يوما بعد يوم تتسارع المؤشرات والرسائل الملتقطة من العاصمة الامريكية وكأنها في سباق مع الزمن لتؤكد ان الرئيس الاميركي «دونالد ترمب» ماض في جر بلاده ومعه العالم الى وضع في غاية الخطورة ، لا مخرج منه الا بالمواجهة العسكرية من عيار ثقيل جدا وعلى أكثر من جبهة اذا لزم الامر!

فخطوات « ترمب» ومساعيه العملية مستوحاة من شعار حملته الانتخابية « أميركا أولا» لتلائم واقعا أقرب الى توجهاته ونظرته لخريطة العالم الاقتصادية والسياسية ، التي أصابها الخلل ، برأيه ، بسبب تقاعس كل الرؤساء الاميركيون الذين سبقوه منذ عهد « دونالد ريغان «. فهل هي مجرد صدفة ان تزامنت توجهاته هذه مع استمرار الكشف عن مسلسل فضائحه الشخصية والانتخابية التي يعتقد خصومه الديمقراطيون والليبراليون انه كان لروسيا « الغريم التقليدي الاول لأميركا «دور محوري في حسمها لصالحه بطريقة لم يكن حتى «ترمب» وفريقه يحلم بها ؟

من هذه المؤشرات والدلائل العملية على سعي «ترمب» لخلق مسار أكثر سلاسة وملائمة لاسلوبه الخاص في ادراة دفة الحكم ، كما اعتاد ان يفعل في ادارة أعماله ومشاريعه الاستثمارية الكبيرة قبل ان يدخل البيت الابيض ، مسلسل التغييرات الجذرية المتكررة في مناصب حساسة ، خلال عام واحد ، في حكومته بشكل غير معهود في تاريخ أمريكا. فهو ما انفك يحيط نفسه بأشخاص يدينون له بالطاعة العمياء ويشاركونه في افكاره المتشددة. مما دفع الكثير من المحللين والليبراليين المخضرمين وبخاصة في الساحة الاميركية المعنية بالدرجة الاولى ، للتحذير من أن مغامرة الرئيس «جورج بوش» الهوجاء في العراق عام 2003 وحتى حرب فيتنام قبلها بربع قرن ، ستبدو كنزهة متعثرة مقارنة بما يعدنا به «ترمب» ، ما لم تحدث معجزة قبل ذلك!

يتصرف « ترمب» وكأنه أسير سعيد لوعوده الانتخابية والتي لم ينفذ منها الا الأسهل والأقل كلفة حتى الان وهو نقل سفارة بلاده في اسرئيل الى القدس المحتلة. اما باقي الوعود كبناء الجدار على الحدود مع المكسيك والغاء الاتفاق النووي مع ايران والانسحاب من اتفاقية المناخ الدولية واتفاقية التجارة الدولية وغيرها فهي برسم الترقب والتفاوض! ولأن «ترمب» يرى العالم بمنظار رجل الاعمال الناجح فهو يؤمن ان شعار « امريكا أولا « لن يتحول الى واقع الا اذا تغير الميزان التجاري مع شركاء اميركا الكبار في التجارة مثل الصين والاتحاد الاوروبي والمكسيك لصالح بلاده ، اضافة لبيع المزيد من الاسلحة المتطورة لبعض الدول الثرية التي تبحث بدورها عن ادوار تلائمها في بيئاتها المختلفة.

على الصعيد الدولي تتحكم بنظرة طاقم «ترمب» المتبدل دائما أفكار لا ينقصها الارتجال. ففي الشرق الاوسط تتصرف ادارة « ترمب» على كل الاصعدة وكأنها الوصي الشرعي الوحيد والوكيل الحصري المعتمد لمصالح اسرائيل وخططها المستقبلية في المنطقة. فبعد قرار نقل السفارة الذي يحمل رسالة رمزية حساسة مهمة أكثر من كونها خطوة عملية تغير الكثير على ارض الواقع ، تتبنى ادارة « ترمب» وجهة نظر اسرائيل بكل أبعادها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومن ايران وحزب الله التي تعتبرهما اسرائيل مصدر خطر وتهديد لتفوقها الاستراتيجي وهيمنتها في المنطقة.

أما في موضوع شبه الجزيرة الكورية الذي لا يقل تعقيدا فان فريق « ترمب» يؤمن بأن كوريا الشمالية بعلاقاتها العضوية مع الصين تشكل خطرا وتهديدا حقيقيا لمصالحها الاستراتيجية في تلك المنطقة. لذا لا بأس من محاولة احتواء هذا الخطر وحصره في اطاره المناسب بفرض العقوبات والتفاوض المباشر ان أمكن أولا ، ومن ثم بوسائل اخرى اذا لزم الامر. ولا يستبعد بعض المراقبين ان دخان الحرب التجارية المقبلة مع الصين هو جزء من محاولة احتواء تعاظم القوة الذرية لكوريا الشمالية!

اذا استمر تطور الاحداث على هذا النحو الذي تبشرنا به الرسائل الملتقطة من واشنطن هذه الايام الحاسمة فان التاريخ سيتحدث لعقود طويلة قادمة عن حقبة «الترمبية» ، والتي ستجعل من الحديث عن أهوال الشيوعية والامبريالية والنازية والتطرف الاسلامي مجرد قصص تسلية تتلى على الاطفال حين يأوون الى فراشهم!