ملك يوسف التل

4/4

من يستمع إلى ذوي الاختصاص وهم يعرضون تفاصيل النضالات التاريخية التي حمت المسجد الأقصى واستعادته من الصليبيين وحافظت على إسلاميته في وجه الخطط الصهيونية، يُدرك جيداً حجم الحاجة لتعميم المعلومات والحقائق التي لا يعرفها الكثيرون من الأجيال الجديدة، ففي تعميمها وترسيخها ضمانة إضافية إلى أن شعلة الصمود مستمرة مع تعاقب الأجيال ورغم كل ما يستجد.

بهذا المنطق يتحدث المهندس عبد الله العبادي مساعد أمين عام وزارة الأوقاف والشؤون المقدسات الإسلامية، مدير مديرية متابعة شؤون القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك، وهو يروي التفاصيل اليومية التي ينهض بها الأهل في القدس الشريف، وتعمل بها طواقم تصل إلى 900 موظف لدى وزارة الأوقاف ممن يتولون، على مدار الساعة، رعاية الأماكن المقدسة في القدس، ويحمونها من الاعتداءات شبه اليومية التي يقوم بها المتطرفون الإسرائيليون. فكل مئة متطرف يهودي يدخلون المسجد الأقصى يرافقهم ما بين 15 - 20 شرطياً إسرائيلياً، ويراقبهم عدد مماثل من موظفي وزارة الأوقاف الأردنية مكلفين بأمانة حماية المسجد الشريف.

من المطمئن كثيراً أن نسمع تفاصيل الإجراءات التي أفشلت المخططات الإسرائيلية بشأن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وهو ما يُطمئن المتخوفين من زخم المؤامرة على هذه المقدسات أن يكون هناك إيمان مطلق بأنها محمية برعاية الله ومن ثم بوصاية هاشمية، يستفيض المهندس العبادي في تبيان أنها وصاية عقائدية، في صلب العقيدة الإسلامية، منصوص عليها في الأحاديث النبوية الشريفة، وانها شرعة أزلية لا يؤثر فيها قرار من البيت الأبيض أو تشريع من الكنيست.

أين وصلت مشاريع إعمار الأقصى والمصلى المرواني وترميم قبة الصخرة في ظل محاولات إسرائيل عرقلتها؟ وكم كلفت؟ وما دور الصندوق الهاشمي فيها؟

لدينا كما تعلمون لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة. هذه اللجنة أمر الملك الحسين تشكيلها بموجب قانون أردني رقم 32 لعام 1954. وفي عام 2007 صدر القانون الأردني رقم 15 بإنشاء الصندوق الهاشمي الذي أمر به الملك عبدالله الثاني، وتبرع من جيبه الخاص ولغاية هذه اللحظة بكل المشاريع التي قمنا بها.

لدينا الآن مشاريع بحوالي 4 ملايين دولار قائمة في المسجد الأقصى المبارك، من أهمها مشروع ترميم الزخارف الفسيفسائية في المسجد المبارك، بكافة مرافقه سواءً في المسجد القبلي وهو الجامع الأقصى أو في جامع قبة الصخرة المشرفة، وقد استلمنا في العام الماضي من المقاول المرحلة الخامسة من المشروع وهي قبة الصخرة المشرفة وقبة الجامع الأقصى ونعمل حاليا على تنفيذ المرحلة السادسة.

هذه المشاريع مهمة جدا لأنها من التراث الأموي، -الفسيفساء الموجودة داخل المسجد الأقصى أموية -عمره أكثر من 1400 عام، وهو تراث إنساني رائع يحتاج إلى 20 رسالة دكتوراة حتى نفهمه ونستوعبه بشكل صحيح.

كيف تتم آلية العمل؟

قبل كل شي نقوم بتوثيق هندسي كامل، بمقياس رسم واحد لواحد يرسم باليد، ثم نضع هذه الرسومات على الماسح الضوئي، بعد ذلك يتحول إلى برنامج «أوتوكاد» وهو برنامج للرسم والتصميم بمساعدة الحاسوب يدعم إنشاء الرسومات ثنائية وثلاثية الأبعاد وتظهر لدينا لوحات بمقياس رسم واحد إلى واحد.

هذه اللوحات مرت عليها مختلف أشكال التلف منذ أكثر من 1400سنة. نحددها للمعالجة بالطرق العلمية الصحيحة حسب الأسس الموضوعة والمواصفات التي تخبرنا بها اليونسكو كيف نعمل عليها بالترميم، ثم نضع على الرسومات أنه تم ترميمها بتاريخ كذا وكذا. ويعتبر هذا المشروع من أهم المشاريع التي حصلت في المسجد الأقصى المبارك، وهو يتم لأول مرة في التاريخ ولأول مرة يوثق هذا التراث العربي الإسلامي الأموي في المسجد الأقصى المبارك.

لدينا مشاريع أخرى، منها مشروع المنبر، الذي يتألف من 16500 قطعة معشقة مع بعضها تعشيقاً كاملاً دون استخدام البراغي أو المسامير ولا الغراء. وبعد ثلاثين سنة استطعنا معرفة حل لغز التصميم الهندسي، حيث قمنا ببناء التصميم له في جامعة البلقاء التطبيقية ثم أخذناه للقدس في عام 2007، وهو من أهم المشاريع.

