جميلة عمايرة

إلى د.ياسر ريان

مصدوماً قفز سليماني من مكانه لا يعرف وجهته بعد أن حدث ما حدث.

يتذكر الأمر بصورة باهتة وغير واضحة تماماً في ذهنه، كأنما هو نفسه كان في مكان ناءٍ وقَصِيّ، مكان مرت الحياةُ من جانبة خلسة. الصورة المتبقية في ذاكرته المشوشة الآن متناثرة ومتقطعة الأجزاء، ويتوجب لملمتها جزءاً جزءاً، وإعادة تركيبها ووصلها بهدوء وبذهن صافٍ تماماً. أي، بمفهوم سليماني ورؤيته، العودة إلى نقطة البداية: حينما دق الباب.

يسترجع الآن أن آخر ما تمكّن من سماعه، وسط الأصوات الضاجة والغاضبة، صوتُ صرخة في وجهه، بينما يدان قويتان تدفعانه بعنف من ظهره «الباب يلّي بجيبلك الريح سِدُّه واستريح يا ابن الحرام»، فأطلق ساقيه للريح بلا وجهة معينة، إلى أن وجد نفسه في الطريق العام يلهث بأنفاس متقطعة وكأنه في سباق رياضي.

لا يعرف سليماني الوقت «المستقطع» الذي استغرقه الطريق العام إلى أن تمكن من التقاط أنفاسه ثانيةً: أحذ يرتب هندامه، وحين أراد تزرير قميصه وجد زراً ناقصاً. لا بد أنه فقده هناك. فكر. أشعل سيجارة بهدوء، وبخطوات بطيئة سار من جديد والصدمة تعقد لسانه. وبحسب مفهوم سليماني ورؤيته، فهذا يعني أنه أُخذ على حين غرة، وبلا سابق توقُّع لاحتمالات سيئة تجيء في أشد حالاته تشاؤماً.

لم ينتبه لشخص محدد (قد يكون من معارفه، ربما جار من جيرانه، أو زميل من زملاء العمل، أو رجل لم يسبق له معرفته ساقه حظُّه بالمشي في هذا التوقيت تماماً، صادف توقيت سليماني) وقد طرح عليه التحية. التحية التي بقيت معلّقة في الفضاء تتأرجح بلا رد أو إيماءة خفيفة صامتة، ودون أن ينتبه، حتى وصل بيته.

حينها تمنّى لو أنه لم يصل. وبقي ماشياً حزيناً وتائهاً كالمسرنم إلى أن يصحو ويتمكن ثانية من استعادة ما حدث بتفاصيله القليلة الحاضرة، وتلك الغائبة عنه، أو المغيبة حتى اللحظة عن ذهنه المثقل والمشوش.

أجل. ودَّ من أعماقه لو بقي ماشياً في درب يتسع ويمتد دون أن يضيق أو ينتهي، حتى لو كان ضيقاً ومتعرجاً ولا يصلح للسير الآدمي إلّا بمشقة، ما يعني بحسب رؤية سليماني ومفهومه تماماً كطرقات مدينته التي تخلو من أرصفة للمشاة! لحظتها تمنّى لو أنه لم يعُدْ، وبقي عند صديقه، إذ وجد نفسه حالَ وصوله قد أصبح حديث الحارة قبل الجارة في زمن ضوئي!

لا يدري كيف بلغهم ما حدث. وهذا لم يستدعِ توقفه: يدرك أن كل الأشياء مآلها الوصول، سواء بوقتها أو متأخرة، لكن في زمننا هذا زمن ثورة الاتصالات، تصل بسرعة الضوء.

ليس هناك ما يخفيه أو يخشى منه (لا قدّر الله)، لكن ما أحزنه أنّ خبرَ ما حدث وصل مخالفاً لحقيقته ومسيئاً. ليس هذا فقط، بل كان بعيداً جداً عن جوهره، ولا يمتّ له بصلة، ولا يدري مَن نقله مشوهاً وملفقاً، وقبل وصوله باب بيته!

