د.أمينه منصور الحطاب

كثيراً ما تتداخل الأفكار والحلول في رؤوسنا عندما نُفكّر في موضوع يشغل بالنا ويؤرق فؤدانا وغالباً ما ننحاز لفكرة معينة ونترك باقي الأفكار، ونحن بذلك نضيع على أنفسنا حلّاابتكاريا وإبداعيا للموضوع، وقد نلجأ إلى مجموعة عمل لنفكر في الموضوع لكننا نخشى أن تتحول الأمور إلى ضجيج وتداخل؛ لأن البعض قد يتعجل في طرح آراءه قبل أن يحين وقتها، لذلك نحن بحاجة لأداة واستراتيجية تساعدنا على رؤية الموضوع من زوايا مختلفة أثناء عملية التفكير؛ هذه الاستراتيجية صممها طبيب بريطاني يُدعى دي بونو وتسمى القبعات الست.

وتعد طريقة « القبعات الست للتفكير» من الأساليب الشائعة والشيقة لتنمية الإبداع وتحسين التفكير عموماً , وتقوم فكرتها على تقسيم التفكير إلى ستة أنماط , واعتبار كل نمط قُبعة يلبسها الإنسان أو يخلعها حسب طريقة تفكيره في تلك اللحظة، ولتسهيل الأمر فقد أعطى « دي بونو « لوناً مميزاً لكل قبعة لنستطيع تمييزه وحفظه بسهولة، وتُستخدم في طريقة تحليل تفكيرالمتحدثين بناءً على نوع القبعة التي يرتدونها. ويعتقد « دي بونو» أن هذه الطريقة تعطي الإنسان في وقت قصير قدرة كبيرة على أن يكون متفوقاً وناجحاً في المواقف العملية والشخصيةسواءً في نطاق العمل أو نطاق المنزل أو الدراسة, كما أنها تُحوّل المواقف السلبية إلى مواقف إيجابية, والمواقف الجامدة إلى مواقف مبدعة، وتعلمنا كيف ننسق العوامل المختلفة للوصول إلى الإبداع.

تقوم فكرة القُبّعات السِّت على تحديد مسار خطِّي للتفكير يتكون من (ست محطات) يعالج الفرد أو المجموعة في كل محطة منها جانبًا مُحدّدًا من جوانب الموضوع، وتُعبر كل قبعة – محددة بلون معين–عن محطة تفكير معينة، ولا بد من المرور بالقبعات الست جميعها دون إغفال أي منهما لأن التركيز في كل قبعة يكون على الجانب المحدد لها كما يمنع التداخل بينها، وتم اختيار القبعات لأننا نرتديها على الرأس الذي اعتبر مكاناً للتفكير، وفي الحقيقة إن القبعات التي نتحدث عنها ليست قبعات حقيقيةوإنّما قبعات معنوية نفسية, خيالية, وهمية، أي أن أحداً منا لن يرتدي أي قبعة حقيقية فهي ترمز للتفكير فقط، وكما أن لكل واحدة منها لون مختلف لها أيضاً أسلوب مختلف ومتفرد في التفكير؛ فعندما نضع واحدة من تلك القبعات فنحنُ بذلك سنوجه ونشغل تفكيرنا وفق ذاك النمط من التفكير المقرون بتلك القبعة، وعندما نخلع قبعة ونضع أخرىفنحن بذلك نغيير من أسلوب التفكير الذي تمليه القبعة الأولى إلى أسلوب آخر يناسب نمط تفكير القبعة الأخرى.. وهكذا.

القبعة الأولى هي: البيضاء وتشير إلى طريقة التفكير المحايد، وتُستخدم للتركيز على الحقائق المُجرّدة من العاطفة والمُدعّمة بالأرقام والإحصائيات, وذلك لجمع وسرد كافة المعلومات والحقائق المتعلقة بالموضوع , بلا تحليل أو إبداء رأي، والإجابة على هذه الأسئلة ( ماذا أعرف ؟ ماذا أريد أن أعرف ؟ وأين أجد المعلومات اللازمة ؟ )هذه القُبّعة أشبه بجهاز الكمبيوتر نُدخل بيانات لنأخذ بيانات أخرى.