لدينا أيضاً مشروع ترميم الجدران الشرقية والجنوبية للأقصى ولله الحمد انتهينا منها، ونقوم بعمل كبير جداً داخل المصلى المرواني، كثير منها تمت بفضل الله خلال الفترات الماضية، كما واستطعنا ترميم كثير من الأروقة الموجودة داخله بكلفة لا تقل عن مليون دينار والآن يصلى فيه ويتسع لعدد أكثر من الجامع الأقصى والجامع القبلي.

هناك أيضا أعمال الإنارة الداخلية للمسجد المبارك وقد تم الانتهاء منها. كما وأعمال الترميم وإعادة تأهيل شبكة الإنارة في داخل المسجد أيضا تم الانتهاء منها، كما انتهينا من مشاريع كبيرة جداً، منها مشروع التهوية في قبة الصخرة المشرفة ومشاريع ألواح الرصاص التي نضعها فوق الأبنية التاريخية بدلاً من الزفتة، حيث قمنا بشراء رصاص بحوالي نصف مليون دينار من تركيا، وفرشنا كثيرا من الأسقف على المباني الموجودة داخله بالرصاص، وهي مشاريع ضخمة جداً.

بالمقابل لدينا مشروع المتحف الإسلامي، وقد تم ترميمه كاملاً والآن تعرض فيه المعروضات. ومشروعنا الآخر يكمن بإعادة تأهيل المتحف، ونأمل أن ننتهي منه خلال العام القادم. ولدينا مشاريع مركز ترميم المخطوطات، وهو من أفضل مراكز ترميم المخطوطات في الشرق الأوسط، يعمل عليه عشرة موظفين مدربين في أكثر من دورة في اليونسكو، وقد حاولت سلطات الاحتلال إعاقة المشروع، عندما منعت المدربين من اليونسكو القدوم إلى القدس، فاستعضنا عنهم بموظفين أردنيين قام بتدريبهم مدربون من اليونسكو بمركز التوثيق الملكي في الديوان الملكي، ووزعنا عليهم الشهادات العام الماضي.

بالنسبة للمخطوطات داخل المسجد الأقصى كم عددها وهل تتجه النية لترميمها؟.. وماذا عن مشاريع الرخام الداخلي لقبة الصخرة وهل تواجهون إعاقات إسرائيلية؟

لدينا داخل الأقصى أكثر من أربعة آلاف مخطوطة، وقد بدأنا بترميمها، وأصبحت ارضية الورق متهتكة.

بالنسبة للرخام الداخلي لقبة الصخرة فقد تم فكه واعادة تركيبه بعد ترميمه كاملا. قبل عدة سنوات لم نواجه إعاقات تذكر بسبب أن عدد المتطرفين في الحكومات السابقة قليل كما ولم يكن هناك تأثير من الحكومة على الكنيست الإسرائيلي. حاليا نواجه إعاقات لبعض مشاريعنا بسبب وجود ما يقارب 12 وزيرا متطرفا في الحكومة الإسرائيلية يعيقون تلك المشاريع، كما ولديهم كنيست متطرف، نجحوا في الدخول إلى حكومة نتنياهو، فأصبحوا يضغطون عليها لإعاقة المشاريع.

ما هي أهم المشاريع التي يعيقون تنفيذها؟

من أهم المشاريع المعاقة حاليا مشروع الإطفاء من الحريق، وكنا قد نفذنا مشروع الانذار من الحريق بكلفة 150 ألف دينار، لكن تم منع المقاول من الدخول إلى الأقصى لينفذ مشروع الإطفاء، وحاليا تجري محاولات من قبل الخارجية الأردنية، من خلال اتصالاتهم الدبلوماسية لنتمكن من إكمال المشاريع المعاقة، والتي تتم من خلال لجنة الإعمار من خلال الذراع المالي وهو الصندوق الهاشمي.

وقد قمنا بعمل إحصائية ما بين عهد الشريف الحسين بن علي ولغاية عهد الملك عبدالله الثاني في المشاريع التي تمت في المسجد الأقصى، ووصل مبلغ الإنفاق أكثر من مليار دولار من الإعمار الهاشمي الأول والثاني والثالث والرابع، وما زلنا مستمرين بالترميمات باذن الله للحفاظ على مقدساتنا في القدس، فالأقصى أمانة في رقابنا وضمائرنا ولن تهزنا قرارات العالم طالما أننا على حق والله معنا.

ماذا تضمنت سلاسل الإعمار الهاشمي كما ذكرتموها؟

أهمها تم في عهد الملك الحسين وهو الإعمار الهاشمي الثالث، ومن ثم الإعمار الهاشمي الرابع في عهد الملك عبدالله الثاني من عام 1999 ولغاية الآن، وهناك أيضاً اهتمام بموضوع التعليم في القدس، فالتربية والتعليم في المدينة المقدسة تعمل تحت مظلة الأوقاف الإسلامية، ولولا ذلك لكان اليهود قد سيطروا عليه بالكامل.. التربية والتعليم مهمة جداً.

