د.باسم الزعبي

دكتور الفلسفة والكاتب القصصي والمترجم للعديد من القصص عن الأدب الروسي «باسم الزعبي» قرأنا له هذه القصة المميزة من تأليفه في كتابه «الشمس تشرق غرباً» الصادر في عمان 2012.

الشاب عايد حارس المدرسة، إلتقيته بالصدفة لأسأله عن عنوان ما.. رحبَّ بي كثيرا وهبَّ بكل رحابة صدر لمساعدتي.. لا اعتقد انه افتعل ذلك حتى يبقيني لديه بعض الوقت ليثرثر معي.. بل انني كنت سعيدا عندما دعاني للجلوس والانتظار ريثما يفتح المركز أبوابه !.

كان عايد لبقاً وهو ما لفت انتباهي لشاب قادم من بلاد الجبال، كان وسيماً - ولم اعهد العيون الزيتونية الواسعة عند أهل تلك البلاد، لكأَن دماءً أوروبية تسري في عروقه، لكن حديثه اكد لي انه ابن تلك البلاد أباً عن جد كما يُقال.

قدم لي كوبا من الشاي الذي صنعه بنفسه.. احسست بالشاب العشريني وقد استأنس بي، وراح يسرد حكايته.

ما الذي يجعل شابا يترك بلدته البعيدة، ويأتي لعمان يعمل حارسا لمدرسة بنات؟!.

بالتأكيد لم يكن السبب هو الحاجة الى العمل!.

تركته يتكلم، وشردت فأفكاري..اعرف ضانا جيدا واعرف عمان التي اسكنها من عمر عايد نفسه.. اقارن بين حالتين متضادتين: هو يحمل عصاه بيده، وبندقيته على كتفه وشبريته على وسطه.. يسير خلف مواشيه في الجبال البعيدة.. لا يكسر المكان سوى حركة حيوان «البدن» السمين على الطور البعيد المقابل.. يعاين المكان.. انه لا يستطيع اطلاق النار عليه: لأنه سيسقط في الجرف! وعندها لن يستطيع الوصول اليه.. يتركه حتى ينزل الى عين الماء.. فيطلق عليه النار ليسقط قتيلاً.. ويسلخه في مكانه، ويحمله لحماً على حماره، ثم يستحم في عين الماء في بطن الوادي ويعود.

شدتني الصورة.. حسدته على حياته.. هو يتجول بين الجبال والاودية، يستمع الى بوح شجر العرعر، والصخور القببية و وشوشات الطيور الخجلى البريئة , لكن ما الذي جاء به الى عمان؟! أيشتري تعب البال براحة البال؟! سألته دون مواربة، فقال دون أن يقصد ان يسوِّق علَيَّ حكمة:

- لم تعجبني حياة القرية !.

- وماذا يعجبك في حياة المدينة؟! انك تكاد لا تبرح هذا المكان بسبب طبيعة عملك.. ثم اضفت مداعباً:

- ها.. يبدو انه لم يعجبك البدن في ضانا، فجئت تصطاد أبدان عمان؟!.

لم يضحك بل شرد بذهنه.. ولم أتيقن سبب شروده، هل لأنني كشفت دوافعه الحقيقة، أم لانه لم تعجبه مداعبتي؟! حرت بالمدرسة التي تبقي لديها حارساً شاباً أعزب، لكنه بعد صمت طويل عاد ليحدثني.

راح يسرد لي قصصاً عن تصديه للشباب الذين يأتون لمشاكسة البنات، والبنات اللواتي يحاولن مغافلة اهاليهن والتغيب عن المدرسة، وكأنه يحاول ان يبرر وجوده هنا.

في البداية لم أهتم كثيراً لكلامه، واعتبرته مجرد ثرثرة شخص يفتقد مؤنساً لكنه شدني في حديثه عن حياته في «ضانا» كنت شقياً، جاء ابي مرة دون انتظار، كانت ثلة الأنس معي، وكنت قد ذبحت نعجة وزربتها، قلت وقد أخذ مني الشرب مأخذاً.

