ابواب -غدير سالم

«أكره نفسي كثيراً ولا أثق بها أبداً وأكره كل من يتفوق وينجح أكثر مني ، ومن أكثر الشخصيات التي أكرهها في حياتي هي إبنة عمي لأنها متفوقة على جميع أقاربنا، ومشاعر الكره والحقد هذه سببها لي أهلي بسبب لجوئهم إلى المقارنة بيني وبينها على نحو دائم».

بهذه الكلمات وبحرقة وألم تحدثت سهى النجار - ثلاثون عاماً- عن تجربتها مع المقارنات بالغير وتأثيرها على حياتها.

وتابعت :«منذ صغري يقارنني أهلي بإبنة عمي كونها متفوقة دراسياً ودائماً تحصل على أعلى العلامات ، مقارناتهم كانت في أي وقت يعلمون أنها حصلت على علامة عالية أو شهادة تقدير، يقومون بتوبيخي والتقليل من شأني بأنني فاشلة ولست مثلها، هذه الكلمات التي كنت أسمعها على الدوام وحتى كبرت جعلتني أكرهها وأتجنبها رغم أنها لا تسيء لي، ولكن ما باليد حيلة فما قام به أهلي جعلني محبطة على الدوام وفاشلة كما وصفوني حتى تركت المدرسة وتزوجت صغيرة، و حاولت إخراج مشاعر الكره من داخلي لكنني لم أستطع غير أني أحاول أن أبعدها عن أبنائي حتى أجعلهم ناجحين ومتفوقين ولا أقرانهم إلا بذاتهم فقط».

ووفقاً لمستشار علم النفس التربوي الدكتور عاطف شواشرة فإن :«بناء شخصية الطفل من قبل الوالدين يجب أن تكون من خلال رفع تقدير الذات لديه ، وهناك نوعان من المقارنات التي يستخدمها الأهل في بيئتنا ،النوع الأول :هو المقارنات الإيجابية وهي مقارنة الأهل ابنهم بصفة إيجابية مع شخص آخر مثل أن يقول الأهل لإبنهم أنت رائع ومفكر مثل خالك أو عمك فيختار الأهل قدوة من قدوات المجتمع وهذا يجعل الطفل يتوجه في كل مشاعره وأحاسيسه تجاه هذه القدوة فيحبها ويزيد من تقليدها وهذا مطلوب ومحمود في تعليم الأخلاقيات وفي بناء القيم الإيجابية والمجتمعية السليمة ، أما النوع الثاني من المقارنات فهو المقارنات السلبية المنبوذة وهذه المقارنات هي نوع من المعايرة الإجتماعية التي يضعها الأهل كعراقيل في طريق سير نمو الطفل الصحيح».

وعن تأثير المقارنات على الطفل يقول الشواشرة :«إن النمو التربوي السليم يتطلب من الأهل الإبتعاد عن مثل هذه المقارنات لأنها تقلل من تقدير الذات لدى الطفل وتهدم مفهوم الذات لديه وتجعله سلبيا بصورة دونية ، وتخلق لديه انفعالات سلبية مثل الغيرة والغضب والحقد على الآخر، فهذا النموذج الذي يقارن به الطفل مقارنة سلبية يكون بالنسبة للطفل شيء مؤلم ومكروه وقد يقوده لنوعين من العنف ،النوع الأول :هو العنف الموجه للنموذج نفسه ،فقد يقوم الطفل بإيقاع الأذى على هذا النموذج أو على ممتلكاته أو التعبير عن غضبه واستيائه عن وجود هذا النموذج في حياته فيشكل لديه عقدة نفسية ، النوع الثاني من العنف او الآثار التي تترتب على المقارنة السلبية وهو إيذاء الذات واعلم شخصياً قصة أحد الشبان الذي تم مقارنته بشكل دائم مع ابن عمه وهو نموذج ناجح ويدرس في الجامعة بمعدل عال ، واستمر والده على مقارنته فيه حتى وجد ابنه منتحراً وتاركاً بقربه رسالة تبين أنه انتحر بسبب هذه المقارنة التي كانت على مدى سنين عمر هذا الشاب تشكل له عبئا وضغطا نفسيا كبيرا جداً».

ويضيف :«من الناحية التربوية انصح الأهل والمربين عموماً ومنهم المعلمين والمعلمات أن يبتعدوا عن هذه المقارنات وان يقوموا بمقارنة الطفل بنفسه ، بمعنى ان نقول للطفل أن علامتك كانت في الفصل الاول 70 وأصبحت في الفصل الثاني 80 لأنك درست واجتهدت ، فيصبح الطفل ينظر إلى ذاته كمحفز اساسي ودافع في الحياة عوضاً عن أن ياخذ دافعيته من الآخرين ومن الشعور بالتنافسية المقيتة والسلبية مع الآخرين ، فالتنافس مع الذات أمر إيجابي ويجعل الإنسان يتوقف ويرى نفسه كيف تتطور وتتغير وإلى أين وصل في تغيره وفي بنائه للحياة».

ووفقاً للتربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله فإن: «لكل شخص صفاته وطباعه التي تختلف عن غيره ، وكل فرد له درجات ذكاء معينة تختلف عن غيره أيضاً ، ولكن للأسف كثيراً من الأهل يقومون بالمقارنة بين الأبناء أو بين أبنائهم وأشخاص خارج العائلة ، وهدف الأهل من هذه المقارنة هو دفع أبنائهم للتفوق ، ولكن لا ننسى أن أطفالنا يختلفون أيضاً بقدراتهم الجسمية التي تجعل هناك فروقا في الإنجاز البدني لبعض المهمات وفروقا انفعالية وهذه الفروق تعتبر ظاهرة طبيعية وعلى الأهل أن يقتنعوا بها».

