دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

نستكمل في هذة الحلقة ذكريات يوسف قدري حفيد تحسين قدري والتي رصد فيها يومياته في سويسر

يوميات تحسين قدري:

عرف عن جدي أنه كان يعيش حياة منظمة بدقة، وله برنامج محدد يتبعه يوميا ولا يحيد عنه، لدرجة أن الأهل والأصدقاء كانوا يعرفونه ويحترمونه، ولا زلت أذكر تفاصيل برنامجه اليومي نظرا لالتزامه فيه:

الاستيقاظ يوميا في تمام الخامسة والنصف صباحا، ويمارس بعض التمارين الرياضية الخفيفة بغرفته الصغيرة ( 4 م × 3 م )، يأخذ حمامه «الدش» ثم يعود إلى فراشه للاستلقاء، وينهض ثانية من فراشه في تمام الساعة السابعة والنصف، ويقوم بحلاقة ذقنه ويتعطر، ويبقى مرتديا ملابس النوم ومن فوقها الروب، وإذا حدث وكان أحدنا عنده، يدفع له ببعض الفرنكات لشراء خبز الباكيت والكروسان الطازج من المخبز القريب، ثم يقوم بنفسه بتحضير الإفطار الفرنسي وأحيانا الإنجليزي، وحسب تعليمات طبيبه يتناول بيضتين فقط أسبوعيا يقوم جدي بشرائها طازجة من مزرعة قريبة ، ويقوم بقليها بالزبدة، وبعد تناول الإفطار يقوم بإعداد القهوة التركية بالهيل وبرغوتها الظاهرة، ويحتسيها بشرفة منزله مع تدخين سيجارة الكنت، وكان يطلق على هذه الفترة «كيف الصباح»، وفي التاسعة والنصف يسمع النشرة الإخبارية ويقرأ الرسائل الواردة إليه ويتصفح الصحف ويقوم بإجراء بعض المكالمات الهاتفية، ثم يرتدي بذلته والباينباغ والشفيه ويتعطر، ويأخذ قبعته والشمسية إذا كان الجو ماطرا، والعصا، ويتوجه إلى موقف الباص حيث كان يسير حوالي 300 متر، ليصل الباص في موعده تماما في الحادية عشرة والربع، ويتوجه إلى مركز لوزان «سان فرانسوا» حيث تستغرق الرحلة مدة سبع دقائق، يقوم جدي بعد نزوله من الباص بالسير لمدة ثلث ساعة بالمركز، يدخل إلى بعض المتاجر الصغيرة خاصة متاجر الشوكولا والحلويات، ويستمر في سيره ملقيا تحياته على جميع من يعرفونه خاصة الحسناوات العاملات في المحلات، واللواتي كم يعرفنه ب«الباشا» ويقدم لهن سجائر الكنت وحبات الشوكولا.

وفي تمام الساعة الثانية عشرة إلا ربعا ، يدخل مقهى « البيكال « وكان يطلق عليه « مقهى الطرف « ويلتقي هناك ببعض الأصدقاء العراقيين الذين ينتظرون لقائه يوميا عدا نهاية الأسبوع ، للاستمتاع برفقته وأحاديثه الشيقة ، وكان يطلب من مضيفة المقهى طلبه المعتاد ، فتفهم مباشرة أن ما يريده هو « قهوة الإسبريسو « ، وفي الساعة الواحدة إلا ربعا يعود بالباص إلى شقته لتناول الغذاء ، الذي كان يقوم بتحضيره الطباخ التركي الأسطى عثمان ، الذي كان يأتي لتحضير الطعام مرة أو مرتين أسبوعيا ، ويقوم بتحضير وجبات الطعام التركية التي يحبها مثل التورلي والمسقعة ومرق البطاطا والبورك واللحم بعجين ، وتكون محفوظة بالبراد ما يكفي لمدة أسبوع ، وكان جدي يقوم بتحضير التمن العراقي « الرزّ « العمبر أو البسمتي مع الزبدة ، ويحضر اللبن الرائب بنفسه كل أسبوع ، ويرشد الحاضرين إلى طريقة تحضيره ، وبعد الغذاء كان يلبس ملابس النوم ويأخذ قيلولة لمدة نصف ساعة فقط ، ويمضي الفترة ما بين الثانية والرابعة بعد الظهر كوقت خاص به يقضيه وحيدا لا يزعجه أحد بالاتصال به أو زيارته ، والجميع يعلمون بذلك ويحترمونه.

أما بعد الساعة الرابعة فكان جدي يحضرّ الشاي « الإيرل جراي « بالطريقة العراقية «التخدير» وبعدها يقضي بعض الوقت بزيارة الأصدقاء أو التنزه على شاطئ البحيرة القريبة ، أو يستقبل بعض الأصدقاء يتناولون وجبة العشاء معا ويتسامرون أو يشاهدون التلفاز ، ولم يكن جدي يحب السهر ، لذا كان يخلد إلى النوم ما بين الساعة العاشرة والعاشرة والنصف على الأكثر.

