حنين خالد

«ها أنتِ تُقذَفين من رحم الغيوب وتجيئين من عمق الذاكرة، تجوبين أرجاء فكري وتدورين في ساحات نبضي.. من هنا، من غياهب هذا الشوق ومتاهات هذه الأفكار، أناديك وفي القلب غصة يبتلعها الحنينـ ولهيب يثيره احتضار السكون..

مشتاق وكم أشتاق إليكِ».

كان على وشك النوم، لكن صورتها التي باغتت مخيلته منعته من ذلك، وها هو يجلس مستغرقاً متكئاً على قبضة يده يحاول أن يحجب دمعة فض بكارتها الأمل.. تحركت في نفسه أمنيات لربما تكون في الوقت الراهن ميتة، فسرت في عروقه نشوة تصاعدت على إثرها تيارات الألم في ضلوعه، وقبل أن يمسك بقلمه ثانيةً ويستجدي بلاغة الشعر وحروف اللغة، وجه نظره إلى السماء، فلطالما ذكّره وجه القمر بأنوثتها الشهية..

نظرته الساخنة هذه لم تمكث في عينيه، بل ارتحلت إليها.. وهناك، حيث هي خلف الحدود، أخرجت ألبومَ الصور الذي يفوح منه عبق الماضي ويسيل منه لعاب الذكريات.. أخذت تتجاهل بعض الصور وتتأمل بعضها الآخر.. ثارت.. هاجت... احتضنت الألبوم مثل معشوق لها، وبكت هي أيضاً تتدثر بريح الذكرى ورعشة الحنين، وتشعر بالحاجة إليه.. تستنشق بقايا أنفاسه الجاثمة على ثيابه، وتبحث عن طيفه في بطانة هذا الليل.. تلفتت متأوهة إلى أولادها الثلاثة وترمقهم بنظرة حانية، وتعود إلى سريرها وهي تجترّ الحدود والاحتلال والوحدة.