د.سميح مسعود

سمعت بترجمة وديع البستاني لرباعيات الخيام قبل سنوات، وأخذت بالبحث عنها من قبيل اهتمامي بالشاعر الحيفاوي لبناني الأصل، لشخصيته الأثيرة ولعشقه لفلسطين وأهلها، ولم أعثر على أيّ دليل يشير إلى وجودها ضمن الكتب المعروضة للبيع في المكتبات العربية.

لكني حصلت على معلومات أثناء بحثي، تؤكد أن ترجمة البستاني هي أولى الترجمات الشعرية للرباعبات في القرن الماضي، فقد عرّب الرباعيات شعراً، كما عرّب شعراً أيضاً بعض أعمال الأساطير الهندية التي تتناقلها الأجيال. ولجودة ترجمته يرى بعض النقاد أنه قاد حركة الترجمة والتعريب على المستوى العربي في النصف الأول من القرن العشرين.

لم أكن أتوقع وقد دفعتْ بي الصدف في مطلع شهر شباط 2017 لزيارة المغرب كي أشهر الجزء الثالث من ثلاثيتي «البحث عن الجذور»، أنني سأحصل على نسخة قديمة من ترجمة البستاني لرباعيات الخيام في مدينة الدار البيضاء.

تجولت في تلك المدينة أثناء زيارتي لها، وتعرفت على معالمها، وذات يوم زرت سوق البحيرة أشهر وأقدم سوق للكتب القديمة والمستعملة في المغرب.. اجتاحتني السعادة لوجود سوق كبيرة لمثل هذه الكتب، يعتبرها المغاربة علامة مميزة في ذاكرة القراء.

تنقلت من مكتبة إلى أخرى مُستمتعاً بما تزخر به السوق من كُتب في مختلف مجالات المعرفة، وتوقفت مطولاً عند ثلاث مكتبات ضخمة: مكتبة «اقرأ» رقم 9 ومكتبة «النور» رقم 12 ومكتبة «البحيرة» رقم 4، وفي لحظة وجدتني أقف أمام بائع سبعيني في مكتبة صغيرة أسسها في ريعان شبابه.. تبادلت معه أطراف الحديث، وعلمت منه أنه قضى طيلة عمره في بيع الكتب القديمة، واستحضر في حديثه معي بشيء من التفصيل أسماء كتب نادرة باعها في السنين التي خلت.

أمضيت بعض الوقت وأنا أستمع إليه، ودهشت عندما قدم لي مجموعة من الكتب القديمة، شعرت بفرح عارم عندما رأيت بينها ترجمة وديع البستاني لرباعيات الخيام التي أبحث عنها، فاشتريتها مع كتب أخرى من نفائس الكتب القديمة، التي تمنيت اقتناءها منذ زمن طويل.

اجتاحني إحساس بالراحة وأنا أتصفح كتاب البستاني، صفحة تلو أخرى، بشغف كبير، وقرأته خلال فترة وجيزة، ووجدت ما فيه من أشعار باللغة العربية تشعّ بجاذبية خاصة، نفثها الشاعر الحيفاوي من يراعه، وتفوّق فيها على سواه من مترجمي الرباعيات.

أول ما لفت نظري في الكتاب، مقدمة بقلم الأديب المصري المعروف مصطفى لطفي المنفلوطي، كتبها في30 /12/1911، اتسمت بأسلوبه الرومنسي المعروف، عبّر فيها ببهجة جياشة عن تقديره لرباعيات عمر الخيام، وشبهها بـ «مرآة صاقية يتمثل فيها الكون بأرضه وسمائه، وليله ونهاره». وشكر في مقدمته وديع البستاني «للنعمة التي أسداها إلى أبناء الضاد بترجمة الرباعيات، ترجمة شعرية بديعة».

وقرأت مقدمة البستاني لكتابه، التي يعرّف فيها بعمر الخيام ورباعياته وفلسفته وشعره، ويقارنه بأبي علاء المعري مبيناً بصريح العبارة: «هنالك القائلون إن الرباعيات منسوجة على منوال اللزوميات، وإن الخيام تلميذ أبي العلاء في أفكاره، وخلفه في مبادئه وآرائه».

ويؤكد في هذا الجانب بقوله: «لا شك أن أوجه الشبه بين أقوال الرجلين كثيرة واضحة، ووجه الاحتمال جليّ ظاهر، فقد كان عمرٌ ضليعاً بالعربية وعلومها وآدابها، بل كان يؤلف وينظم فيها... ومن يقارن بين اللزوميات والرباعيات يرَ أن صاحب الأولى وصاحب الثانية يرميان إلى أغراض متقاربة متشابهة: فكلاهما يقول بخلع ثوب الرياء، واطراح البدع والترهات، وتحكيم العقل في أمور الدين؛ وكلاهما يدعو إلى الزهد في متاع الدنيا واحتقار حطامها، ويشدد النكير على ظلامها وطغامها؛ وكلاهما ألمع إلى النظرية المادية التي تناولها فلاسفة القرن التاسع عشر وعلماؤه وراحوا يؤيدونها بأبحاثهم واكتشافاتهم- وأقصد تلك النظرية المضمَّنة قول أبي العلاء:

والذي حارت البرية فيهِ

حيوانٌ مستحدَثٌ من جمادِ

وهي نفس النظرية الواردة على غاية ما يكون من الوضوح والجلاء في كثير من أقوال الخيام».

