العبادي: الوصاية الهاشمية على المقدسات في صلب العقيدة الإسلامية

من يستمع إلى ذوي الاختصاص وهم يعرضون تفاصيل النضالات التاريخية التي حمت المسجد الأقصى واستعادته من الصليبيين وحافظت على إسلاميته في وجه الخطط الصهيونية، يُدرك جيداً حجم الحاجة لتعميم المعلومات والحقائق التي لا يعرفها الكثيرون من الأجيال الجديدة، ففي تعميمها وترسيخها ضمانة إضافية إلى أن شعلة الصمود مستمرة مع تعاقب الأجيال ورغم كل ما يستجد.

بهذا المنطق يتحدث المهندس عبد الله العبادي مساعد أمين عام وزارة الأوقاف والشؤون المقدسات الإسلامية، مدير مديرية متابعة شؤون القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك، وهو يروي التفاصيل اليومية التي ينهض بها الأهل في القدس الشريف، وتعمل بها طواقم تصل إلى 900 موظف لدى وزارة الأوقاف ممن يتولون، على مدار الساعة، رعاية الأماكن المقدسة في القدس، ويحمونها من الاعتداءات شبه اليومية التي يقوم بها المتطرفون الإسرائيليون. فكل مئة متطرف يهودي يدخلون المسجد الأقصى يرافقهم ما بين 15 - 20 شرطياً إسرائيلياً، ويراقبهم عدد مماثل من موظفي وزارة الأوقاف الأردنية مكلفين بأمانة حماية المسجد الشريف.

من المطمئن كثيراً أن نسمع تفاصيل الإجراءات التي أفشلت المخططات الإسرائيلية بشأن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وهو ما يُطمئن المتخوفين من زخم المؤامرة على هذه المقدسات أن يكون هناك إيمان مطلق بأنها محمية برعاية الله ومن ثم بوصاية هاشمية، يستفيض المهندس العبادي في تبيان أنها وصاية عقائدية، في صلب العقيدة الإسلامية، منصوص عليها في الأحاديث النبوية الشريفة، وانها شرعة أزلية لا يؤثر فيها قرار من البيت الأبيض أو تشريع من الكنيست.

كثيرون منا لا يعرفون حجم ونوعية الحرب الناعمة التي خاضها الأردن لحماية المقدسات، في اليونسكو والأممم المتحدة، وكانت مكملة للانتفاضات الشعبية التي توالت منذ عشرينيات القرن الماضي،فهل لك أن تحدثنا عن هذه الحرب الناعمة؟

نعم فالغضب عادة ما يعكس ردات فعل عاصفة خاصة فيما يمس الأماكن المقدسة إسلامية كانت أم مسيحية، وبناء على ذلك ننجح في قرارات اليونسكو بشأن القدس، والحمد لله أننا نجحنا على مدار السنوات الماضية بإدخال تعبيرات في قرارات اليونسكو لم تكن موجودة في السابق منها حائط البراق.

عندما تصاعد الصراع على ملكية الأماكن المقدسة لدى محاولة اليهود الاقتراب من الحائط سنة 1929، عمت الثورة كل مدن فلسطين، مما دفع عصبة الأمم إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية سنة 1930، بهدف تحديد حقوق المسلمين واليهود في الحائط، وكانت اللجنة برئاسة وزير خارجية السويد، وعضوية نائب رئيس محكمة العدل الدولية، وهو سويسري الجنسية، قد استمعت اللجنة إلى وجهتي النظر، وخلصت في تقريرها الذي قدمته إلى عصبة الأمم في العام 1930، إلى ملكية المسلمين الخالصة لحائط البراق .

وقد حصل لاحقا ان دولة تناصر إسرائيل في اليونسكو طالبت بحذف كلمة البراق، لكننا رفضنا، لأن هذا الجدار اسمه حائط البراق، ما أود قوله ان دولا كثيرة في اليونسكو كشفت زيف سلطات الاحتلال، ما كان له الأثر الكبير على قرارات تم اتخاذها خلال السنوات الماضية.

أيضا دخل في أدبيات اليونسكو تعبير أن المسجد الأقصى المبارك والحرم القدسي الشريف بكامل مساحته هو للمسلمين فقط، وتم الاعتراف بهذا، وهذا ما لم يكن في السابق ،لذلك أقول إن الحركة على المستوى الثقافي من خلال اليونسكو التي هي المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم لها أهميتها الكبيرة جدا على المستوى السياسي.

وكما تعلمون فإن كل هذا الحراك الذي نخوضه، يتوازى مع تنشيط وتحفيز الحركة على الأرض بإعداد الأجيال القادمة وتربيتهم .