القبعة الثانية: الحمراء وتعتمد على المشاعر والعواطف بالدرجة الأولى، لا رأي, لا معلومات, لا حقائق، و تُستخدم للتفكير في الجوانب العاطفية مثل وصف مشاعرك ومشاعر الأخرين حول الموضوع لكي تصبح العواطف جزءًا من عملية التفكير الكلية الشاملة للموضوع، ولكن ضمن المراقبة والملاحظة والضبط، والتفكير العاطفي عكس التفكير الحيادي القائم على الموضوعية فهو قائم على ما يكمن في العمق من عواطف ومشاعر، وكذلك يقوم على الحدس من حيث الفهم الخاطف أو الرؤية المفاجئة لموقف معين.

القبعة الثالثة: السوداء، ويرُمز لها باللون الأسود كناية عن السلبية والتشاؤم، وتُستخدم عند التفكير بالجوانب السلبية للموضوع, فهو من جهة تفكير منطقي ناقد ومن جهة أخرى سلبي متشائم وذلك لأخذ الحيطة والحذر من احتمالات فشل الموضوع أوالخسائر المترتبة، وتُعتبر هذه القُبّعة ذات سطوة فعالة, ومُكوّن هام من مكونات التفكير؛ فالدور الذي تلعبه هو الإشارة إلى أماكن الضعف والوهن في طريقة تفكيرنا, وتقودنا إلى التفكير بالمنطق والبحث عن المشكلات والمخاطر والتنبيه إلى الأخطاء التي قد تواجهنا, كما ترفع لنا علامات التحذير وتُبيّن كل ما قد يثير القلق وعدم الاستقرار.

القبعة الرابعة: الصفراء، وترمز إلى الأمل والتفاؤل وكل ماهو إيجابي ؛ فتفكير القبعة الصفراء يتراوح بين ما هومنطقي وعملي من جهة وما هو حالم وخيالي ومفيد من جهة أخرى، وتُستخدم هذه القبّعة عند البحث عن: الجوانب الإيجابية في الموضوع، وعوامل النجاح المتوفرة، والآمال والطموحات، والفوائد والأرباح، وهذا التفكير معاكس تماماً للتفكير السلبي (القبعة السوداء) ويعتمد على التقييم الإيجابي فقط ويترك السلبيات,وهنا تكمن مشكلة هذه القبعة إذ من الممكن أن نقع بالمشاكل التي تؤدي إلى عواقب وخيمة غير مرغوب بها.

القبعة الخامسة: الخضراء، ويذكرنا هذا اللون بالحقول والنمو والحياة والطبيعة الهائلة وإمكاناتها، وعندما نُفكّر من خلال اللون فنحنُ نتخذ من طبيعة الحياة مثالاً للتطور والتغيير لما لها من قدرةعلى التكاثر والازدهار، ويُرمَز هذا اللون إلى التفكير الابتكاري والإبداعي المنتج, وطرح البدائل المختلفة والأفكار الجديدة, والخروج عن الأفكار القديمة والمألوفة,وتوليد حلول للمشكلات المتوقعة، والبحث عن التميز الخاص، وله أهمية كبرى عن باقي أنواع التفكير، ولقد أُعطي اللون الأخضر تشبيهاً للون النبتة التي تبدأ صغيرة ثم تنمو وتكبر.

القبعة السادسة والأخيرة هي: الزرقاء التي تشير إلى لون السماء الأزرق الذي يغطي ويشمل كل مساحات الأرض، وتُطلُّ علينا من أعلى وتعني الهيمنة والتحكم بحكم موقعها، وهكذا هو التفكير الموجه الذي يعنى بالتحكم والسيطرة على التفكير ذاته، وتُستخدم هذه القُبّعة لتنظيم التفكير وضبطه؛ أي التحكم في سير عملية التفكير والنتائج التي وصلت اليها، ووضع خطة للعمل على الموضوع، واتخاذ القرار، وهذا النوع من التفكير يكون بمثابة الضابط والموجّه والمُرشد الذي يتحكم في توجيه أنواع التفكير الخمسة السابقة, وهو الذي يقرر متى يبدأ نوع التفكير ومتى ينتهي..

Ameeneh@live.com