د.أمينه منصور الحطاب

كان يدهشنا بأفكاره رغم غرابتها، متميزٌ في دراسته، مبدعٌ في أبحاثه الفيزيائية، مجتهدٌ في تحصيله العلمي، قال لنا ذات مرة - قبل أن يسافر في بعثة لاكمال دراساته العليا إلى أمريكا - نحن نعيش قي قرية عالمية صغيرة، لم ندرك وقتها معنى كلامه لأن وسائل الاتصالات - في بداية التسعينات من القرن المنصرم - كانت محدودة الانتشار؛ فقلة من الناس يمتلك جهاز الخلوي أو قنوات فضائية متعددة الأقمار، لم يكن الانترنت متطلبًا أساسيًا للحياة كما هو الآن، ولم نكن نعرف وسائل البحث أو التواصل الاجتماعي، حتى غزا التطور التكنولوجي والانفتاح المعرفي حياتنا فأصبحنا نعيش في عالم سريع التغير تحيطه تحديات محلية وعالمية تحتاج إلى عقول مفكرة قادرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات، إن تنمية هذه العقول المفكرة مسؤولية كل المؤسسات المجتمعية وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، ويمكن أن تتم من خلال المناهج الدراسية المختلفة داخل المؤسسات التعليمية، حيث تسهم المناهج باختلافها في تنمية التفكير والقدرة على حل المشكلات لدى الطلبة كما تعمل على زيادة قدرتهم على استخدام أنواع مختلفة من التفكير إذا توفرت الإمكانات اللازمة لتدريسها.

إن القدرات الإبداعية موجودة عند كل الأفراد بنسب متفاوتة لذلك تحتاج إلى التدريب والممارسة كي تنمو وتتطور، كما أن النمطية في الأساليب التعليمية قد توقف أو تعيق تلك القدرات ولا تؤدي إلى إعداد أفراد يمتازون بالفكر قادرين على الإنتاج المتنوع والجديد، فنحن اليوم بحاجة أكثر من قبل إلى استراتيجيات تعليم وتعلم تمدنا بآفاق تعليمية واسعة ومتنوعة ومتقدمة تساعد طلبتنا على إثراء معلوماتهم وتنمية مهاراتهم العقلية المختلفة، وتدربهم على الإبداع وإنتاج الجديد والمختلف، وهذا لا يتأتى بدون وجود معلم متخصص يعطي طلبته فرصة المساهمة في وضع التعميمات وصياغتها وتجربتها من خلال تزويدهم بالمصادر المناسبة وإثارة اهتماماتهم وحملهم على الاستغراق في التفكير الإبداعي وقيادتهم نحو الإنتاج الإبداعي، كما يجب أن تكون لديه القدرة على إبداء الاهتمام بأفكار الطلبة واستخدام أساليب بديلة لمعالجة المشكلات، وعرض خطوات التفكير عند معالجة المشكلة بدلاً من عرض النتيجة فقط، الأمر الذي يدفعهم نحو تطوير نماذج مبتكرة في التفكير وزيادة القدرة على تقييم نتائج التعلم بشكل فعّال.

وتعد استراتيجية العصف الذهني - التي عرّفها اوزبورن (Osborn) في كتابه التخيل التطبيقي- من الأساليب التى تحث المتعلمين على المزيد من المشاركة والفعالية فى انجاز أهداف الدرس، وذلك بإثارتهم وتحفيز مواهبهم وتعزيز قدراتهم على تصور الحلول وابتكارها ،لأن العصف الذهنى يضع المتعلم فى موقف يكون فيه ايجابيا نشطاً لمواجهة المشكلة؛ فيولد أفكارا جديدة لم تكن معروفه لديه من قبل لحل المشكلة أو الموقف المشكل ومواجهة التحدي والتغلب عليه، ولقد أُطلق عليه أكثر من مصطلح منها: قدح الذهن، واستمطار الدماغ، والمفاكرة وغيرها غير أن مصطلح العصف الذهني أكثرهذه المصطلحات استعمالا وشيوعاً في الأدب التربوي، والعصف الذهني يعني استظهار كل ما في عقل المتعلم من أفكار حول قضية معينة أو مشكلة مطروحة تحتاج الى حل.

وتقوم هذه الاستراتيجية على عصف العقل الانساني بالمشكلة التي تتحدى معلوماته فينشط في تفحصها والبحث عن حلول ابداعية لها لم تكن معروفة عنده من قبل ،وعلى هذا الاساس فإن العصف الذهني ينمي في الفرد القدرة على الحلول الابداعية للمشكلات لأنه يأتي بالكثير من الحلول غير العادية من خلال طرح الكثير من الاراء من قبل مجموعة المشاركين في مدة قصيرة، وتقوم استراتيجية العصف الذهني على مبدأ إثارة الدافعية لدي المتعلمين للمشاركة في التصدي للمشكلة ،وتحفيزهم على توليد الأفكار التى يمكن أن تكون حلولا

للمشكلة، فتعد أسلوباً للتفكير الفردي أو الجماعي في حل المشكلات العلمية أو الحياتية المختلفة ،وزيادة كفاية القدرات والعمليات الابداعية.