ولكي يثبت البستاني تمكُّن الخيام من اللغة العربية، أورد نمطاً من شعره بالعربية استهله بالبيتين التاليين:

«العقل يعجب في تصرفهِ ممن على الأيام يتّكلُ

فنوالها كالريح منقلبٌ ونعيمُها كالظل منتقلُ».

ثم توقف البستاني في مقدمة كتابه عند الرباعيات، موضحاً أن الخيام نظمها باللغة الفارسية، وأن بعضها مؤلف من أربع أشطر جميعها على قافية واحدة، وبعضها الآخر من أربعٍ أيضاً؛ الأولان والأخير على القافية نفسها، والثالث مستقل تماماً.

وبيّن في مجال رصده مخطوطات الرباعيات، أنها متعددة تتألف من أعداد مختلفة، كاشفاً أن عدد الرباعيات المنسوبة إلى عمر الخيام مما ورد في النسخ الخطية 1200، نحو 1040 منها مستقلة بمعناها بعض الاستقلال بحيث يمكن اعتبارها كرباعيات مختلفة، أما الرباعيات التي لا ريب ولا نزاع في نسبتها إليه فلا تنيف عن إحدى عشرة رباعية. وهي «التي أردفها باسمهِ مَن ذكَره من معاصريه في آثارهم الباقية حتى اليوم».

ويتابع البستاني رصد الرباعيات مؤكداً أن جزءاً منها ورد في دواوين غير الخيام من شعراء الفرس، خاصة في دواوين ثلاثة من كبارهم (حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار)، وتلقَّب بالرباعيات المتشردة. ويطرح البستاني تفسيرات لهذا الجانب المهم، يرجّح فيها كثرة الدخيل في رباعيات الخيام، لكنه يستدرك في هذا الشأن بالقول: «حسبنا من هذه الرباعيات أنها مجموعة خواطر شعرية، وسجِلّ أقوال فلسفية، نقرأها فيما نقرأ ونطالع من الأدبيات الفارسية؛ وحبذا لو كثر لدينا المنقول منها».

وكان البستاني اهتم في سنوات الصبا والشباب بالتعرف على الرباعيات باللغة الإنجليزية، واهتم بترجمة الشاعر الإنجليزي إدوارد فتزجرلد الذي ترجم رباعيات الخيام عام 1859 ونظمها في رباعيات إنجليزية خلدت اسمه في تاريخ الآداب الغربية، وبسببها سافر البستاني إلى لندن وبقي فيها فترة من الوقت تمكّن فيها من ترجمة الرباعيات إلى اللغة العربية معتمداً على ترجمة فتزجرلد.

ولا يقف جهد البستاني في حدود الترجمة، بل إنه يتجاوز ذلك نحو تغيير بنية الرباعيات وتركيبها لتظهر في سباعيات، نظمها شعراً وضمّنها في نشيدين قدّم وأخّر في ترتيبها متوخياً تسلسل الأفكار واتساقها، وقد تم له نظم مائة سباعية، عاد فحذف عشرين منها بإبعاد المكرر والدخيل منها، بعدها عاد من لندن إلى القاهرة، وقام بطبعها ونشرها في عام 1912 بين دفتي كتاب عنوانه «رباعيات الخيام الفلكي الشاعر الفيلسوف الفارسي».

وكمثال على ما ضمنه من شعر جميل في كتابه، أقدم إلى القارئ نص السباعية رقم 40 من النشيد الثاني:

«يا نديمي قد آن موت النديمِ

فاذكرّني ذكرَ الصديق القديمِ

وابكيَنّي بدمع بنت الكرومِ

وبكأس الرحيق قفْ فوق قبري

واسكب الخمرَ فوق عشبٍ وزهرِ

فرفاتي إذ ذاك زهرٌ وعشبٌ

وأنا الشيءُ كان كوناً وحالا».

وقد لاقى الكتاب قبولاً كبيراً في الأوساط الأدبية العربية، مما شجع شاعرنا الكبير على الاهتمام بالترجمة والتعريب، فسافر إلى الهند في عام 1912وأقام فيها عامين، تعرف خلالها على الشاعر الهندي الشهير طاغور، وأقام بضيافته وترجم له مجموعة شعرية من مجموعته الغزلية في صور شعر منظوم ونثر وتعليقات كثيرة أطلق عليها اسم «البستاني»، كما ترجم مجموعة من الآثار والملاحم الهندية الخالدة، نظمها شعراً في حوالي عشرة آلاف بيت. ليعدّ البستاني بذلك رائداً من رواد الترجمة والتعريب في الدول العربية.