كيف تحقق قرار اللجنة التي شكلها مجلس العموم البريطاني من عدة دول بعد ثورة 1929 ،والذي قلتم انه انتهى إلى أن الحائط الغربي للمسجد الأقصى «حائط البراق» هو أحد حوائط المسجد الأقصى المبارك؟

نعم.. هذا ضروري للتاريخ وللأجيال أن تعرفه... موضوع حائط البراق صدر بقرار أممي من عصبة الأمم قبل إنشاء هيئة الأمم، وبموافقتها عندما حصلت ثورة البراق عام 1929، اللجنة التي ذهبت في ذلك الوقت شكلها مجلس العموم البريطاني من عدة دول ، قامت بإجراء تحقيق بعد ثورة البراق، وكشف أن الحائط الغربي للمسجد الأقصى وهو حائط البراق هو أحد حوائط المسجد الأقصى المبارك ،وبقرار أممي يتبع هذا الحائط للمسجد الأقصى وملكيته للمسلمين وحدهم، ووافقت عصبة الأمم المتحدة في الثلاثينيات من القرن الماضي على القرار، ومنذ ذلك الوقت طلب من المسلمين السماح لليهود فقط بالصلاة، في وقت كان فيه المسلمون ضعافا.

سمحوا لليهود بالصلاة على ان لا يستخدموا أي أدوات عبادة، الآن مع الاحتلال تجاوزوا إلى كل حارة المغاربة المتواجد فيها 155 منزلا و600 إنسان والتي هدمها موشي ديان في أول عمل قام به بعد حرب 1967، حيث دمر كل المنطقة لتصبح ساحة يصلي اليهود فيها، وهم الآن يحاولون الزحف قليلاً قليلاً على أجزاء أخرى من الحائط الغربي من المسجد الأقصى، فيما يدعى عندهم بالمبكى الصغير، وفي منطقة «حوش شهابي» وهو وقفي لعائلة شهابي، وموجود على الحائط الغربي للمسجد الأقصى في منتصف الجدار وليس على الطرف الجنوبي منه، يحاول اليهود القيام بعمل لتغيير وضعه التاريخي بالقوة، لكن الأوقاف تقف لهم بالمرصاد لتمنعهم القيام بعمل أي شيء مما يؤدي إلى حدوث مشاكل وبشكل يومي ما بين الأوقاف واليهود وسلطة الاحتلال، وما تزال السلطات حتى الآن تحاول عمل شيء جديد، حتى أن ساحة البراق التي هي مكان حارة المغاربة كلها أراض وقفية وفيها قواشين وسندات تسجيل موجودة لدينا وثابت ملكيتها أنها للأوقاف، لكن الإحتلال احتلها .

صادفت قبل أسابيع الذكرى الأليمة الـ 24 لمجزرة المسجد الإبراهيمي، حيث ما يزال الأقصى يتعرض إلى جولات متجددة من التحرش والانتهاك الإسرائيلي، وتهديد لحق الأذان فيه، مرفقاً باحتمالات وجود أجهزة تجسس وكاميرات، كما سبق وحذرتم، وكذلك بتواصل الحفريات تحته والتي تهدد أساسياته ، ماذا تم بهذه الأمور؟

لدينا في هذا الصدد موضوعان: الأول موضوع الحفريات، والثاني ما تحاول سلطات الاحتلال القيام به وهو موضوع آخر.

بالنسبة لموضوع الحفريات لدينا في اليونسكو لجنة وهي من أهم اللجان وتسمى لجنة التراث العالمي، تجتمع مرة في السنة، وهناك المجلس التنفيذي الذي يجتمع مرتين في السنة ، الأردن وفلسطين والمجموعة العربية، وبدعم من الأردن، يقومون بتحرك قوي في اليونسكو.. ولذلك فإن القرارات التي تخرج من اليونسكو تكشف سلطات الاحتلال وهذا له تأثير كبير جدا جدا على موضوع الحفريات .

لقد نجحنا بفضل الله بأن جعلنا اليونسكو تطالب سلطات الاحتلال السماح لها بتشكيل لجنة خاصة تزور المنطقة الموجودة حول الأقصى حتى يطلعوا على الحفريات التي تجري بجواره أو من أسفله، سلطات الاحتلال وافقت لليونسكو بزيارة اللجنة للمسجد الأقصى والاطلاع على الحفريات التي يقومون بها وهي كثيرة جداً.

لقد نزلنا أكثر من مرة إلى النفق الغربي وعلى الحفريات الموجودة غرب المسجد الأقصى بالذات، وفي سلوان هناك أنفاق باتجاه المسجد الأقصى مساحتها حوالي 600 متر على طول النفق، دخلناها وعرفنا أمورا كثيرة، وتحتاج للمتابعة .

أذكر في الليلة التي كانت ستحضر بها لجنة اليونسكو إلى القدس، قامت سلطات الاحتلال بمنعهم وأخبرتهم بأنه غير مرحب بهم. وكقوة احتلال كشفوا أمام اليونسكو وأمام العالم، فتأثرت اللجنة من قرار المنع .