ولقد عُرفت استراتيجية العصف الذهني بأنها: مجموعة من الاجراءات والاساليب التي تتخذ شكل العمل الجماعي التعاوني بمساعدة الطلبة وحثهم على المشاركة في التفكير لحل مشكلة ما، أو الإلمام بعناصر موضوع معين وتصلح لاداء أي مهمة فكرية أو تحصيلية يسهم فيها كل فرد من أفراد المجموعة بما لديه من أفكار بصرف النظر عن مدى صحتها أو خطئها أو ارتباطها بالموضوع المطروح.

وفي ضوء ما تقدم فإن هذه الاستراتيجية من الاستراتيجيات المعرفية التي تشجع على التفكير وزيادة فعالية العقل الانساني في حل المشكلات لذلك تعد من أشكال استراتيجيات حل المشكلات التي ترمي الى تنمية التفكير الابداعي القائم على وضع الذهن في أعلى درجات الفاعلية من أجل توليد أفكار جديدة وايجاد الحلول والأفكار المبتكرة الملائمة لمواجة المشكلات والقضايا التي تواجه المتعلم في مجالات الحياة المختلفة. كما أن استخدام هذه الإستراتيجية في التدريس يؤدي الى جودة التفاعل بين المعلمين والمتعلمين وبين المتعلمين أنفسهم، وتساعد على تنشيط العقل، وإشراقة الفكر، وتدفق المعلومات كمًا وكيفًا بطريقة أصيلة غير مألوفة.

وهناك مجموعة من المباديء والقواعد التي تستند اليها هذه الاستراتيجية ويجب مراعاتها في التدريس عند استخدامها هي: حرية التفكير ؛وتعني السماح لجميع الأفكار بالظهور واطلاق حرية الفكر بطرح كل الآراء مهما كان نوعها وذلك بأن يمنح كل طالب الحرية التامة لطرح كل آرائه وأفكاره. ثانياً: تأجيل النقد والتقويم؛ وتعني تأجيل أي نقد أو تقويم للافكار التى يطرحها الطلبة الى حين ظهور جميع الأفكار التى تدور فى أذهانهم لأن نقد الأفكار وتقويمها حال طرحها قد يمنع ولاده أفكار أخرى قد يكون من بينها الحل الأمثل للمشكله المطروحه. ثالثاً توفير مناخ وبيئه تعلم مناسبة تشجع على طرح المزيد من الافكار لأن كثره الأفكار المطروحه توفر فرصًا أفضل لاختيار الحل الأمثل من بين تلك الاراء. رابعاً: انتاج أكبر كم من الافكار؛ ويعنى الحرص على زياده كميه الأفكار المطروحه بصرف النظر عن نوعها لأن كم الأفكار يرفع نوعيتها إذ يرى اوزبورن أن الكم يولد الكيف مستندًا فى ذلك الى رأي المدرسه الترابطيه التى تعتبر الأفكار مرتبة فى شكل هرمي وأن اكثرها احتمالا للظهور هي الأفكار العاديه الشائعه والمألوفه. خامساً: التوحيد والتعميق والتحسين للأفكار المطروحه، أي اشراك المتعلمين فى تطوير أفكار زملائهم وأفكارهم للوصول الى حلول أكثر فاعلية وذلك عن طريق التوحيد والمزاوجه بين الأفكار التى يطرحها الطالب والأفكار التى يطرحها الاخرون وتشكيل فكرة جديدة من فكرتين أو أكثر قد تكون أفضل من الافكار الجزئيه التى تشكلت منها.

ومن ميزات استراتيجية العصف الذهني أنها: تنمي خصائص التفكير الابداعي كالمثابرة والاصالة والاستقلالية، وتشجع على التفكير الابداعي، وتثير البهجة والحيوية والنشاط لدى المتعلمين في الدرس، وتمنح الطلبة فرصةً للتعبير عن آرائهم وطرح أفكارهم، وتدربهم على احترام آراء الاخرين كما تعودهم على آداب المجالسة وعلى الاسلوب العلمي في المناقشة، وتنمي عندهم روح التعاون وحب العمل الجماعي، وتؤدي الى فهم الموضوع من جميع زواياه. أما تحديات استخدام استراتيجية العصف الذهني في الحصة الصفية فتكمن في نوعية الأفكار التي يطرحها الطلبة فقد لا تكون أصيلة لتسرعهم في طرحها، كم أن تنفيذها يتطلب خبرة وقدرة ادارية.

Ameeneh@live.com