وعن مقارنة الأهل لأبنائهم بغيرهم تقول حرز الله :«تبدأ المقارنة في البداية من محيط الأسرة أي مقارنة الطفل بشقيقه أو شقيقته مثل « شقيقك كتب درسه لوحده وأنت تريد من يساعدك ، أو شقيقتك حصلت على علامات أعلى منك وغيرها الكثير، وعقب ذلك تتوسع الدائرة وتبدأ مقارنة الطفل مع الآخرين من خارج الأسرة مثل ابن عمك حصل على علامات أعلى منك ، إبن خالك كان من الأوائل ، بنت عمك خلصت جامعة ،وانتِ لا تزالين تعيدي التوجيهي ، أو ماذا ينقصك حتى تصبح الأول مثل إبن الجيران وغيرها الكثير».

أما عن سلبيات المقارنة بالآخرين تبين حرز الله :«نحن نعتقد في البداية أننا نقوم بتشجيع أبنائنا لكي يصلوا إلى درجة هؤلاء الأشخاص المميزين ،ولكن هناك آثارا سلبية تحدث نتيجة هذا الإجراء، ومنها عدم ثقة الطفل بذاته ،فهو مهما أنجز لن يصل إلى الأشخاص المقارن بهم ، عدا عن خلق الشعور بالدونية لدى الطفل يجعله يرى نفسه أقل من أقرانه ،وخاصة فيما يتعلق بالمقارنة الجسمية ، بالإضافة إلى توليد شعور اللامبالاة حيث يرى الطفل أنه لا فائدة من أي جهود يقوم به طالما يرى الوالدين بأن الآخرين أفضل منه ، عدا عن توليد مشاعر الحقد والكراهية تجاه الشخص المقارن به علماً بأن هذا الشخص لم يبدر منه أي سلوك تجاه الشخص الآخر حتى يكرهه ولكن كثرة المقارنة به تجعله يكرهه ويحاول الإنتقام منه لأنه نموذج مميز عند الأهل».

وأوضحت حرز الله طرق تحفيز الأبناء :«يجب تقدير مواهب الطفل على إختلاف أنواعها ودرجاتها مهما كانت سواء رسم ، لعب كرة ، ونبتعد قليلاً عن التفوق الأكاديمي ، يجب أيضاً تجنب الإلحاح للقيام ببعض المهمات فقط لأن غيره قام بها ، عدا عن جعل الطفل يقرر ماذا يريد ويتحمل مسؤولية ذلك ، وتعزيز أي نتائج يحصل عليها الطفل وتشجيعه بأنه سيحصل على الأفضل في المرات القادمة، ضرورة جعل المبدأ الأساسي مع الطفل النبوءة تحقق ذاتها، أي طالما يسمع الطفل من الأم باستمرار بأنه رائع وأنه يستطيع ولديه القدرات وأنه ذكي هذه جميعها تجعل الطفل يحقق ما قاله الأهل بهذه العبارات ، وللأسف كثير من الأهل يضع الحب شرطا لطاعة الطفل أي اعمل واجبك عشان احبك، انا بحبك لأنك أكلت أكلك، انت اليوم حبيبي لأنك جبت علامة كاملة، هنا يضع الأهل الحب مكافأة للطفل وهذا التصرف خاطىء، بل علينا تقبل أبنائنا مثلما هم وأن نحبهم ، فهذا يجعل من الطفل قادر أن يثبت نفسه دون مقارنته بأي شخص».

تقول لمى طالبة في الصف العاشر عن مقارنات أهلها لها مع توأمها وكيف تؤثر هذه المقارنة على نفسيتها :«لدي أخت توأم أحبها كثيراً ولكن بسبب المقارنات الكثيرة بأنها أجمل مني وذات قوام رشيق بدأت أكرهها، فدائماً امي تقول لي :أختك قوامها رشيق وانت سمينة ، وأختك تهتم بأمورها وتنجزها بشكل أسرع ، وغيرها الكثير من المقارنات حتى بدأت اكره نفسي قبل كرهي لأختي وأهلي أيضاً ، فرغم أني متفوقة في الدراسة وفي أمور أخرى ولكنهم لا يلقون لها بالاً ويركزون على أمور ثانوية هي مهمة بالنسبة لهم ، لذلك اكره تواجدي بالبيت وأحب دائماً أن أبقى بالمدرسة مع صديقاتي اللواتي يحفزنني دائماً على عدم سماع هذا الكلام ويحاولن دائماً جعلي أثق بذاتي أكثر».

يذكر أن دراسة كندية حديثة قام بها باحثون من جامعة تورنتو وجامعة ماكستر ونشرت في مجلة تنمية الطفل (journal Child Development)، أشارت إلى أن معاملة أحد الأطفال بشكل سلبي وتمييز طفل عن آخر لا ينعكس بالسلب على الطفل الذي يعامل بشكل سيء فقط، ولكن تمتد آثاره لبقية الأطفال في العائلة، ورصدت هذه الدراسة أيضا أن الآباء الذين يتعرضون لضغوط نفسية هم في الغالبية يميلون إلى معاملة الأطفال بشكل مختلف بعضهم عن بعض.