دون شك هناك أثر كبير لموضوع حركتنا في اليونسكو عليهم. فنحن نقوم في كل سنة بعمل تقرير نقدمه لليونسكو يتضمن كل الانتهاكات الإسرائيلية خلال السنة، كما ويتضمن عملنا داخل الأقصى المحافظة على التراث العربي الإسلامي والإنساني الموجود في القدس.

أعود وأقول بأن الحفريات التي يقومون بها مقلقة ،وان كنا لا نخاف أو نخشى منها بالقدر الذي نخشاه مما يأتي خلفها من الروايات الصهيونية التي تتبعها ،مشكلتنا الآن مع الآثاريين في سلطات الاحتلال،فهم لا يوجهون دعوات لأشخاص موضوعيين حتى لو كانوا من الإسرائيليين ليدخلوا ويقوموا بعمل حفريات أثرية تكون نتائجها بشكل موضوعي. وللأسف ان الذي يعتمد الرواية الصهيونية المتطرفة من الآثاريين هو الذي يبقى لديهم ويعطوه المال، أما الآثاري الموضوعي الذي يتحدث بالرواية الصحيحة فلا يدعوه يعمل معهم ويطردوه من الموقع.

لقد وقفت في العام الماضي في الجهة الغربية من المسجد الأقصى مع آثاري إسرائيلي وهو بروفيسور تجاوز الــ 85 من عمره، وأخبرني بأن هذا الجدار أموي، وأعطاني الأدلة على ذلك، حتى أن الفخار الموجود في الجدران هي مواسير أموية، وهو أحد القصور الأموية الموجودة على أرض الأوقاف.

هذا العالم الإسرائيلي يتحدث بعلم وموضوعية لذلك تمنعه سلطات الإحتلال الدخول للمواقع الأثرية، ونجد ان من يسيطر على الآثاريين الإسرائيليين الذين يحفرون حول الأقصى وتحته هم من الجناح المتطرف الإسرائيلي، فمن يتحدث بروايتهم الصهيونية يدعوه يحفر، ومن يخالف روايتهم الصهيونية لا يدخل مواقع الحفر أبدا.

لذلك نحن لا نخشى من الحفريات كما قلت بقدر ما نخشى من الرواية التي تنتج عن هذه الحفريات والتزوير التاريخي الموجود والآثار العربية الإسلامية الموجودة في المنطقة محاولين تزويرها وطمسها ما يتفق ومصالحهم.

أما فيما يتعلق بمجزرة الحرم الإبراهيمي، فقد حاولت سلطات الإحتلال تطبيق ما جرى في الحرم الإبراهيمي في الخليل، عن طريق الإرهاب وقتل المصلين في صلاة الفجر في ذلك اليوم. وبعد ذلك قالوا بأنهم سيدخلون إلى الحرم، وبقوة السلاح استطاعوا الدخول... الآن الحرم الإبراهيمي أكثر من ثلثيه بيديهم، وفي أعيادهم يمنعون المسلمين الدخول إليه، فعندما دخلنا بكينا ونحن أمام حواجز من التفتيش وكاميرات وبوابات إلكترونية، وهم يحاولون الآن تطبيق ذلك ولو شيئاً فشيئاً في المسجد الأقصى المبارك. وما محاولتهم في شهر تموز الماضي عن طريق البوابات الالكترونية إلا من هذا القبيل.

البداية تكون بالبوابات الالكترونية ومن ثم يمنعون الناس من الدخول ، وبعد ذلك يدخلون في التقسيم المكاني الذي يريدونه حتى يسيطروا على جزء من الحرم وهكذا...

استراحة

ماذا بعد؟ أفهم وكأن المعاناة تتضاعف؟

نعم.. لكن الإيمان والعزيمة والصبر أقوى، والله مع الحق مهما طال الظلم، ومن يخلص للمسجد الأقصى يحفظه الله بالتوفيق وينصره. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا الصراع هو صراع قائم ما بين الخير والشر، لكنه غير دائم والنصر قادم إن شاء الله على أيدي جيل يحتاج إلى تربية من نوع خاص نساند وندعم ما تبقى لنا من أخوة في القدس يصل عددهم لـ 400 ألف مقدسي يجب دعمهم ومساندتهم، فهم المرابطون هناك... في القدس، ولا قنوط من رحمة الله، لإيماننا المطلق بقضيتنا وحقنا المغتصب.

وفي النهاية الخير والحق ينتصران مهما طال الزمن، ولن يطول بقاء الوضع على ما هو عليه في الأقصى وفي فلسطين مهما علت قوة الصهاينة العسكرية والتكنولوجية وهم في خوف دائم وثقة متزعزعة ورعب مستمر لقناعاتهم الذاتية جيلا بعد جيل أنهم سلبوا الحق من أصحابه.