الذكريات الأخيرة:

أذكر أنه في ربيع عام 1982 م كان جدي مسافرا من جنيف إلى بغداد ، وقد حطت الطائرة في مطار عمان المدني «ماركا آنذاك» لمدة 45 دقيقة ، وفي تلك الفترة كنت أعمل مسئوولا بدائرة خدمات المطار ، فصعدت إلى الطائرة لمقابلته ، حيث فوجئ برؤيتي أمامه وهو جالس بمقعد الطائرة ، فنهض من مقعده وعانقني بحرارة وهو يحتضنني ، طلبت من المضيف المسئول أن يسمح له بالمشي حتى باب الطائرة ليستنشق هواء عمان العليل قبل إكمال سفره إلى بغداد حيث الجوّ الحار ، وكررت طلبي منه زيارة عمان حتى نقضي فيها الوقت الممتع لاستعادة ذكرياتنا ، إلا أنه كان يرد على دعوتي بشيىء من الحسرة والألم ويقول « « بوقت آخر إنشاءالله«.

وأذكر أن المرة الأخيرة التي قابلت فيها جدي كانت في شهر آب من عام 1982 م في شهر العسل مع عروستي وفاء ، حيث قررنا أن نقوم بزيارته في لوزان ، فحجز لنا غرفة عروسين ببنسيون قريب من سكنه ، حيث اعتاد أن يحجز لضيوفه في حال انشغال غرفة الضيوف في شقته الصغيرة ، وقد صادف حينها وجود جدتي القادمة من البصرة وعمتي « هند « القادمة من أمريكا في ضيافته ، فقضينا جميعا وقتا ممتعا معا ، حيث اصطحبنا جدي إلى مركز المدينة ومقهى الطرف « البيكال « لمقابلة أصدقائه ، الذين استقبلونا بحفاوة وترحيب كبيرين واحتفلوا بنا ، وستبقى ذكرى تلك الأيام الجميلة محفورة في قلوبنا أنا وزوجني إلى الأبد.

العودة إلى الوطن :

قرر جدي تحسين أن يعود نهائيا إلى بغداد ، وكان قرارا صعبا عارضه فيه كل من والدي وعمي وعماتي هند وسهاد وجدتي ، وذلك بسبب تدني مستوى الرعاية الصحية ببغداد تلك الأيام مقارنة بسويسرا ، إلا أنه أصر على قراره ، وكأنه كان يشعر بدنو أجله ، وأراد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في وطنه الذي أحب وخدمه بكل تفان وإخلاص.

بقيت على اتصال مستمر بجدي طوال فترة إقامته ببغداد ، وأذكر تماما تلك المكالمة الهاتفية معه بتاريخ 25 /4 / 1983 م حيث أخبرناه بأننا رزقنا بمولودة أسميناها « روان « وقلت له بأن المولود القادم سيكون ذكرا وسنسميه تحسين ، فقال لزوجتي: ( لا ، المولود الثاني أنثى أيضا « وبالفعل جاءت ابنتنا « مها « وعندما رزقنا بالمولود الثالث وكان ذكرا أسميناه باسم جدي « تحسين «.. تحسين قدري..!.

النهاية:

بدأت حالة جدي الصحية تتدهور أثناء إقامته ببغداد ، وبدأن أمراض الشيخوخة تغزو جسده ، ونظرا لضعف الرعاية الصحية توفاه الله في شهر تموز من عام 1986 م ، وكان بجواره عندما أسلم الروح جدتي ووالدي وعمتي سهاد ، وبناء على وصيته فقد تم تشييع جثمانه ودفنه في مدينة الزبير بمقبرة عائلة الزهير بجوار قبور أنسبائه من عوائل الزهير والقرطاس والفداغ ، وهي أسماء لعشائر وعوائل معروفة بالبصرة ، ومما حزّ في نفسي عدم تمكني أنا وأخوتي من حضور جنازة جدي بسبب ظروف الحرب العراقية – الإيرانية في ذلك الوقت ، إلا أن سيرته ستبقى خالدة في ذاكرة الوطن وذاكرة أهله وأصدقائه ، وكل من تعامل معهم في كل أنحاء العالم... )

هذه الشهادة الجميلة:

أنا شخصيا تأثرت بهذه الشهادة الحية التي بعثت صورة تحسين قدري من الورق إلى عيوننا وقدمته ببساطة مؤثرة.. هذا هو الرجل الذي قرأنا بخط يده ذاكرته في أول الزمن العربي، كل الشكر لحفيده يوسف قدري ، وستكون شهادة حفيده فيصل قدري هي خاتمة الحلقات ، وسنقدم معها ذاكرة تحسين قدري الفوتوغرافية التي يجب أن ترى النور مع الكتاب الذي يجب أن يصدر ويضم هذه المذكرات .. فإلى اللقاء في الحلقة الأخيرة من مذكرات تحسين قدري.