ثمة تشويه متعمَّد يستهدف شخصه للنيل من سمعته. أدرك سليماني هذا الآن. تشويه ربما بهدف محوهِ من الوجود تماماً: أيْ قتله! ليس هذا فقط؛ فالأمر لا يتوقف عنده، بل يتعداه إلى جوهر الأشياء حين حدوثها، إلى حقيقها المجردة الأولى تماماً بلا زيادة أو نقصان، بلا اختلاقات وتحريفات، بلا أهواء أو رغبات، بحبٍّ خالص دون تشويه للحقيقة. الحقيقة بمفهومها المجرد وكما هي: صافية وبسيطة!

***

منذ أوائل الصباح، أي منذ أن نهض من سريره، وأعدَّ قهوته «المحوجة»، وفكر بالأمر ملياً، قرر زيارة صديقه لتهنئته بنجاح ابنه في» التوجيهي»، وحصوله على معدل «جيد» ربما يؤهله للدخول في واحدة من الجامعات الحكومية. أي بمفهوم سليماني ورؤيته، قرر مواجهة صديقه بالأمر وقد طال وتشعّب وصار له تبعات سيئة طالت عالم سليماني كله وبدأت تؤثر على أسرته!

قرر القيام بهذه الزيارة. الزيارة التي تأخرت كثيراً عن موعدها لأسباب تعود بالدرجة الأولى لسليماني نفسه. هو وحده من يتحمل نتائجها. لذا، عزم على تنفيذها هذا الصباح ومواجهة صديقه بالأمر! التذرع بأنه لم يكن في «البلد» عند صدور النتائج، وانشغاله بأمور عائلية استنفدت وقته وجهده، ليس السبب الوجيه لعدم تهنئة صديقه بالمناسبة.

ثمّة سبب لا يدركه سوى سليماني نفسه، ولم يتوقف عنده كثيراً في بداية الأمر. أعني، وحسب رؤية سليماني ومفهومه، لقد شعر حقاً بالسعادة والغبطة لوقوفه إلى جانب صديقه -فالصديق وقت الشدة والضيق-، ولم تذهب به الظنون السيئة بعيداً، لذا لم يكن هناك ما يزعجه أو يقلقه، وفي النهاية لم يكن هناك من مبرر لأن يبوح به لأحد، حتى لزوجته! فالأمر بحسبه، تحت سيطرته، أو هذا ما كان يعتقده.

منذ زمن جاءه صديقه لأسباب يتعذر عرضها أمام الجميع، وطلب منه مبلغاً لحاجة ملحّة طارئة.

يحدث هذا كل يوم. فالمسألة لا تستدعي القلق. حينها استعانَ سليماني بمسؤول صندوق الادخار في الشركة ورجاه سحب المبلغ، ملتزماً بسداد القسط نهاية كلّ شهر.

استجاب مسؤول الصندوق لطلبه، فهو يعرفه جيداً، وسبق أن اختبره في مواقف مالية عديدة فلم يخيِّب ظنه مرة واحدة. لا، لم يحدث هذا قط، ولم يسجَّل في ملف سليماني عبر خدمته الطويله في المعمل أمر «مشين»، بل تتوفر في شخصه كل النزاهة والحرص بتقييد كل فلس ورد للمعمل. وهكذا سهل له الأمر، وقام بسحب خمسة آلاف دينار أودعها حسابه في اليوم التالي. فعلَ هذا من أجل نجدة صديقه الذي وعده بدفع قيمة القسط الشهري، الذي سيُحسَم من راتب سليماني، دون أن يتأثر وضع الصديق المادي أو يهتز.

موقف يحدث كثيراً بين الاصدقاء.

لكن ما حدث بعد ذلك كان بعيداً جداً عمّا اتفق عليه الصديقان!

الآن، أيْ في هذه اللحظات التي يجلس خلالها سليماني في بيت صديقه، كان الأخير قد امتنع عن تسديد أيّ قسط من الأقساط! أدار قلبه قبل كتفيه، وترك سليماني وحيداً في العراء!

لم يغضب سليماني ولم يتخذ موقفاً في بداية الأمر. لا، لم يغضب ولم يسأل صديقه عن السبب في عدم التزامه بوعده. عن تركه وحيداً بظهر مكشوف، فالصديق «أخ لك لم تلده أمك» بحسب رؤية سليمان ومفهومه! لذلك لم يغضب ولم تَنْتَبْهُ الأفكار السيئة. لم يُخبر أحداً عن الحكاية، حتى إنه أخفاها عن زوجته! فالحكاية كانت آخر همومه ولم تشغل تفكيره آنذاك، لذا لم يغضب، بل ظل مطمئناً لصديقه واثقاً به الثقة كلها!

