أبواب - تالا أيوب

«أتلذذ بإيذاء نفسي عقابا لوالدتي، فعندما تمنعني من شيء أحبه كحرماني من هاتفي المحمول أو الذهاب مع صديقاتي وغيره (...) أقوم بخدش جسدي بخدوش تنزف قطرات دم، لأنني أعلم بأن ذلك يغضبها ويدفعها إلى العدول عن رأيها، فأنا ابنتها الوحيدة و محور حياتها».. بهذه الكلمات تصرّح رهام–اسم مستعار- ذات 16 عاما لـ «أبواب–الرأي» عن سبب لجوئها الى إيذاء جسدها.

ولا يقتصر اضطراب إيذاء النفس على الأطفال كأسلوب لابتزاز والديهم لتلبية ما يريدون، وإنما يتعدى الى الأكبر عمرا كأن يكونوا في فترة المراهقة مثلا، فيهددون آباءهم وأمهاتهم بإيذاء أجسادهم باستخدام أدوات حادة للضغط عليهم فينصاعون لطلباتهم، وفي المقابل هناك من يقوم بذلك سرا، فلا يعلم والداه عن اتخاذه هذه العادة، وان علما فإنهم يجهلان السبب وطريقة المعالجة».

تعبر والدة رهام التي رفضت الإفصاح عن اسمها عن شعورها عندما ترى ابنتها ،وهي تأخذ أداة حادة (سكين) مهددة إياها بإيذاء جسدها،ومن ثم تغلق غرفتها على نفسها: «أشعر بجسدي لا يحتمل ذلك المشهد فأقوم بالصراخ وأطلب منها العدول عمّا تنوي القيام به، فأبقى على باب غرفتها أطرقه راجية إياها الكف عن ذلك معلنة بأنني أرضخ لطلبها، ولكن ذلك لم يعد يطاق، أشعر بحالة خوف بشكل دائم من قيامها بأي تصرف يميتها وخصوصا أنني منفصلة عن زوجي وتواجهنا مشاكل أسرية».

وتشير فاتن حسين -وهي موظفة في احدى المؤسسات- الى أن الإنترنت ساهم جدا في انتشار هذه العادة بين الأبناء اذ يقلدون ما يرونه من المشاهير أو الممثلين أو من عامة الشعب الذين يشاركون غيرهم بفيديوهات تعود لهم وهم يؤذون أنفسهم بأدوات حادة،وهم يستمعون الى أغانٍ حزينة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو محاكاة ما تقوم به إحدى صديقاتها المقربات فإنه حقا تقليد أعمى».

يقول الدكتور عبد الرحمن مزهر -وهو استشاري الطب النفسي ومعالجة الإدمان-: «يلجأ بعض الأطفال في المرحلة الطفولة المتأخرة في الأغلب الى جرح ذواتهم في منطقة اليدين أو القدمين أو البطن، وعلى الأهل أن يتنبهوا عندما يرتدي ابنهم (أو ابنتهم) المراهق ما يخفي يديه أو قدميه طوال الوقت حتى في فصل الصيف؛ لأنه يعد مؤشرا الى وجود خطأ ما وعليهم التحرّي عن ذلك، وان اكتشفوا قيامه بإيذاء جسده فعليهم معرفة أن ثمة خطأ نفسيا لديه؛ لأنه في الوضع النفسي الطبيعي يخاف الشخص على ذاته ويحرص على سلامتها لا أن يجرحها».

ويلفت الى أن بعض المراهقين يتناولون مواد سامة، أو يتخذون عادة قضم أو قص الأظافر زيادة عن الحد الطبيعي، أو هوس نتف الشعر.

وهناك أسباب عديدة لقيام الأشخاص بإيذاء أنفسهم يذكرها مزهر: «من الممكن أن يعانوا من القلق والاكتئاب، أو أن يعانوا من المشاكل الذهانية كالفصام أو ما شابه، فهذه جميعها مؤشرات بأن هناك خللا نفسيا موجودا لدى الشخص الذي يقوم بإيذاء نفسه ولأجله يتم الإيذاء».

ويشير الى أن هناك نسبة من الأطفال اضطروا الى ايذاء أنفسهم كونهم تعرضوا لعنف جسدي أو جنسي، اذ كانوا من المُتَنمر عليهم. ويتابع: «من الممكن إيذاء نفسه لأن عقدة الذنب لديه عالية ويبدأ بجلد ذاته ،ويكون الصراع داخليا لديه ويشعر بأنه أقل شأناً من غيره ويقبل المهانة من غيره. وفي المراهقة فإن أحد أسباب ايذاء النفس هو تقليد الممثلين في الأفلام، أو أحد الشخصيات في الألعاب الإلكترونية».