- لماذا لم تخبرني مسبقاً كي أحسب حسابك ، ضحك اصحابي بوجل، استشاط ابي غضباً، رفع عصا اللوز الطويلة التي يحملها دوماً وانهال عليهم واحداً تلو الآخر، مزمجراً بالشتائم ولما تفرق الاصحاب في شعاب الوادي، اقترب مني وعيناه تحاكي جمر الموقد الذي صنعناه.

قال مشدداً على الكلمات: انت تخونني ايها النذل أهكذا تحفظ الامانة؟

افقت على نفسي في المستشفى، كدمات وآلام في كل بقعة من جسدي، جاء شرطيان حيياني وجلسا على كرسيين متجاورين قربي وسألني الملازم وهو يدّون على دفتر معه:

- هل تشتكي على أبيك؟!.

عندها فقط رحت استعيد الاحداث التي مرت بضبابية، عندما لفظ عبارة أبيك.. فتفجر الالم من اماكن عديدة من جسدي، تذكرت ابي ذلك الوجه الصحراوي الذي لوَّحته الشمس، كيف كان يذهب بالاغنام يستقبل طلوع الشمس ويبقى يؤانسها، حتى تتعب وتُلقي برأسها خلف الجبال، وتذكرته عندما كان يرجوني ان اذهب الى المدرسة: اقبل قدميك، ارجوك، تعلم، الحياة ليئمة اكثر مما تتخيل يا بني.

كم مرة ضربني لأنني تغيبت عن المدرسة، امسكني ذات يأس وقال بحزن:

اسمع يا بني لن أضيّع وقتي بالرجاء كي تذهب الى المدرسة، سوف تذهب للرعي، واضاف مؤكداً:

- الاغنام امانة في رقبتك، عليك ان تحميها وتحافظ عليها وتطعمها، انها كل حياتنا.

لم يلحظ نقص الاغنام في الشلية، لقد ذبحت قبل اسبوع نعجة وشويتها، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم.

قلت للشرطي مستنكراً: ابي؟ لا، ابي لم يضربني، لقد سقطت عن الطور وانا ألاحق البدن.

- عايد! لا تكذب، لقد اعترف ابوك وهو موقوف الان في السجن.

انتفضت مجدداً، وعضني الالم بأنيابه الحادة.

- لا يمكن ان أدع ابي يدخل السجن، لن ادعي عليه، حتى لو مزقني مثل ثوب قديم.

تخليت بعدها عن الشرب ، لم أعد ارى اصدقاء الأنس.. لكنني لم أعد ارغب بالرعي، قررت ان أرحل، اريد ان انسى حياتي الماضية، وكل ما يذكرني بها.

اعرف بعضا من اقاربي في عمان، وأذكر ان ابي يومها ركع ذارفاً الدموع:

- دعك يا ولدي، سوف تضيع هناك.. المدينة طاحونة، تطحن كل شيء دون رأفة.

ثم قدم لي عرضا: ابق معي واخطب لك عروساً.

لكنه أصر على الرحيل، لم يكن يبحث عن عروس، ولا عن حرية، ولا عن عمل مريح.

بصراحة لم أكن أتقبل كلام الاشخاص عن أنفسهم، كنت كما يقال: أرمي ثلاثة ارباع الكلام في البحر، فهناك دوافع مختلفة لأي شخص للحديث عن نفسه، وبأي صورة يجري الحديث، ولأنني كنت اشك في كل حياتي، رحت أوجه له اسئلة لعلي اكتشف دوافعه او قصته الحقيقية، فقلت مداعباً ولم يبتعد تفكيري انه جاء الى هنا فعلا تواقاً للحرية المطلقة:

- أمن المعقول انه لم يعجبك اي غزال من غزلان المدرسة؟ احتد عايد هنا، وتحولت نظراته اليّ من نظرات ودِ الى نظرات عدائية، واكتشفت كم كنت بعيداً عن ملامسة حقيقته فقال مشدداً على كلامه:

- ماذا تقول؟ انها أمانة.

ثم اشاح بوجهه عني معرضاً، وتوقف عن محادثتي، وأدركت عمق خطيئتي، وصار عليّ ان ارمم ثقته بي، وأنسحب من عالمه الذي اعتقدت للوهلة انه عالم ساذج وبسيط.