أبواب - ندى شحادة

تعتز الأوطان بعلمائها الذين نهلوا رحيق العلوم ومنارة المعرفة من مكتباتها ، ومن تلك المكتبات واحدة من أقدم منابع العلم والثقافة في هذا الوطن الغني بعلمائه ومثقفيه، أطلق عليها صاحبها أحمد حسن أبو حسين (85 عاما) مكتبة الطليعة.

أبو حسين رجل أحنى الزمان ظهره لكن إرادته لم تنحن، يعود بذاكرته للوراء ليروي الى «أبواب - الرأي» ماضيه الجميل، ويقول: «قدمت من فلسطين عام 1948 الى الأردن، كان عمري آنذاك ثلاثة عشر عاما وكنت في الصف السابع الإبتدائي، وحبي للعلم منذ صغري جعلني أوزع الجرائد والمجلات في الصباح على المحلات التجارية والوزارات كوزارة التربية والتعليم وأمانة العاصمة عمان الكبرى ،وأبيع الجرائد والمجلات على إحدى البسطات في شارع الملك حسين والذي كان يطلق عليه سابقا شارع السلط في المساء».

ويذكر أبو حسين بأن الجرائد والمجلات التي كان يبيعها آنذاك تحمل عبق التاريخ الماضي ،ويبين: «من أسماء الجرائد الدفاع، فلسطين، الصريح، الجهاد، عمان المساء، أخبار الأسبوع، الصباح، وجريدة الأردن، أما بالنسبة للمجلات فقد كانت تضم مجموعة كبيرة كمجلة آخر سلمة، الموعد، الإثنين، الشبكة، صباح الخير، ومجلة البعكوكة الفكاهية الأسبوعية».

من بسطة الى كشك صغير

يقول أبو حسين: « بعد أن كنت أبيع المجلات والجرائد على الطرقات وتأتي الأمانة لتأخذها بين حين وآخر، تقرر في عام ( 1979 ) إنشاء الأكشاك لتكون لنا أماكن محددة للبيع ،وبحمد الله استلمت أحدها وبدأت بترتيب الكتب والمجلات مع أولادي الذين كان يدرسون في الصباح ويعملون الى جانبي في المساء ،ومع مرور الأعوام أصبح لنا زبائن متميزون ومثقفون بدرجة عالية».

ويوضح أبو حسين: « في عام 1989 أصبح هناك حركة تنقل بين الأكشاك ، وحتى نبقي على مكاننا أضطررنا الى شراء مكتبة بجانبه، فهذا المكان يحوي ذكرياتي وذكريات أبنائي، ومع مرور الزمن توسعنا أكثر فأكثر وأصبح مكاننا معروفاً للكثير من الزبائن ويحتوي على الكثير من المجلات والكتب القديمة والحديثة، واستطعنا الحفاظ على الهوية التي أسستها مع أولادي».

ويذكر بأنه: «استطعت أن أربي أبنائي السبعة وبناتي الخمس، وأن أكمل لهم جميعا تعليمهم الجامعي ،فتخرجوا مهندسين ومعلمين بسبب الدخل الذي يأتيني من خلال بيع الجرائد والمجلات والكتب».

ولده سامي أبو حسين ( 55 عاما ) يقول ل «أبواب - الرأي»: «عندما قدم والدي من فلسطين لم يكن يملك شيئا، ولكن إرادته وتحديه للحياة جعلت منه نبراسا نهتدي من خلاله للمضي في حياتنا».

ويشير الى أنه :«يساند والده بالعمل في الفترة المسائية منذ أن كان طالبا على مقاعد الدراسة، وحتى بعد أن عمل في أمانة عمان».

ويبين: «لست الوحيد الذي يعمل برفقة والدي، فإخواني الستة يعملون معنا أيضا، وهذا كان سببا أساسيا لأن نكبر ونتقدم الى الأمام».

ويذكر :«مكتبتنا الصغيرة يرتادها عدد من الشخصيات المهمة: رئيس الوزراء الاسبق عبد الرؤوف الروابدة ،وزير الخارجية السابق ناصر جودة، مدير المطبوعات عبد الله أبو رمان، وزير الدولة للشؤون السياسية موسى المعايطة، ورئيس مجلس إدارة جريدة الرأي رمضان الرواشدة، كما يرتادها عدد من الكتاب: زياد صلاح، سميحة خريس، جمال ناجي ، هاشم الغرايبة (...)».

ويأمل الأب وأولاده بأن «يتم تكريمهم من قبل نقابة الصحفيين لمجهودهم الطويل في نشر الثقافة وترسيخ العلم بين أبناء الأمة رغم العقبات التي تواجههم كانتشار التطور التكنولوجي والذي أدى إلى تراجع الإعلام الورقي بشكل كبير، فمكتبتنا إلى جانب العديد من المكتبات القديمة في الأردن منارة كانت وما زالت يهتدي بها الكثير من المثقفين والكتاب، ويضرب مثالا بأن جريدة الرأي لطالما حفظت لوالدي الجميل وكرست له راتبا شهريا في ذلك الزمان».