تحدّث عددٌ من النقّاد والأدباء عن مشوار الشاعر «أمجد ناصر»، معاينين تحولات الشاعر وتداوله الأشكال الشعريّة وثقته بلغته وعلاقته مع النّص، مستعيدين صورة الماء والصحراء وصوراً أخرى في الندوة التكريمية الأولى لملتقى الأردن للشعر التي أدارها الشاعر زهير أبو شايب، وشارك فيها كلٌّ من الشاعر والناقد العراقي علي العلاق، والناقد المغربي د.صلاح بوسريف، والناقدة نسرين شرادقة، والشاعر الناقد د.خلدون امنيعم.

وتناول العلاق جملة الفضاءات المفتوحة، في قصيدتي التفعيلة والنثر، مؤكّداً أنّ أمجد ناصر قدّم إنجازاتٍ لا تقلّ أهميّةً عما قدّمه جيل الروّاد في قصيدة النثر، متناولاً الحاضنتين «الإيقاعيّة» و»المجازيّة»، مبيّناً أنّ «أمجد ناصر»، وفي ظلّ انطفاء «الشّعريّة» في كثيرٍ من النصوص، لا يعتمد الكدّ الذّهني في نصوصه، بل يصنعها بعناية وتلقائيّة عالية، فلا يتصيّد المفردة، وإنّما هو أشبه بـ»فنان يخفي فنّه بمهارة»، في حين أنّ كثيراً من الشعراء «تتصبب قوافيهم عرقاً» في صعوبة ملحوظة في كتابة النّص، بينما قد نجد لدى «أمجد ناصر» استعارات كثيرة، بل قصيدةً متوقّدة تنطلق من المكان.

وأكّد بوسريف أنّ «أمجد ناصر» يعرف أنّه يكتب شعراً مختلفاً، وأنّه ينتقل بسهولة من الشعر للسرد، اعتماداً على سرده في الشعر، وقال إنّ الاسترجاع الذي مارسه الشاعر لم يكن ماديّاً وإنّما جاء بـ»التخييل» وبناء الصّور غير النمطيّة، لافتاً إلى عودة «أمجد ناصر» إلى تفاصيل كثيرة عاشها في البادية وانفلتت منه في ترحاله، معرباً عن إعجابه لأنّ يكتب شعراً يتخلّق أثناء الكتابة، ويتطلّب قارئاً يتخلّق أثناء قراءة النّص.

ونوّه بوسريف بأنّ «أمجد ناصر» ليس امتداداً لشعراء سابقين كالسّياب ودرويش وأدونيس وإنّما ظلّ يراهن على نصٍّ حداثيٍّ مغاير، ربّما يختلف من صفحةٍ لأخرى تبعاً لتوزيع يخضع لمنظوره ورؤيته لا على سبيل العبث أو اللعب. وكان بوسريف فرّق بين «القصيدة» و»الشعر»، مبيّناً أنّ القصيدة هي مقترحٌ من مقترحات الشّعر في نهاية المطاف، ولذلك فقد ظلّ «أمجد ناصر» على علاقة متوترة مع القارئ الذي اعتاد «الشفاهة»- القصيدة- بشروطها القديمة المعروفة.

وقرأت نسرين شرادقة ثيمة الاغتراب عند «أمجد ناصر»، وهي الثّيمة التي تجلّت في قلق الفكرة والانتماءات الأيديولوجيّة والحزبيّة، متحدثةً عن الشاعر الذي بدأ باكراً في قصيدة تفعيلة نقلت تفاصيل عاديّة جداً، لم يستمرّ فيها، وذهب بعدها إلى النثر.

وناقشت شرادقة شكل القصيدة عنده، لافتةً إلى أنّ قصيدة «أمجد ناصر» حققت اقتراحاتٍ حول المفهوم، واحتفت باليومي والمتداول، في المقهى مثالاً، وفق نسق داخلي عوّض عن الشروط الشكليّة السابقة للقصيدة، إذ ذهب إلى الحداثة المفتوحة على التجريب، و»جرّ قصيدة النثر إلى القصيدة الطويلة» بتفاصيلها، وقالت إنّ القصيدة الطويلة أو قصيدة الكتلة طغى فيها المحتوى الفكري على الشّكل، قياساً إلى الحذر السابق في قصيدة النثر بين الإيجاز وفردانيّة الصّورة.

وعاين امنيعم ثنائيّة المتن والهامش عند «أمجد ناصر»، وقضايا التخلّص من إشكاليّة التسمية والعودة بالكتابة إلى منابعها الصّافية، ومقترح الدّهشة الجديد، حيث تتحرر المفردة من سلطة المعجم والتاريخ نحو الاستقلاليّة، لشاعرٍ يظلّ مشغولاً بترتيب سيرورته وتعديل مساراتها، مؤكّداً أنّ تجربة الشاعر تترك لمن يجيء بعده أن يُطلّ على عوالمه أو آفاقه الجماليّة.

ووقف امنيعم عند ثيمة الماء وتنافذ «الماء» على أكثر من دلالة سلبيّة ارتبطت بـ»العطش»، مستعيداً الصحراء، وتوزيع الماء على «طفولة الصحراء وكهولة الماء»، وقال إنّ «أمجد ناصر» احتفى كثيراً بحالة العطش، فأحضر الماء إلى فضاءٍ مُعادٍ، حيث»الغيمة دفلى والنهر يباس»، وحيث «الجرار فارغة والدمع سيّد الماء»، وحيث»جسد الماء عطش إذ يجف السّد»، ورأى امنيعم، الذي قرأ من شعر ناصر ومن شعره، أنّ الماء تخلّق لدى الشاعر بوصفه عطشاً مقدّساً، إذ «الماء معادلٌ للجسد الأنثوي» بكلّ شبقه وذروته، كما في»سر من رآك» التي بدا فيها هذا الماء بذوراً منويّة لا غائيّة وتدور في فلك الجسد، مُفصّلاً بين حدّينِ، هما «الماء في شتاء لندن والماء في الصحراء الأردنيّة».