ذات يوم اضطر سليماني أن يسأل بخجل:

«أين الالتزام؟ ألم تُفرَج معك؟ أنت تعلم ظروفي جيداً يا صديقي».

فما كان من الصديق سوى أن ابتسم قائلاً (يدرك سليماني الآن، ومتأخراً جداً، أنها ابتسامة صفراء مزيفة):

«لا تقلق. في نهاية الأمر سأدفع لك المبلغ كاملاً. أين سأفرّ؟ ها أنا بالجوار ولن أختفي!».

رغم مرور أكثر من عام، وها حَلَّ منتصف العام الثاني، لم يدفع الصديق قسطاً واحداً حتى يوم الناس هذا. رغم علمه أن سليمان وحده مَن يُحسَم من راتبه قيمة القسط نهاية كل شهر، فيحتفظ بنسخة الإيصال ويرسل صورة له، إلاّ أنه لم يحرك ساكناً. أيْ، وبحسب رؤية سليماني ومفهومه: «لم يأبه بالأمر»، إذ لم يتغير الوضع المالي الحرج الذي وقع به سليمان، ويجد نفسه عاجزاً عن تلبية التزامات عدة، وهذا كله جرّاء نيته الطيبة، هو الذي لا يملك ترف التغاضي عن مبلغ كهذا استدانه من أجل صديقه.

أحياناً كان يتقصد زيارته في مكتبه، يتسكّع أمام بابه الموارب، متحسباً ومتفكراً بأي وجه سيقابل صديقه، وماذا سيقول، وبأي كلمات يعاتبه على عدم وفائه بوعده حين جاءه متوسلاً المبلغ، إلى أن يجد نفسه أخيراً داخل مكتبه.. بلا كلام! وأحياناً يعود أدراجه دون أن يدخل، وقبل أن يلمحه أحد بينما يروح ويجيء في الممر، كمن يبحث عن شيء أضاعه!

لكنه، حين يجد نفسه أمام الباب، يبادر بالدخول ويسارع بالتقاط «ترموس» القهوة ليسكب لنفسه فنجاناً، ويجلس بمواجهته، متحدثاً عن كل شيء: خشيته من تقسيم العراق العظيم، إذ كل المؤشرات والخطط تؤكده! ثم سيجيء الدور على عمقنا الحضاري: الشام! الطقس هذا الصباح! انحسار طبقة الأوزون! تبدل مفاهيم اجتماعية وقيم متوارثة واستبدال أخرى جديدة طارئة بها دون أن يتنبه لها خبراء السلوك وعلماء الاجتماع! التحول في لغتنا العربية العظيمة، وظهور كلمات بحروف جديدة لا تشبه كلماتنا المتداولة أو طريقة كتابتها، يستخدمها الجيل الناشئ في وسائل التواصل الاجتماعي. يحدثه عن كل شيء، ولا يأتي على سبب مجيئه الحقيقي ولو بإشارة! إذ ثمة أمل يسكن أعماقه، ومن الصعب عليه فقدانه، ما يعني بحسب مفهومه وفلسفته، رهانه على نُبل صديقه ووفائه رغم كل المماطلات! وإنه بهذا، إنما يقاوم أفكاراً سيئة تراوده أحياناً في الليل، فتنتابه الشكوك وهو يتقلب في فراشه مهموماً متفكراً بحال صديقه، وسبب مماطلته بالتسديد، ولو بأقساط متقطعة بين الحين والآخر! أو ما الذي يحول دون تطييب خاطره بتقديم اعتذار جاد مصحوباً بأسباب مقنعة، ووعد قطعي بالوفاء، بداية من هذا اليوم -ودون أن ينسى الأقساط المتأخرة السابقة! حينها، إذا فعل، فسينسى سليماني ما كان، وكأن شيئاً لم يحدث!

***

في طريقه توقّف في «مول» المدينة الكبير الذي لا يبعد عن منزله، وانتقى هدية ثمينة تليق بالطالب الذي اجتاز امتحان الثانوية بنجاح ويتهيأ لدخول الجامعة.

