أكد « الجاحظ « مراراً في كتابه الشهير ( الحيوان ) على أن الفرق بين الإنسان والحيوان إنما يتمثل في القدرة على التفكير وصولاً إلى حرية الاختيار.

وكان ينطلق في بحثه من مسلمة الإيمان، فهو يرى أن البحث في هذه الكائنات على اختلافها حجماً وتكويناً ووظيفة يعد وسيلة من وسائل الاعتبار والتأمل في حكمة الخالق بهذا التنوع العجيب من خلق الكائنات.

فالنمل لا يقل شأناً في تمثيله حكمة الخالق عن الفيل أو الإنسان، بل ربما هو أكبر شأناً في ذلك، إذا اعتبر الإنسان بالخفي والدقيق من الأمور.

وقد أجرى الجاحظ بنفسه تجارب الارتباط الشرطي على كلب محبوس للتعرف إلى ذكائه ورد فعله، فكان سابقاً بذلك عالم البيولوجيا «بافلوف» بقرون عدة، كما قارن بدقة بين سلوك القرد والإنسان، واكتشف تأثير الهرمونات على الجسم.

وسجل الجاحظ في كتابه (الحيوان) إشارته المبكرة إلى مفهوم الهندسة الوراثية وتحسين النسل، عندما تحدث عن التهجين المولد، وعبر عنه بالنتاج المركب.

ومن ذلك قوله: «إننا وجدنا بعض النتاج المركب وبعض الفروع المستخرجة منه أعظم من الأصل» , وعرف النتاج المركب بأنه ولادة بين جنسين مختلفين من الحيوان ، والنتاج المركب ممكن بين عدد من أجناس الحيوان: بين الذئب والكلبة، بين الحمار والفرس، بين الحمام البري والحمام الأليف، ثم هو غير ممكن بين عدد آخر من أجناس الحيوان كالبقرة والجاموس على قرب ما بينهما في الشكل.

وسمع الجاحظ ان الأفاعي تكره ريح السذاب والشيح وتستريح الى نبات الحرمل، فأراد ان يجرب ذلك بنفسه فألقى على رأس الافاعي وأنفها من السذاب ما غمرها، فلم يجد دليلاً على ما قالوا!.

ولا ينبغي ان يفهم لبعض محتويات كتاب (الحيوان) للجاحظ انه مارس المنهج العلمي التجريبي، كما يمارسه العلماء المعاصرون، فالجاحظ من علماء القرن التاسع الميلادي وليس من الإنصاف أن نقيمه بمقياس العصر الحاضر، لكنه كان يحمل شيئاً من صفات الباحث المدقق والعالم المجرب في مرحلة مبكرة من تاريخ التفكير العلمي.

مقدمة الكتاب

ومن مقدمة (الحيوان) أشار الجاحظ بقوله عن كتابه ما يلي: « يشتهيه الفتيان كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك. ويشتهيه اللاعب ذو اللهو، كما يشتهيه المجد ذو الحزم. ويشتهيه الغفل كما يشتهيه الأريب. ويشتهيه الغبي كما يشتهيه الفطن».

وهو بهذه العبارات حدد هدفه وغايته، كما وصف كتابه قبل ان يواصل قائلاً: وليس هذا الكتاب، يرحمك الله، في ايجاب الوعد والوعيد، فيعترض عليه المرجئ، ولا في تفضيل علي فينتصب له العثماني، ولا هو في تصويب الحكمين فيتسخطه الخارجي، ولا هو في تقديم الاستطاعة فيعارضه من يخالف التقديم، ولا هو في تثبيت الاعراض فيخالفه صاحب الاجسام، ولا هو في تفضيل البصرة على الكوفة، ومكة على المدينة، والشام على الجزيرة. ولا في تفضيل العجم على العرب، وعدنان على قحطان , وعمرو على واصل، فيرد بذلك الهزلي على النظامي، ولا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة، ولا هو في تفضيل امرئ القيس على النابغة،وعامر بن الطفيل على عمرو بن معد يكرب، وعباد بن الحصين على عبيد الله بن الحر، ولا في تفضيل ابن سريج على الغريض، ولا في تفضيل سيبويه على الكسائي، ولا في تفضيل الجعفري على العقيلي، ولا في تفضيل حلم الأحنف على حلم معاوية.

من هو الجاحظ !

« الجاحظ « هو عمرو بن بحر البصري، المكنّى بأبي عثمان. وقد تضاربت الآراء حول نسبه؛ فمنهم من قال بأنه من أصول عربية، ومنهم من قال بأنه ينحدر من أصل زنجي، وهو أحد كبار أئمّة الأدب العربي في عهد الخليفة المهدي في العصر العباسي.

و كان الجاحظ في عينيه جحوظ ، إلا أنه كان فكاهياً وهزلياً، وقد استوحى من شخصيته بعض سمات كتاباته؛ حيث كانت بعض كتاباته لا تخلو من الفكاهة.

تتلمذ الجاحظ على يد مؤلّف كتاب «نقائض جرير والفرزدق» الأديب أبي عبيدة، فأخذ منه علم اللغة العربية وآدابها، وتعلّم علم النحو على يد الأخفش، وتعلّم من الأصمعي، وعلى يد إبراهيم بن سيار البصري تعلّم علم الكلام.

ولم تقتصر ثقافة الجاحظ على لغته الأم اللغة العربية، بل امتدّت إلى الفارسية واليونانية والهندية، وتمكن من إتقان ذلك عن طريق مطالعة أعمال مترجمة، و مناقشة مترجمي الأعمال أنفسهم.

و اشتهر الجاحظ في عصره بحبه وشغفه للقراءة والمطالعة، حتى بات هذا الأمر يزعج والدته، وبقيت القراءة شغفاً يلازمه حتى لحظة مماته، وقد ظهر حبه للمطالعة من خلال توجّهه إلى دكاكين الوراقين والإقامة فيها للقراءة.. حتى لو اضطر إلى المبيت في تلك الليلة في الدكان لإتمام قراءة الكتاب.

و طرق الجاحظ كل أبواب القراءة والمطالعة؛ فلم يترك مصدراً للمعرفة إلا وتطرّق له، فقرأ الكتب، وتتلمذ على يد معلمي وعلماء عصره، الأمر الذي جعل من الجاحظ مثقفاً عظيماً.

فقد ولّدت لديه حلقات العلم في المساجد ثقافة عميقة، كما ساهمت في ذلك محاضرات رجال العلم حول علوم الفقه في اللغة العربية ونحوها وشعرها، فتمكّن من الحصول على الأستاذية الحقيقية بفضل علمه وثقافته الواسعة في اللغة العربية، ومما زاد من فرصة حصوله عليها هو ذكاؤه الخارق، فقام بعقد حلقات خاصة لطرح قضايا خاصة بالمسلمين والمشكلات التي تواجههم.

و استطاع الجاحظ أن يترك أثرٍاً عميقٍاً في اللغة العربية من خلال انتهاجه أسلوباً بحثياً علمياً.

واعتمد على ثلاث مراحل على النحو التالي: الشك، والنقد, والتجريب والمعاينة.

مؤلفات أخرى

من مؤلفاته الشهيرة كتاب البيان والتبيين المكوّن من أربعة أجزاء. وكتاب الحيوان المكون من ثمانية أجزاء. وكتاب البخلاء. وكتاب المحاسن والأضداد. والبرصان والعرجان. والتاج في أخلاق الملوك. والآمل والمأمول. والتبصرة في التجارة. والبغال. وفضل السودان على البيضان. وغيرها .