د. السيد نجم *

قد يظن المرء من اﻹطلالة الأولى على عنوان هذا الكتاب، أنه عنوان كتاب متخصص وموجّه ﺇلى الخاصة في السرد أو الحكي الروائي. لكنه سرعان ما يشعر بجرعة ثقافية عامة، توضَع بين أيدي رواد النقد والفكر والرواية بعامة، ثم العامة من القرّاء، ويتم عرضها ببساطةٍ وحبٍّ، ممزوجَةً بنصّ روائي ما.

يتناول الكتاب القصةَ القصيرة والرواية في الأردن، إذ تخيّر الكاتب العراقي المقيم في مصر عذاب الركابي، أعمالاً سردية لعددٍ من الكتّاب ينتمون إلى أجيال متفاوتة. وهم: بشرى أبو شرار، مجدولين أبوالرب، صبحي فحماوي، هزاع البراري وجعفر العقيلي.

ومن الأقوال اللافتة التي يقدّم بها الركابي كتابه ويمزجها بالنصوص بأسلوب يعمّق من رؤيته ويزكّيها في تناوله النقدي:

•«الأرواح المعذَّبة تتعارف إحداها ﺇلى الأخرى». باولو كويلهو.

•«الكتابة لحظة حياة ﺇنسانية». لوكليزيو.

•«كل جهد الروائي هو عملية سكب الذات، أو بمعنى أعمق، سكب حياة الأديب في الشخصية التي يخلقها». ت. س. إليوت.

أما النصوص التي يتناولها الركابي بالتحليل والفحص، فمنها: مجموعة قصص «من يوميات الحزن العادي» لبشرى أبو شرار، والتي يراها الكاتب قصصاً ذاتية توحدت من ذوات الآخرين عبر الهوية الضائعة والمعاناة، فتحكي وطن الشتات، والبحث عن موطئ قدم. وهي تبدو فنياً، قصصاً بروح الرواية، بل يؤكد الركابي أنها رواية في فصول، وتتشكل على الذكرى، والحنين، والغربة، وقضية الشعب الفلسطيني وتاريخه.

أما الكتاب التالي، فهو مجموعة «ضيوف ثقال الظل» لجعفر العقيلي. وكما يرى الركابي فإن هذه القصص تمثل الواقع المعيش مكتوباً بلغة الفنتازيا الموسيقية والشاعرية الدافئة. وفيها يمتزج السرد والرسم معاً عبر ما يسمى «الصورة- المشهد». وترمز القصص لحالة التشظي أو التفتت والتهدم الروحي التي يعيشها: «كان لا بد أن أتخلص من أولئك الكثيرين الذين أعرفهم، وأطردهم من أوراقي التي يسكنونها رغماً عني منذ سنين».

ويقول الركابي إن قصص «الرجوع الأخير» لمجدولين أبوالرب، هي قصص الواقع وحكايات الناس الذين غابت الشمس عن بيوتهم، فاستبدلوا بها شمس البوح. وفي تلك المجموعة يبرز الواقع الحياتي ممزوجاً بالفنتازيا: «منذ ما يقارب السنتين وأنا أعيش مع صوت الفانتاز وصراخ العجوز عندما تصيبها حالات غريبة، فتفتح النافذة، وأصرخ بأعلى صوتها: أنقذوني.. النجدة».

وفي معرض تناوله لرواية «شهب من وادي رم» لبشرى أبوشرار، يصف الركابي هذا النص السردي بأنه «نزيف عين حيرى لا تنام»، وبأنه رواية التراجيديا الفلسطينية، وقصيدة غزل في المكان، ورحلة سفر لا تهدأ من الرحيل للعودة»: «تتحسس بكفّ يدها أعشاباً برية، وتعود تفرك أوراق (الملّيسة) تقرّبها من فتحة أنفها لتأخذ نفساً عميقاً ملءَ رئتيها، حيث يظهر لها الطريق الرملي لمدرسة الراهبات».

وفي رواية «على باب الهوى» لصبحي فحماوي»، يتوقف الركابي عند الراوي بطل الرواية والذي يوجز دلالات كثيرة فيها: «الراوى (خليل) المواطن الحالم أبداً بوطن يدين بالحرية، كي يتصدر كتب التاريخ وإنسكلوبيديا الحياة، بأبجديةٍ فسفورُ حروفها يقهر الحجر ويهزم الزمن! وهو يجد نفسه طيراً ملائكيا (سندباد عربي فلسطيني)».

أما «أعالي الخوف» لهزاع البراري، فهي بحسب الركابي رواية مشاهد! شخصيات تكتب نفسها، وتتوالى فيها صور البورتريهات التي يمكن قراءاتها بمشاعر مختلفة. إنها رواية واقعية بشخصيات حقيقية، ينوء بأعبائها الروائي.

كتب الركابي في توطئة كتابه «إيقاعات سردية»: «اﻹبداع لا شكل له، ولحظة اﻹيحاء التعبيري الجمالي، تأخذ لدى المبدعين أشكالاً لا سيطرة لهم على براكينها وهي تتفجر». واستشهد المؤلف في القسم الأول (القصة القصيرة)، بمقولة كارلوس فوينس: «الكتابة القصصية عندي هي حكم الهوى، تولد من صرخة تقول: أنا النقصان، أكملني، احتوِني، اجعلني ﺇضافة».

وفي القسم الثاني (الرواية)، يستشهد بمقولات لرواد الرواية، ومنها:

• «الرواية هي التي تفحص البعد التاريخي للوجود اﻹنساني». ميلان كونديرا.

•«كل كتابة ﺇبداعية حلم! أنا أحاول أن أنقل الحلم فحسب». بورخيس.

هذا الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان (2018)، يعبّر في شكله ومضمونه عن نزعة عذاب الركابي لملاحقة اﻹبداع العربي من قصة ورواية، وﺇن خصّ هنا أدباء الأردن، ولعلّ من المجدي للباحثين وراغبي التعرف إلى القصّ العربي بالأردن العودة إلى هذا الكتاب.

يُذكر أن الركابي كاتب وشاعر، وُلد بالعراق عام 1950، عمل محرراً في الصحافة العراقية والليبية وصحيفة «الزمان» اللندنية، ويعدّ صاحب أول تجربة «هايكو» عربي ونشر فيه ثلاثة كتب، وله أكثر من عشرين كتاباً في الشعر والنقد، وهو يقيم في الإسكندرية منذ سنوات.

•كاتب مصري