وصل مهنئاً صديقه، مباركاً نجاح ابنه. وقبل تقديمه الهديه، أبدى اعتذاره عن التأخر، غير مكترث لفتور استقبال الصديق له وانشغاله بالهاتف، عازياً الأمر لأسباب لا علاقة له بها من بعيد أو قريب! وصديقه، بدوره، لم يعلّق بكلمة وهو يقدم له القهوة، بل تجاوز أعذار سليماني عن تأخره، كأنه لم يسمعها، منادياً على ابنه: «يا سعد، تعال سلِّمْ على العمو يا بابا».

بعد مرور وقت ليس بالقصير. وقت استنفده سليماني بتناوله كوباً من الشاي بالنعناع الأخضر، وتدخين أكثر من سيجارة، والرد على أكثر من مكالمة هاتفية – بعد كلّ هذا، فوجئ بشاب طويل ونحيل بملامح وسيمة مشرقة. شعره ينسدل على كتفيه، وهاتفه على أذنه يواصل حديثاً ما (هاتف لم يسبق لسليماني أن رآه من قبل! لا بد أنه هاتف ذكي بمواصفات مميزة وصل البلد حديثاً)!

صافح الشابُ سليماني فارداً رؤوس أصابعه، وتابع حديثه الهاتفي بينما يخطر بالصالة جيئة وذهاباً، إلى أن استقر في الزاوية البعيدة، على «الكنبة»، مرتكزاً بقدميه على الحائط، والسيجارة مشتعلة بين أصابعه.

التبس الأمر على سليماني وبقي واجماً يفكّر: «هل هذا سعد!» لم يتعرف إلى هذا الشاب. تذكره كحلم قصير خاطف صغيراً، حين كان يعمل مع أبيه في مصنع النسيج. أحياناً كثيرة كان يوصله رفقة ابنه للمدرسة، في الصباحات التي كان صديقه يضطر أن يذهب فيها مبكراً لعمله.

«مبروك لك يا سعد. ألف مبروك يا بني».

هل قال هذا حقاً، حين صافحه «الولد» برؤوس أصابعه، أم بقي واجماً مدهوشاً؟ لا يتذكر سليماني. لا يتذكر أنه صاحب هذه التهنئة، أم إنه ظل صامتاً مشدوهاً أمام سلوك هذا «الولد». لا يتذكر سليماني الآن شيئاً.

بعد مرور بعض الوقت، قُرع الباب، فسارع الابن لفتحه. دلفَ رجل فاستقبله معانقاً ومرحباً بغبطة كبيرة. خمَّن سليماني أنه من دائرة الأقرباء الضيقة، أو أحد أصدقاء العائلة المقربين.

جلس الرجل إلى جانب صديق سليماني بعد أن عانقه، وطفق يتحدث باسترخاء، منتقلاً من موضوع لآخر بلا توقف، إلى أن قال موجهاً الكلام للوالد وابنه:

- ها، ماذا بخصوص السيارة، هل قررتما شراءها؟ وما رأي سعد؟

كان سعد قد عاد لمكانه في الزاوية متمتماً، والهاتف ما يزال على أذنه.

- لا. بصراحة لم تعجبه، لا يريد سوى» ألماني»!

«بسيطة» أجاب الرجل، «المرسيدس متوفرة وبمختلف أنواعها. تعال غداً صباحاً وانتقِ ما يعجبك».

«لا يا بابا»، قفز سعد من مكانه، «أريد سيارة حديثة غير مستعملة. أخبرني صديقي أن آخر موديلات المرسيدس وصلت للسوق منذ أشهر قليلة».

- حسناً، تتوفر في معارضنا، ويتم استيرادها بمواصفات معينة بحسب طلب الزبائن. اقتربْ. ثمة صور حديثة وضعتها على جهاز «الآيباد» لآخر موديلات سيارتك، بإمكانك أن تمر غداً صباحاً للمعرض وتنتقي ما يعجبك منها.

أدرك سليماني أنّ الرجل وكيل معرض سيارات.

هنا، ولكي يخرج عن صمته الذي وجد نفسه فيه، بعد صدمته، وخشيته من أن يكون كشاهد الزور: «هل ستشتري سيارة لسعد؟»، قال سليماني موجهاً حديثه لصديقه.

- يا رجل. سعد صار طالباً بالجامعة، ومحاضراته يومية. ثم يا أخي شبكة المواصلات لدينا سيئة، وسعد يتأخر عن محاضراته، وخاصة المسائية.

