الاستدلال على ذلك بالعودة الى ((موسوعة العــــــذاب)) للقاضي العراقي عبود الشالجي عن أنواع التعذيب التي استخدمتها الدولتان الأموية والعباسية والإمبراطورية العثمانية وحكومات العراق الحديث في القرن العشرين.. لكن في مقابل ذلك يتناسى هؤلاء او يغفلون عمداً حقائق العصر الذي نعيش فيه حيث اصبح التعذيب جريمة تعاقب عليها القوانين المحلية بالإضافة إلى القانون الدولي منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة وإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية الأخرى المتعلقة به وهناك العديد من الهيئات واللجان المختصة بمراقبة ذلك وتعقب المخالفين لمحاكمتهم وتجريمهم.. لذلك وعلى سبيل الاستشهاد تضطر أمريكا وسواها ان تتهرب منها وتتحايل عليها بتعذيب معتقليها سراً خارج أراضيها !؟