ويلفت الى أن :»الشخص إذا كان لديه تشوّه في نظرته لنفسه ويشعر بأنه أقل من غيره فإنه يقبل المهانة من قِبَل الآخرين».ويشير مزهر إلى أنه :»إذا تكرر ايذاء النفس لدى الطفل، وبشكل ملحوظ فإنه مؤشر الى وجود مشكلة خطيرة».

ويلفت الى أنه إذا :»تم إيذاء النفس نتيجة مشكلة نفسية فإنها ستكون في السر أكثر مما تكون علناً لذلك يحاولون إخفاء الإيذاء، ويؤذون أنفسهم بأماكن مخفية كي لا تُلاحظ. ومن الممكن استخدام أظافرهم أو أدوات حادة مؤذية كالسكين أو الشفرة ويستخدمونها بكل أريحية».

ويبين سبب الراحة التي يشعر بها من يقوم بإيذاء نفسه: «عند جرح الشخص ذاته يُفرز هرمون أندروفين في جسمه وهو عبارة عن مخدّر طبيعي في الجسم وهو لا يؤدي الى الإدمان كالمواد المخدرة التي تدخل الجسم من المواد الإدمانية فيشعر نوعا ما بالراحة، ولكن المشكلة تكمن بأن هذا الإحساس يبقى لفترة بسيطة، وبالتالي يصبح الإدمان على تكرار العادة، وليس على الاندروفين، فيبقى يعيد التجربة من اجل الشعور بالراحة أو الهروب من الواقع». ويلفت الى أن ما يميز هذا الموضوع الشخصية الحديّة ،وهذه الشخصية تمتاز بها الفتيات أكثر من الذكور، وذلك يعد مؤشرا الى اضطراب في الشخصية، يقابلها في الذكور الشخصية المضادة للمجتمع.

ويتابع:»يجب ان يلاحظ الأهل بدقة، بأن ابنهم بدأ ينعزل وتختلف تصرفاته ونمط نشاطه الاجتماعي بدأ يتغير، وهنا يجب على الأهل أن لا يعنفوا أبناءهم بل يجب ان يفسحوا لهم المجال بالتحدث بأريحية عمّا يجول في خواطرهم وعن المشكلة التي يعاني منها وتُحلَّل، خوفا من أن تتطور، وخوفا من اللجوء الى المخدرات وغيرها (...)».

ويلفت إلى أن هذا الاضطراب تعاني منه الإناث بشكل أكبر من الذكور، لأن الأطفال الذكور من الممكن ان يتعاركوا وبالتالي يفرغون طاقاتهم بشكل أكبر، بالإضافة الى طبيعة اللعب العنيفة عند الأطفال. ويقول مزهر أن هناك دراسة بريطانية طبية مفادها: «بأن الفتيات في سن المراهقة أكثر عرضة للإيذاء الذاتي أكثر من الفتيان، والممارسة الخطيرة آخذة في الارتفاع،فقد استعرض الباحثون فى جامعة «مانشستر» البريطانية البيانات التي تم الحصول عليها من أكثر من 650 طبيبا ممارسا عاما فى المملكة المتحدة، حيث شملت هذه البيانات حالات أكثر من 9,000 مريض تراوحت أعمارهم ما بين 10 و19 عاما أصيبوا بأذى ذاتي بين عامي 2001 – 2016..

وقد تم مقارنة أولئك بأكثر من 170.000 طفل لم يصيبوا أنفسهم، مطابقين للمرحلة العمرية والجنس.وأشارت المتابعة إلى أن معدل الإيذاء البدني كان أعلى بثلاث مرات بين البنات مقارنة بالفتيان، كما ارتفع المعدل بنسبة 68% بين الفتيات في الفئة العمرية ما بين 13- 16 عاما فى الفترة من 2011 – 2016.

وكانت الإحالات إلى خدمات الصحة العقلية فى غضون 12 شهرا من الإيذاء الذاتي أقل احتمالا بنسبة 23% بين الأطفال المقيمين فى المناطق الفقيرة، على الرغم من أن معدلات الإيذاء الذاتي كانت أعلى فى هذه المناطق.

ويخلص مزهر الى أن العلاج يكون أكثر نجاحا عندما يُكتشف الخلل في مراحله المبكرة، ومن الممكن علاجه بمعرفة السبب، وهنا تختلف طرق العلاج وفق الحالة، وبالتالي يدعو الأهل الى اصطحاب ابنهم أو ابنتهم الى مختص لمتابعة الحالة النفسية عند ملاحظة اي خلل لديه، وكل انسان له وضع معين وفق مسبب حالته وأنواع الإيذاء تختلف شدتها وأنواعها وتختلف حسب الاضطرابات.