«لكن الجامعة قريبة من هنا، أعني من بيتك، ولا تبعد سوى شارعين فقط ويكون في قلب الجامعة، وسيراً على قدميه لو أراد»، قال سليماني بانفعال.

«سأبيعها بسعر (طري) وخاص لصديقي، ومن أجل الطالب الجامعي» اعترض الرجل وكيل المعرض.

«لكن وضعك المادي لا يسمح لك بترف اقتناء سيارة، وسيارة تقول إنها بمواصفات حديثة»، رد سليماني بهدوء.

«وما شأنك أنت يا عمو؟ ما الذي يزعجك بالأمر؟» قال سعد وهو ما يزال يجلس في مكانه، وبيده «الايباد» وبأذنه سماعات بيضاء رفيعه وطويلة.

«وما شأنك أنت يا سليماني؟ ما الذي يزعجك بالأمر؟» أعاد الأب كلمات ابنه بتمامها، وبانزعاج كبير بادٍ على ملامح وجهه!

انكمش سليماني في مكانه غير مصدّق ما تسمعه أذناه. بهت كأنما توقفت ساعته بغتة، لكنه استجمع نفسه وقال، بصوت أراده مرتفعاً قدر ما يستطيع:

- ما دمت ياصديقي تريد أن تشتري لابنكَ الجامعي سيارة (وكالة وبنت سنتها)، فالأولى أن تسدد لي ما عليك، منذ سنة ويزيد! أين نقودي؟ أين نقودي؟ أم إنك ما تزال تماطل كعادتك وتسوّف؟ أريد نقودي الآن كاملة غير منقوصة؟ أين نقودي؟

هنا تداخلت الأمور وساءت على نحوٍ دراماتيكي غير متوقّع:

سارع «الولد» سعد ووقف أمام سليماني، صارخاً بوجهه:

- ما الذي تقوله؟ أنت تريد نقوداً من «البابا»؟ متى حدث هذا؟ أنت تكذب يا رجل وتزيف الحقيقة!

وانتفض الأب صارخاً بأعلى صوته:

- ما الذي تزعمه يا سليماني؟ أنا مدين لك بنقود؟ أيّ نقود هذه؟ هل تملك مستنداً بما تزعمه؟ وتتهمني أمام عائلتي وفي بيتي!

عندها، تدافعت الكلمات من فم سليماني كأنما بلا وعي، وأخرجَ مخبوء نفسه:

- ماذا! م ذا..أنت، أنت «يا صديقي»! هل حقاً أنت صديقي؟ بدأت أشك في أمرك وأمر صداقتك. أنت أنت يا صديقي (يقولها بسخرية)! الحقيقة أين دفنتها؟ ما تقوله أنت كذب وافتراء! أقسم ثلاثاً بالله العظيم أنني ما أزال أسدد الأقساط عند نهاية كل شهر من أجلك، وأنت تعرف هذا جيداً. هل بإمكانك أن تنكر والإيصالات كلها بحوزتك ؟ هذه هي الحقيقة الموضوعية المجردة إذا كنت ما تزال تؤمن بها!

لا يعرف سليماني ماذا حدث بالضبط بعد ذلك. لكنه يتذكر أنه رأى صديقه واقفاً بمواجهته تماماً، فيما سارع ابنه ودفَعه بيدين قويتين في ظهره، صارخاً:

- وتجرؤ على اتهام «بابا» أمامي، وفي بيتنا، يا لص؟ انصرف. انصرف الآن وإلّا هشمت وجهك، «والباب يلّي بجيبلك الريح سدّه واستريح يا ابن الحرام»!

من بين كلّ الأصوات الضاجة حوله، يتذكر سليماني بأسىً، وكأنه سمع صوتاً، دون أن يجزم أهو لوكيل معرض السيارات، أم لأحد آخر جاء في اللحظة الأخيرة، بعد أن تعالى ضجيج المشاجرة، إذ سمعه يصرخ بصوت متقطع: «وحدوا الله يا جماعة الخير واكسرو الشر»..

إلى أن وجد نفسه في الطريق العام، يلهث بأنفاس متقطعة، وكأنه في سباق مع أشباح تطارده، وقد تجلت متجسدة في صديقه بلا مواربة!