افشل الارهابي ابو قصي الديراني، الاتفاق الذي كان توصّل اليه، أحد زعماء تنظيم جيش الاسلام «ابوهمّام» مع مركز حميميم الروسي للمصالحة، والذي (الاتفاق) أخذ طريقه الى التنفيذ وإن ببطء يدعو الى الريبة, جراء محاولات قادة هذا الفصيل الإرهابي شراء المزيد من الوقت والحصول على اقصى «تنازلات» ممكنة من الطرف الروسي (الذي يُنسِّق خطواته مع الحكومة السورية) وربما راهَن هؤلاء الارهابيون على إمكانية حدوث مُتغيِّرات اقليمية او دولية, تسمح لهم البقاء في خاصرة دمشق ، التي أوشكت على التعافي, بعد تطهير اكثر من 95% من مساحة الغوطة الشرقية, ولم يتبقَّ سوى مدينة دوما وبعض مزارعها في يد الفصيل الإرهابي, الذي راهنَت عليه عواصم اقليمية, راودَتها خيالات سقيمة بان مجاميع ارهابية زوّدتها بالمال والسلاح والعتاد والدعم الاعلامي والسياسي قادرة على اجتياح دمشق وإقامة امارة اسلاموية, تسمح بتنفيذ مخطَّط اسقاط الدولة السورية وتقسيمها على أُسس طائفية وعِرقية ونشر الفوضى في المنطقة بأسرها, وخصوصاً الشروع في تصفية القضية الفلسطينية, ومنح الشرعية لاسرائيل كي تغدو قائِدة المنطقة وكاتِبة جدول اعمالها, والمقرِّرة في رسم خرائطها الجيوسياسية والديموغرافية, على النحو الذي روّج له – وما يزال – بعض السذّج والهواة والمتواطِئين في المنطقة العربية وعلى تخومِها.

الإرهابي ابو قصي الديراني قاد انقلابا عسكريا ناجِزاً, اقصى فيه – بل قام بتصفية «ثلاثي الأَبوات» الذي فاوَض مركز المصالحة الروسي, وهم ابو همّام وابو عمر وابو علي، وأقدم في جرأة لافِتة ومريبة على «تحجيم» القائد العسكري للفصيل الإرهابي المُسمّى «جيش الإسلام»... عصام بويضاني, ما اعاد الامور الى نقطة الصفر وادّى بالتالي الى سقوط اتفاق الخامس من نيسان الجاري, الذي كان سيؤُسّس لمشهد جديد في محافظتي دمشق وريفها, ويطوي صفحة تمرّد الغوطة الشرقية التي كانت مثابة حصان طروادة لكل الذين داعبتهم أوهام إسقاط الدولة السورية, عبر اجتياح دمشق وإعلان «الامارة الاسلامية» فيها, على نحو يدفع للتساؤل عن السبب الذي يدعو إرهابيا مغامِرا كهذا المدعو ابو قصي, كي يُقفِل باب التسوية ويلجأ الى التصعيد العسكري, عبر قصف احياء دمشق بمدافع الهاون والصواريخ وترويع سكانها؟ ودفع الجيش السوري لحسم المعركة عسكريا, وهو غير راغب في ذلك, بهدف تجنيب «دوما» الخراب وحقناً لدماء أهاليها, الذين يتّخذهم ارهابيو جيش الاسلام رهائن ودروعا بشرية.