أيضاً هناك كلية جامعية متوسطة، ولدينا 43 مدرسة منها ثلاث مدارس شرعية في القدس وجميعها تابعة للأوقاف.

استراحة

أليست القدس كما هي تراث ومعالم هي أيضا معايشة روحية لا يعرفها إلا من يزور المدينة المقدسة؟

هذا صحيح.. هو شعور لا يمكن وصفه بكلمات ولا حتى بكل اللغات. في كل زيارة أقوم بها إلى القدس والمسجد الأقصى تحديدا، وإلى كل مدينة وقرية في فلسطين.. يمتلكني الجانب الروحاني الذي يعجز الإنسان عن وصفه.

في القدس أقف على جبل الزيتون الموجود على الجانب الشرقي من بيت المقدس والمسجد الأقصى.. هذا الجبل ينقسم إلى أجزاء منها جبل الطور وجبل المطلع. عندما نقف على أحد الجبلين نرى جبال السلط من الضفة الشرقية والمسجد الأقصى في آن واحد حيث نكون على بعد 500 متر من المسجد الأقصى وعلى بعد 60 كيلو متر من جبال السلط. النظر إلى المسجد الأقصى يشعرنا بهيبة رهيبة جدا..

نشعر أننا في مكان غير موجود مثله في أي مكان في العالم، حيث زرت أوروبا وأميركا وأقصى شرق الكرة الأرضية وهي مناطق أستراليا وشرقها ومعظم دول العالم، فلم أشعر بالشعور الذي ينتابني عندما أنظر للمسجد الأقصى من على جبل الزيتون فتتلاشى من ذاكرتي كل معالم العالم.

أيضاً الهواء الذي نستنشقه في القدس وكأن نقائه محصور بهذه الأرض المقدسة وغير موجود في أي مكان آخر. هذا الشعور تذكرته فيما بعد عندما قرأت حديثا نبويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس) لذلك كما قلت مسبقا شعرت بهيبة المكان وقدسيته وروحانيته.

أيضا عندما نتجول في القدس، ونرى قيمة وأهمية التراث الموجود فيها، والمباني التي في داخل المسجد الأقصى وأغلبها يعود للعصر الأموي، ومنها للعصر المملوكي والأيوبي، فينتابنا شعور من يسير عبر التاريخ، بروحانية كبيرة جداً، خاصة ونحن نصلي في مسجد حجارته وزخارفه من زمن بني أمية، وهي الدولة الإسلامية الأعظم في العالم في ذلك الوقت.

المباني الموجودة في البلدة القديمة في القدس والتي مساحتها حوالي كيلو متر مربع أو أقل بقليل، هذه المباني على الأغلب من زمن المماليك، وفي الأسفل منها يوجد مباني، أيوبية وأموية، ومنها روماني وبيزنطي، فننسى في الوقت الذي نقضيه في هذه الأمكنة اننا نعيش تاريخا لا يفصله عنا مكان ولا زمان سواء في البلدة القديمة في القدس، أو المتجول في المسجد الأقصى المبارك، لقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه نبي أو قام عليه ملك). وهنا نتذكر أن هذا المكان وهو المسجد الأقصى عندما صلى الرسول صلى الله عليه وسلم إماماً في الأنبياء ،وهو الذي يتسع لحوالي نصف مليون إنسان، فصلاة نبينا محمد فيهم هو ما يعنيه بقوله صلى الله عليه وسلم: (وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه نبي أو قام عليه ملك)،.هذا هو الجانب الروحاني الأعظم.. وهل هناك ما هو أجمل من هكذا شعور؟..

أما الجانب الترفيهي، فالقدس جميلة جداً، إن لم نقل ان فلسطين جميعها جميلة جداً، ومن يزورها يرى عمق التاريخ والحضارة والجمال الرباني وهو ينظر إلى جبالها وسهولها وطبيعتها الأجمل في العالم، حتى أن خضارها وفاكهتها مذاقها مختلف عما نأكله في أي مكان كان.. وأرجو ناصحا من يستطيع أن يصل إليها أن لا يتردد أبدا.

أسرتي

زوجتي خالدة الجزازي، تعرفت عليها ,وأنا مع والدتي واحدى شقيقاتي خلال تواجدنا في منطقة الشميساني فشاهدتها تخرج من مدرستها حيث لفتت إنتباهي وحصل النصيب. أنجبنا بفضل الله أربعة أبناء، لم يتزوج منهم أحدا، فلديهم أولويات كما يقولون، أكبرهم مهند مهندس كهرباء يحمل درجة الماجستير ويعمل في أميركا ومحمد أنهى درجة الماجستير في المحاسبة متواجد مع شقيقه في أميركا، ومثنى سنة خامسة طب جامعة مؤتة، وأصغرهم أسامة ما زال على مقاعد الثانوية العامة قدم امتحانات الفصل الأول من هذا العام الدراسي وحصل بفضل الله على معدل 93%.