أبواب - نداء الشناق

«ابني يكذب»، عبارة تتردد كثيرا على لسان الآباء والأمهات، وتعكس حالة قلق وخوف على مستقبل ابنائهم لما لهذه الآفة من تداعيات خطيرة على مستقبل الطفل حين يكبر، وهو ما يؤدي لفقدانه المصداقية في حياته العملية والاجتماعية وبالتالي يكون مصيره «مستقبل مظلم» كان يمكن استدراكه باتباع الطرق الصحيحة في تقويم هذا النهج، وانقاذ ما يمكن انقاذه.

وتقول سهام -وهي أم لطفلين -إن «ابني يكذب كثيرا، وقد لاحظت ذلك من خلال أقواله، ما ولد لدي شعورا بالهلع تجاهه، واضطرني للذهاب إلى مختصة نفسية، فاكتشفت من بين ثنايا كلماتها ان ما دفعه لذلك خشيته من تعرضه للعقاب في حال قال الحقيقة، ودون أن أشعر، وجدت أنني شريكة لما وصل اليه ابني، وعلى العكس قد أكون أنا السبب المباشر لهذه الصفة السلبية التي تتحكم في كلامة وسلوكة اليومي ما سيؤدي الى أن يصبح منبوذا من المجتمع».

وتضيف سهام: «بعدها لم أقم بمعاقبته، فأصبح يقول الحقيقة دون خوف أو تردد، لذلك انصح كل أم أن لاتعاقب ابنها مهما كان فعله، لانها بذلك التصرف تعلم ابنها الصدق، فالخوف من العقاب سبب رئيسي لكذب الأطفال، واذا استمر بالكذب سيصبح الكذب وسيلة له للهروب من مواجهة الحقيقة وبعدها سيصبح الامر أكثر تعقيدا عندما يكبر ويقول جميل البكر: «لاحظت أن ابني يكذب بشكل مستمر بالرغم من انني ووالدته لانعاقبة أبدا، ولكن اكتشفت ان ابني يكذب للحصول على ما يريد ولفت الانتباة إليه».

ويقول مستشار الطب النفسي الدكتور وليد السرحان: « إن أسباب الكذب لدى الطفل تتراوح بين محاولة إخفاء شيء إذ يتوقع أن قول الحقيقه يؤدي لمشاكل مع الكبار، وأحيانا لإضافة شيء من الإثارة والمتعة على القصة التي يسردها وللحصول على الاهتمام من المستمعين خصوصا من أقرانه، او أن يكون الكذب للحصول على أشياء يرغبها الطفل بشدة مثل أن يدعي انهاء واجباته المدرسية حتى يسمح له باللعب، وفي بعض الأحيان يستمتع الطفل بردة فعل المستمع لكذبه، ومع تقدم العمر والوصول للمراهقة يصبح الكذب موجه لإخفاء أمور كثيره عن الأسرة والمربين».

متى يبدأ الطفل بالكذب؟

يشير د. السرحان الى: «أن الطفل يبدأ بالكذب في حدود السنة الثالثة من العمر، ولكن بصوره بسيطة وغالبا ما يتوقف عندما يتم توجيهه إلى ان هذا خطأ ولا يجوز تكراره، اما في العمر بين الرابعة والسادسة يتطور الكذب ويكون لدى الأطفال قدره أكبر على حبك القصة، وإظهار تفاعل جسدي كتعابير الوجه، ومع دخول المدرسة يتطور الكذب لأشكال أكثر تعقيدا ودقة، وفي عمر الثامنة يتقن بعض الأطفال الكذب لدرجة أنه يصعب كشفه».

ويضيف د. السرحان: «أنه مع تطور إدراك الطفل يمكن التوضيح له ان الحقيقة يجب ان تقال حتى لو كانت صعبة، وأن الكذب خطأ، والغالبية العظمى من الأطفال تقبل بهذه الفكرة، وتطبقها مع بعض الهفوات التي قد تتطلب التذكير، ولا بد من تشجيع الطفل كلما اظهر الصدق وابتعد عن الكذب بالثناء عليه، وأما الغضب الشديد والصياح والتهديد فقد يؤدي للخوف دون تمييز، وقد يصبح الخوف سببا لمزيد من الكذب، ويمكن أن نقول للطفل بهدوء: إني أغضب عندما لا تقول الحقيقة وهذا فعّال».

ويوجه د. السرحان نصائح لتشجيع الطفل على الصدق فعندما يبدأ الطفل بسرد قصة غير صحيحة يتدخل ولي امره بالقول: إن هذه قصة حلوة، يمكن ان نعملها فيلما، دعنا نؤجله، وأخبرني بالحقيقة أو عندما تلاحظ ان الطفل قد سقط منه كوب الحليب وبدل البدء بالاستجواب والتحقيق المرعب، نقول: يبدو ان حادثاً قد وقع أدى الى سقوط الحليب دعنا ننظفه.

ويضيف أنه عندما يصارح الطفل انه قد فعل خطأ معينا، فالرد المناسب أن تشكره على صدقه وتوضح الخطأ بهدوء دون توبيخ ورعب أو استعمال الكتب والقصص لترسيخ مفهوم الصدق وفوائده عند الأطفال.

وينبه د. السرحان أنه لابد ان يكون المربون قدوة في الصدق، فلا فائدة من كل الجهد الذي يضيع عندما يكذب الكبار، حتى أن بعضهم يشرك الأطفال في الكذب.

ويبين د. السرحان انه عندما يتم اكتشاف ان الطفل يكذب، لابد من التوضيح للطفل بهدوء ان هذا خطأ ولن يصدق أحد في المستقبل ما يقوله، وأن يطلب من الطفل المساعدة في تنظيف الجدار الذي كتب عليه، وكذب بادعائه بأنه لم يفعل.

ويؤكد د. السرحان أنه لابد من الفصل بين الكذب ودوافعه، فاذا كان الكذب بهدف جلب الانتباه والشعور بالتميز، فلا بد من اعطائه الاهتمام والإنتباه في أمور كثيره، قد يتميز بها مهما كانت بسيطة، بحيث لا يكون مضطرا للكذب لهذا الغرض.

ويضيف أنه: «لا بد للمربي التحدث بهدوء والابتعاد عن العنف اللفظي والبدني، واقتصار العقوبات على الحجز والحرمان».

ويقول د. السرحان ان الكذب بعد السابعة من العمر الذي يترافق مع السرقة والعنف والعديد من السلوكيات الخاطئة، يكون قد وصل الى الاضطراب السلوكي الذي يتطلب مساعدة المختصين.

ويوضح السرحان أنه لابد أن يعرف الآباء والأمهات والمربون ان الكذب قد يكون ظاهرة عابرة بسيطة لا تتطلب الكثير من القلق، وقد يكون ظاهرة تتطلب التدخل والتعامل الصحيح معها، وأحيانا تكرار التعامل والتدخل، وقد تصل لمستويات من الانحراف السلوكي المرضي، وبالتالي ليس هناك إجابه واحدة تصلح لكل طفل يكذب.