يمكِن والحال هذه.. وبخاصة امام السؤال الأهمّ وهو: على ماذا يُراهِن ارهابيو «دوما»؟ رَصد بعض ما بدأ داعمو جيش الإسلام, مِن دول الإقليم وإعلامِهم الكاذب, ترويجه عن «الغازات» الذي تُضرَب به «دوما», وعن حالات «الإختناق» التي تحصل هناك,يقوم بـِ»توثيقها» نشطاء «التنسيقيات», الامر الذي يشي بأن ضغوطا إعلامية ودبلوماسية وسياسية في طريقها الى البروز (بدأها البيت الأبيض قبل انتهاء عطلة عيد الفصح) كما يأمل الإرهابيون ان تدبّ حماسة مماثِلة في عواصم الغرب الاستعماري وبخاصة باريس ولندن, كي يعودوا للتلويح او التهديد بتوجيه «ضربة» للجيش العربي السوري وخصوصا قصف العاصمة دمشق, وهو احتمال ضعيف, والرهان عليه سيفشل. وبخاصة ان ضربة متخيَّلة أو مأمولة كهذه, لم تحدُث عند بدء معركة تحرير الغوطة الشرقية، ما بالك الآن, وقد باتت دمشق (والغوطة ايضاً) آمنة سوى... دوما؟.

قد يراهن هؤلاء السذّج على ما يتوفّرون عليه من «اوراق», يرونَها ذات قيمة, كورقة الاسرى والمُختطَفين الذين يحتجزونهم, ومنهم مدنيون وعمّال اختطفوهم اثناء غزوتهم لمدينة عدرا الصناعية, ومنهم ايضا جنود سوريون وقعوا اسرى في يد هؤلاء القتلة، وهي «ورقة» على أهميّتها, الا انها لن تكون في النهاية سبباً, يَحول دون وضع حدٍ لعربدة وإرهاب هذه العصابة الإجراميّة التي تسعى لفرض شروط «تعجيزية», يصعب بل يستحيل القبول بها, كونها تمنح شرعِية للإرهاب وتضع «جيش الاسلام» المزعوم, على قدم المساواة مع الجيش العربي السوري. وللمرء ان يتخيَّل حجم السذاجة والغباء الذي يتوفر عليه هؤلاء الإرهابيون, عندما «يُطالِبون» بان يبقى السلاح الثقيل والخفيف الذي يحوزونه الآن... في عُهدتِهم وعدم تسليمه للسلطة الشرعية، كما تمّ ذلك في «كُلّ» التسويات السابقة. وأحدثها ما جرى مع ارهابيّي «فيلق الرحمن» و»احرار الشام» وسط وجنوب الغوطة الشرقية مؤخراً. فضلا عن ان هؤلاء الاغبياء «يشترِطون» عدم دخول قوات النظام وأجهزته الأمنِية الى «دوما», ويطالِبون بضمانات «دولية» لذلك (..). فضلاً عن «شَرطِهم».. تعهُّد النظام ومركز المصالحة الروسي بـ»حقّ» هذا الفصيل الإرهابي بالعمل السياسي وحرِية الحركة داخل البلاد وخارجها في المرحلة المقبلة. اما عملية تسليم السلاح فيشتَرِط قادة العصابة الارهابية ان تكون «مُرتبِطة بالحل السياسي الشامل للازمة السورية». بالطبع (لا داعي لذكر «المليار دولار» التي بحوزتهم.. وفي شكل «نقدي»).

هل ثمة شكوك بأن قادة «الإنقلاب» الجدد في مدينة دوما, هم اقرب الى الانتحاريين الغارقون في جهل أمنِيّ وعمىً سياسي, لا يسمحان لهم برؤية ما يحدث حواليهم, وما غدَت عليه موازين القوى على الساحة السورية وفي الإقليم؟ وأنهم... لفرط غبائِهم, لم يُدرِكوا بعد, ان المُشغّلين والمُموّلين قد تخلّوا عنهم ولم يعودوا يعوّلوا عليهم كـَ»ورقة» في صراع إقليمي ضارٍ, يوشك على «التجدّد»ولكن بصيغة أُخرى, بعد ان تحقّقت هزيمة مشروعهم «السورِي», فيما هم يستعدّون لتدشين مرحلة جديدة من الصراع, ولكن هذه المرّة على «الجبهة» الفلسطينية, حيث يُراد تصفية حقوق وقضية الشعب الفلسطيني.

لكنهم.. عَبَثاً حاولوا وعَبَثاً.. يُحاوِلون.

kharroub@jpf.com.jo